علامات قبول العمل الصالح
قصة الصحابي الجليل الذي كان يعرف قبول عمله بعلامات.
استدامة الطاعة والثبات عليها.
الفرح بطاعة الله والانشراح لها.
التوفيق لعمل صالح بعد العمل الصالح.
الشعور بالتقصير والاستغفار.
قبول الدعاء ورؤية ثمرته.
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً
عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
أيها المسلمون، أوصيكم ونفسي بتقوى الله
عز وجل، فهي زاد المؤمن إلى رضوانه، وبها تُقبل الأعمال وتُرفع الدرجات.
لنبدأ أيها الأحبة بقصة عظيمة من قصص الصحابة،
تُبين كيف كانوا يعرفون قبول الطاعة عند الله.
روى الإمام أحمد وغيره بسند صحيح عن عائشة
رضي الله عنها قالت: سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: {وَالَّذِينَ
يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون: 60]، أهو الذي يزني ويسرق
ويشرب الخمر وهم يخافون؟ قال: «لا يا بنت الصديق، ولكنه الذي يصوم ويتصدق ويصلي وهو
يخاف ألا يُقبل منه». فهذا الصحابي الجليل الذي تفيض عيناه خشية ألا يُقبل منه صلاته
وصيامه وصدقته، هو الذي علمنا أن علامة القبول أن يكون العبد بين الخوف والرجاء، وأن
لا يعجب بعمله، بل يجتهد في إخلاصه ثم يترك النتيجة لربه.
المداومةعلي الطاعة والثبات عليها
عباد الله :" من أعظم علامات قبول العمل أن يوفق العبد
بعد رمضان إلى الاستمرار على الطاعة، فلا ينقطع عن المسجد، ولا يترك قيام الليل، ولا
يهجر الصيام. قال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا
تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا" (فصلت:
30).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أحب الأعمال
إلى الله أدومها وإن قل"(متفق عليه).
فمن علامة القبول أن ترى العبد بعد رمضان على حال من الصلاح، يصوم الست من شوال، ويحافظ على الصلوات، ويتزود من النوافل وقبام الليل .
الفرح بطاعة الله والانشراح
لها
عباد الله:" إذا قبل الله طاعة العبد أورثه حلاوة الطاعة
والأنس بها، فيجد في قلبه فرحاً بالتقرب إلى الله، ولا يثقل عليه فعل الخير. قال تعالى:"قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا
يَجْمَعُونَ"(يونس: 58).
وقد روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال:"للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه». فالفرح بطاعة
الله من ثمرات القبول.
وكان السلف الصالح إذا رأوا من أنفسهم نشاطاً
في العبادة وسعة في الصدر، استبشروا بذلك وبكوا، وقالوا: هذه علامة القبول.
التوفيق لعمل صالح بعد العمل الصالح
عباد الله :" إن من علامات القبول أن يمن الله على العبد
بعمل صالح عقب العمل الصالح، فالحسنة تجر الحسنة، والسيئة تجر السيئة. قال تعالى:"إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ"(هود: 114).
قال الحسن البصري رحمه الله:"جزاء الحسنة
الحسنة بعدها، وجزاء السيئة السيئة بعدها" .
ومن الأدلة على ذلك حديث أبي ذر رضي الله
عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها،
وخالق الناس بخلق حسن"(الترمذي وقال: حسن صحيح).
فمن علامة قبول صيام رمضان أن يوفقك الله
لصيام ست من شوال، ومن علامة قبول قيامه أن يحفظ لك قيام الليل في غيره.
الشعور بالتقصير والاستغفار
عباد الله:"إن من أعظم علامات قبول العمل أن لا يرى
العبد عمله، بل يرى تقصيره، ويستغفر الله من قصوره. روى الترمذي بسند صحيح عن أنس بن
مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل ابن آدم خطاء، وخير
الخطائين التوابون".
وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:
«اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي
جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي"(متفق عليه).
فالخوف من عدم القبول كما كان حال الصحابة الذين يخشون ألا يتقبل منهم، هو من ثمرات الإيمان، وهو علامة على أن العبد قد أخلص العمل لله.
قبول الدعاء ورؤية ثمرته
عباد الله :" إن من أعظم علامات القبول أن يستجيب الله
دعاء العبد، ويريه من أسباب التوفيق والبركة في حياته ما يدل على رضا الله عنه. قال
تعالى:"وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ
إِذَا دَعَانِ"(البقرة: 186).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"ليس شيء
أكرم على الله من الدعاء"(الترمذي وحسنه).
فإذا رأى المسلم بعد رمضان انفتاح أبواب الخير عليه، وتيسير أموره، واستقامة قلبه، فليعلم أن الله قد قبل منه ما مضى، ويسره لما فيه صلاحه.
عباد الله :" هذه علامات القبول، ولكن لا ينبغي للمسلم أن يجزم بأن الله قد قبل عمله جزماً، بل يكون بين الخوف والرجاء، فإن علم من نفسه هذه العلامات فليحمد الله وليسأله الثبات، وإن رأى تقصيراً فليتب وليستغفر وليحسن الظن بالله.
أسأل الله لي ولكم قبول الطاعات، وحسن الختام، والثبات على الحق، إنه سميع مجيب.
اللهم تقبل منا صيامنا وقيامنا وصالح أعمالنا،
اللهم اجعلنا من عتقائك من النار، اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً، واجعلنا من الذين
يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل، ووفقنا لما تحب
وترضى، واجعل أعمالنا خالصة لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد فيها شيئاً، اللهم أصلح أحوالنا،
واغفر ذنوبنا، وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان
وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله
العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
والحمد لله رب العالمين.