بَرْنَامَجُ
كُلُوا حَلَالاً طَّيِّبِاً
الحمد لله ،والصلاة والسلام على رسول الله
وبعد.
يُثار في الآونة الأخيرة جدلٌ واسع حول ما يتعلق بمسائل الطعام والشراب.
وفي الحقيقة أننا لانريد الدخول في هذا الجدل ولن ندخل فيه عملاً بقول رسول الله صلي الله عليه سلم :"أنا زعيمٌ ببيتٍ في رَبَضِ الجنَّةِ لمَن تَرَكَ المِراءَ وإن كان مُحِقًّا، وببيتِ في وسطِ الجنَّةِ لمَن تركَ الكذبَ وإن كان مازحًا، وببيتٍ في أعلى الجنَّةِ لمَن حَسُنَ خُلُقُه"(صحيح أبي داود).
لأن كثيرًا من هذا الجدل ناتج عن فهم خاطيء بعيداً عن منهج الدين في الطعام والشراب ولو وقفنا مع تعاليم ديننا في الطعام والشراب لوجدنا أنه يرتبط بعدة نقاط
من حيث الحلال والحرام والاسراف والتبذير والإفراط والتفريط والبرنامج الغذائي في القرآن والسنة
من حيث الحلال والحرام
فالقاعدة العامة في إباحة الأطعمة و الأصل في الأشياء عامة والأطعمة خاصة الحل والإباحة.ولا يحرم شيء إلا بالدليل القطعي والثابت ، أما الأصل في العقائد والعبادات الحظر ، ولا تشرع عبادة إلا بالدليل القطعي والثابت ، إذاً حينما قال الله عز وجل :
"هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا"(البقرة /29 )
وقال تعالي:" قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ" (الأعراف/32 )
وقال تعالى::"وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ"(الأعراف/157).
لقد وضع الله لنا قاعدة عظيمة في كتابه، مفادها أن كل ما لم يرد نص بتحريمه فهو حلال طيب؛ قال سبحانه وتعالى:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ"(البقرة، / 168).
يا أيها الناس كلوا من رزق الله الذي أباحه لكم في الأرض، وهو الطاهر غير النجس، النافع غير الضار، ولا تتبعوا طرق الشيطان في التحليل والتحريم، والبدع والمعاصي. إنه عدو لكم ظاهر العداوة.
هذا خطاب للناس
كلهم, مؤمنهم وكافرهم، فامتن عليهم بأن أمرهم أن يأكلوا من جميع ما في الأرض، من حبوب,
وثمار, وفواكه, وحيوانات, حالة كونها " حَلَالًا " أي: محللا لكم تناوله، ليس بغصب
ولا سرقة, ولا محصلا بمعاملة محرمة أو على وجه محرم، أو معينا على محرم.
طَيِّبًا أي: ليس بخبيث, كالميتة والدم, ولحم الخنزير, والخبائث كلها، ففي هذه الآية, دليل على أن الأصل في الأعيان الإباحة، أكلا وانتفاعا,
وأن المحرم نوعان: إما محرم لذاته, وهو الخبيث الذي هو ضد الطيب، وإما محرم لما عرض له, وهو المحرم لتعلق حق الله, أو حق عباده به, وهو ضد الحلال.
فالله سبحانه وتعالى حين خلق الإنسان استخلفه في الأرض، وأباح له من الطيبات ما يغذي روحه وبدنه، فكان الغذاء في الإسلام ليس مجرد إشباع للغريزة، بل هو وسيلة لإقامة الصُّلبِ لعبادة الله.
المنهج الوسط في الغذاء
إن المسلم مطالب بالبحث عن "الطيب" "الحلال"، فالحلال هو ما أذنت الشريعة به، والطيب هو الخالي من الأذى والضرر.
قال سبحانه:"فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ"
(النحل/ ١١٤).
ان المنهج الإسلامي يقوم على التوازن:
الحلال: ما أباحه الله.
الطيب: ما كان نافعًا خاليًا من الضرر.
وبين هذين المعنيين، ينبغي أن نفهم كل خطاب معاصر في قضايا الغذاء. فلا نُفرّط فنحرّم ما أحل الله، ولا نُهمل فنأكل كل شيء بلا وعي، بل نبحث عن الغذاء الذي يجمع بين الإباحة والسلامة.
وهذا هو الميزان الدقيق الذي يجمع بين نصوص الشرع ومتغيرات الواقع.
وقال تعالى:"قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ.."(الأنعام: 145).
هذه الآيات تقرر أن:الأصل في الطعام الحِلّ
والمحرمات محدودة ومذكورة قال تعالي :"
يقول الله تعالى ذكره: وقال الله لآدم:"يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما). فأسكن جل ثناؤه آدم وزوجته الجنة بعد أن أهبط منها إبليس وأخرجه منها, وأباح لهما أن يأكلا من ثمارها من أيّ مكان شاءا منها, ونهاهما أن يقربا ثمر شجرة بعينها ومع أنهما كانا يأكلان من جميع شجر الجنة ولكن حرم عليهما شجرة واحدة وليس كل الشجر ليبين لنا المولي عزوجل أن الحلال كثير وألوانه كثيرة وأن الحرام محدود ..أي نسبة المحرمات من الأطعمة لا تكاد تكون واحد بالمليون ،"وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ"هذه الشجرة واحدة .
"فتكونا من الظالمين" فتكونا ممن خالف أمر ربِّه، وفعل ما ليس له فعله"
الاسراف والتبذير
منهج"وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا"(الأعراف: 31).
هو قاعدة قرآنية شاملة للاعتدال، تجمع بين إباحة الطيبات والتحذير من تجاوز الحد في الطعام والشراب، مما يضمن صحة البدن وشكر النعمة. يرسخ الآية منهج حياة يوازن بين الاستمتاع بالحلال، والابتعاد عن التبذير، والتنوق المضِر، ومجاوزة الحق إلى الحرام، كما يربط بين السلوك الغذائي والمحبة الإلهية.
أهم ملامح هذا المنهج الرباني:
شكر النعمة والتمتع بها: إباحة الأكل والشرب
من طيبات ما رزق الله دون حرج، ما لم يخالطه سرف أو مخيلة (كبر).
الاعتدال الصحي والمالي: حث الآية على التوسط،
مما يساعد في تحسين الصحة العامة، تقليل أضرار الدهون والسكريات، والحد من استهلاك
الموارد بإسراف.
حد الإسراف: الإسراف هو إما الزيادة على
القدر الكافي الذي يضر الجسم، أو الإفراط في الترفه، أو التبذير في حرق المال، أو تجاوز
الحلال إلى الحرام.
توازن الحياة: هذا المنهج يمثل توازناً
بين الحياة الدنيا (التمتع) والآخرة (الاعتدال)، وينهى عن تضييع نعم الله، ويعد المسرفين
من المعتدين المذمومين.
شمولية المنهج: لا يقتصر الإسراف على الطعام
فقط، بل يشمل اللباس والنفقة، ويعتبر الإسراف علامة على قلة الشكر، والاعتدال هو تحقيق
للعدل.
بعض السلف: "جمع الله الطب كله في نصف آية:"وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا"
ويقول صلي الله عليه وسلم :" ما ملأ ابنُ آدمَ وعاءً شرًّا من بطنِه حسْبُ ابنِ آدمَ أُكلاتٌ يُقمْنَ صلبَه فإن كان لا محالةَ فثُلثٌ لطعامِه وثلثٌ لشرابِه وثلثٌ لنفسِه"(الترمذي والنسائي في السنن الكبرىوابن ماجه، وأحمد ).
وعن عبدالله بن عمرقال :" تجشَّأَ رجلٌ عندَ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ فقالَ كُفَّ جشاءَكَ عنَّا فإنَّ أطولَكم جوعًا يومَ القيامةِ أَكثرُكم شبعًا في دارِ الدُّنيا"(ابن ماجه و الترمذي).
والتجشؤ (خروج الهواء من المعدة بصوت) هو
علامة على كثرة الأكل، ويُعد فعلاً خلاف الأدب إذا كان بحضرة الآخرين،
وعن عبدالله بن عمرو قال رسول الله صلي الله عليه وسلم :"كُلوا واشرَبوا وتَصدَّقوا والْبَسوا ما لم يخالِطْهُ إسرافٌ أو مَخيَلةٌ"( ابن ماجه و النسائي وابن ماجه واللفظ له، وأحمد ).
لقد نظَّم الشَّرعُ الحكيمُ أمورَ الناسِ كلَّها، وجاء بما فيه مَصلحتُهم، وأحَلَّ لهم الطَّيِّباتِ وحرَّم عليهم الخبائثَ، وأباح لهم التَّمتُّعَ بالحياةِ ومَلذَّاتِها، لكنْ دونَ إفراطٍ أو نسيانٍ لحقوقِ اللهِ والعبادِ. ...
وفي هذا الحديثِ يقولُ عبدُ اللهِ بنُ عمرِو بنِ العاصِ رَضِي اللهُ عنهما: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "كُلوا واشْرَبوا وتَصدَّقوا والْبَسوا"، أي: افعَلوا كلَّ ذلك مِن أموالِكم، ولا حرَجَ عليكم فيما أباحه اللهُ عزَّ وجلَّ وفصَّلَتْه السُّنَّةُ النَّبويَّةُ، "ما لم يُخالِطْه إسرافٌ"، وهو الإفراطُ ومُجاوَزةُ الحَدِّ، "أو مَخِيلةٌ" وهي: الزَّهْوُ والتَّكبُّرُ والإعجابُ بالفِعلِ أو النَّفسِ، وهذا الحديثُ مُوافِقٌ لمعنى قولِه تعالى:"وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ"(الأعراف: 31).
وقولِه تعالى:"وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا"(الفرقان: 67). ،
وهو جامِعٌ لفَضائلِ تَدبيرِ الإنسانِ لنَفْسِه،
وفيه تدبيرُ مَصالحِ النَّفْسِ والجسَدِ في الدُّنيا والآخِرةِ؛ فإنَّ السَّرَفَ في
كلِّ شيءٍ يُضِرُّ بالجسَدِ، ويُضِرُّ بالمعيشةِ؛ فيُؤدِّي إلى الإتلافِ، ويُضِرُّ
بالنَّفسِ إذ كانَت تابِعةً للجسَدِ في أكثَرِ الأحوالِ، والمَخِيلةُ تُضِرُّ بالنَّفسِ
حيثُ تُكسِبُها العُجْبَ، وتُضِرُّ بالآخِرَةِ حيث تُكسِبُ الإثمَ، وبالدُّنيا حيث
تُكسِبُ المَقْتَ مِن النَّاسِ. ... وفي الحديثِ: بيانُ سَعَةِ الإسلامِ وتَيسيرِه
على النَّاسِ في المباحاتِ، دونَ إفراطٍ مُخِلٍّ بالمالِ أو النَّفسِ أو الدُّنيا والآخرةِ.
وفيه: الحثُّ على التَّرشيدِ للنَّفسِ والتَّحكُّمِ في شِهواتِها.
وهذه مقولة هي جزء من أثر مروي عن الصحابي سمرة بن جندب رضي الله عنه، عندما بشِم (أكثر من الأكل حتى تخم) ابنه، فقال: "أما إنه لو مات ما صليت عليه".
ماذا تعني؟
التخمة والإسراف: القصة تشير إلى خطورة
كثرة الأكل والإسراف فيه، الذي يُثقل المعدة، ويُثبط الإنسان عن العبادة، وقد يمنع
القيام بالواجبات.
عقوبة للإسراف: قالها كنوع من التغليظ والتربية،
لإظهار كراهية الإسراف في الطعام والشراب، حتى لو كان الطعام حلالاً، فإن المبالغة
فيه لا تليق بالمؤمن.
آداب الطعام: الإسلام يحث على الاعتدال
في الطعام (ثلث لطعامك، وثلث لشرابك، وثلث لنفسك) كما في الحديث النبوي.
خلاصة القول، هي جملة تُضرب للزجر عن التخمة والإسراف في الأكل