recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة خُطُورة النفس وكيفية الحماية مِنْ شُرورِها

 خُطُورة النفس وكيفية الحماية مِنْ شُرورِها 


الحمدُ للهِ ربِ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ الأمين ، وعلى آلِه وصَحبِه أجمعين، وبعد

يقولُ اللهُ تعالى في مُحكمِ التنزيل (فَأَمَّا مَن طَغَىٰ (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) النازعات.

وقالَ رسولُ اللهِ في حجَّة الوداعِ: "أَلَا أُخْبِرُكُم بالمُؤمِن؟ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذَّنُوبَ" أخرجه ابن حبان.

أيها المسلمون

قال الإمام الغزالي في الإحياء: "أعداءُ الإنسانِ ثلاثة: دنيَاه، وشيطانَه، ونفسَه". أمَّا الشيطانُ فقد أمرَنا اللهُ تعالى باتخاذِه عَدُواً فقال (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) فاطر ٦؛ وقد تحدثنَا عنه باستفاضة في الخُطبتَين المَاضِيَتَين؛ وأمَّا الدُنيا فقد بصرَنا اللهُ تعالى بحقيقتِها فقال (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) الحديد ٢٠؛ وأما النفسُ فقد كشَف اللهُ لنا حالَها فقال (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (١٠) الشمس؛ وهي مُحورُ خطبتِنا اليوم.

أيها المسلمون

اللهُ تعالى خلَقَ النفسَ الإنسانية وسوَاهَا، وركَّب فيها قابِلية الاستعداد لفعلِ الخيرِ والشَر، الهُدَى والضَلال لتعيش ابتلاء الحياة الدنيا، بخلافِ المَلائكة الذين (لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦) التحريم.

ثم إنه سبحانه لم يتركها بلا هُدَى بل بيَّن لها الصِراط المُستقيم الذي يُوصِلُ إليه عبر إرسالِ الرُسل، وإنزالِ الكُتب لتنجح في الابتلاء اختياراً، وبيَّن لها الوسائل التي تُعيِنُ على اتباعِه والعواقب المُتَرتِبة على ذلك قال تعالى (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) النازعات؛ ولذلك فالنفسُ هِيَ التي تُحاسَبُ يومَ القيامةِ على كسبِها (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١١١) النحل.

أيها المسلمون

 أولُ جريمةٍ ارتكبها الإنسانُ في الأرضِ كان سببُها النفسُ فقد طَوِّعت لصاحِبِها القتل أنانيةً وحسَدَاً قال تعالى (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) المائدة؛ فبسببِ الحَسَد قَتَل قابيلُ أخَاه هابيل وقد بيَّن اللهُ تعالى أن نفسَه هي التي حفزَته على قتلِ أخيه وسهَّلت له ذلك (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠) المائدة.

ونَفْسُ السامِري هي التي سوَّلت له إضلال بني إسرائيل بعبادةِ العِجل بعد أن ذَهَبَ موسَى عليه السلام لميقاتِ ربِه (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) طه، والسامرِي أَخْرَجَ (لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ (٨٨) طه، ورُغم وجود هارون عليه السلام بينَهم ونصيحتَه لهم إلا أن بني إسرائيل رفضوا ترك عبادة العجل حتى يرجِعَ إليهم مُوسَى (قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ (٩١) طه.

والنَفسُ هي سَوَّلت لإخوة يُوسُف قتَلَه لإبعادِه مِنْ أبيه والاستئثار بمكانتِه - لولا لطفَ اللهِ تعالى- بتدخل أحدِ الإخوة الذي أثْنَى إخوتَه عن قرارِ القتل واقترَح عليهم الاكتفاء برميِه في البئر (قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (١٠) يوسف؛ وهي التي سَوَّلت لهم افتراء الدمِ الكَذِب على قميصِه وإلصاق الجريمة بالذِئب؛ وقد كان تعليقُ أبيِهِم على الفِرية بأن أنفسَهم قَدْ سوَّلت لهم أمَراً آخَرَ غير الذي افتَرَوه عليه (وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧) وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ (١٨) يوسف؛ ففعلُ إخوةِ يُوسُف في المَرتينِ هو نتيجةُ تسويلِ النفسِ التي زيَّنت لهم ظلمَ أخيِهِم مع تغطية الحقيقة حتى لا تظهَر أمَام أبيِهم.

والنَفسُ هي التي أمرَت زليخة باستدراج يُوسُف إلى الزنا (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) يوسف، وهي التي أمرَتها بافتراءِ أنه قَدْ تَحرشَ بها حتى تنجو مِنْ خطِيئَتِها (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) يوسف، وهي التي سَوَّلت لها إدخالِه السجن إذا لم يستجِب لطلبِها (وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) يوسف؛ وقد اعترفت هي نفسها بذلك فقالت (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٥٣) يوسف.

وهَوَى النفس هو الذي جعَل بنِي إسرائيل يُكَّذِبُون فريقاً مِنْ الأنبياءِ الذِينْ أرسَلَهُم اللهُ تعالى إليهِم ويقتلون الفريق الآخر رغم وضوح البيِّنات التي جاءوا بها (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ۖ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧) البقرة.

والنفسُ هي التي زَرَعَت في إبليس الكِبر فتَمَرَد على الأمر الإلهي برفضِ السجود لآدم (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (٧٦) ص.

والنفسُ هِي التي قدَّمَت لبنِي إسرائيل - الذين عاصَروا النبي - التحالف مع المُشرِكين ضد المُسلمِين، وجمَّلته لهم مع أن المُسلِمين أقرَب إليهم قال تعالى (تَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) المائدة ٨٠.

والنفسُ تأمرُ صاحبَها بالطُغيان وإيثار الحياة الدنيا على الآخرة إن لم يتحصن مِنْ هَواهَا بمُراقبِةِ الله (فَأَمَّا مَن طَغَىٰ (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ (٤١) النازعات.

والنفسُ تأمرُ صاحبَها بالبخل والشُح وإيثار الذات على الآخرين ومَنٔ يفعل عكسَ ذلك فقد وقاَه اللهُ شُحَها كالأنصار الذِيْنَ آوَوْا المُهاجرِين في المدينة، وقدَّموا لهم الدعم المادي والمعنوي بعد أن أخرجَهم أهلُ مكةَ مِنها (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) الحشر؛ ولذلك مَنٔ يستغِلون ظروف النازحين من جحيم الحرب في الإيجارات أو الأسعار فقد كبَّلهُم شُحَ النفس من النجاح في امتحان الحرب بإكرام الفارِين مِنْ جحيمِها.

والنفَسُ أحبتي هي سببٌ في كثيرٍ مِنْ المُصائِب التي تحِل بالأمم قال تعالى (ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ۙ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ ۚ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (٥٤) الأنفال، وما يحصُل لنَا من مصائِب سببُه نحن (مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيداً) النساء ٧٩ جاء في التفسير الوسيط " والمعنى: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ أى من نعمةٍ وأمورٍ حَسنةٍ تفرحُ بها فَمِنَ اللَّهِ أى فبتوفيقِه لك وتفضلِه عليك، وإرشادك إلى الوسائل التي أوصلتك إلى مَا يسُرُك.

وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ أى مِنْ مُصيبةٍ أو غيرَها مِما يُحزِن فَمِنْ نَفْسِكَ أى: فمِنْ نفسِك بسببِ وقوعِها فيما نَهَى اللهُ عنه، وتركَها للأسبابِ المُوصِلة إلى النجاح، كما قال تعالى (وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ)، وروى الترمذي عن أبى موسى الأشعرى عن النبي قال: «لا يُصيِب عبداً نَكتَةً فما فوقَها أو دونَها إلا بذنب"؛ وهذا ينبغي أن يجعلنا نعقِد مراجعةً شاملة لأنفسِنا بعد انتهاء الحرب كدولة ومجتمع؛ فإن الحربَ لم تقم إلا بسببِ أدائِنا العسكَري والسياسي وفسادِنا الاقتصادي وضعفِنا الأخلاقي وإعلامِنا المُحَرِض على الفِتَن وشَق الصف الوطني وأنانيَتِنا في تقديمِ المصالحِ الخاصة على العامة؛ فلنتُب إلى اللهِ تعالى مِما فعَلنا ولنجعَل هذه الحرب هي آخرُ حربٍ تمرُ بها البلاد؛ وهذا لا يحدث إلا إذا غيَّرنا ما بأنفسِنا، وبدَّلنا الاستقطاب السياسي بالتوافق الوطني، والجيوش المتعددة إلى جيش واحد صالح يحمِي ترابَ الوطن وإنسانَه، والاقتصاد المُسخَّر لخدمة البعض بالاقتصاد المُسخَّر للمصلحة العامة، والإعلام التحريضي بالإعلام الراشد الذي يبني الوعي ويُرسِخ القيَّم الصالِحة، والجهل المتفشي وسط أبنائِنَا بنشر التعليم للجميع، وتردي الأخلاق بتعزيزِها وتمكينِها في أجهزة الدولة بشِقَيها المدني والعسكري وفِي المجتمع.

الحديث

عن أبي موسى الأشعري رضي اللهُ عنه أن رسولَ اللهِ قال: "إنَّ بين يدَيِ الساعةِ لهرَجًا، قال: قلت: يا رسولَ اللهِ ما الهرَجُ؟ قال: القتلُ، فقال بعضُ المسلمينَ: يا رسولَ اللهِ إنا نقتُلُ الآن في العامِ الواحدِ من المُشرِكينَ كذا وكذا، فقال رسولُ اللهِ : ليس بقتلِ المُشرِكين ولكن يقتُلُ بعضُكم بعضًا حتى يقتُلَ الرجلُ جارَهُ وابنَ عمهِ وذا قرابتِهِ فقال بعضُ القومِ: يا رسولَ اللهِ ومعَنا عُقولُنا ذلك اليومِ؟ فقال رسولُ اللهِ : لا، تُنزَعُ عُقولُ أكثرِ ذلك الزمانِ ويَخلُفُ له هباءٌ من الناسِ لا عُقولَ لهم" أخرجه أحمد.

وقال أيضاً: "يَأتي علَى النَّاسِ سنواتٌ خدَّاعاتُ يُصَدَّقُ فيها الكاذِبُ ويُكَذَّبُ فيها الصَّادِقُ، ويُؤتَمَنُ فيها الخائنُ ويُخَوَّنُ فيها الأمينُ، وينطِقُ فيها الرُّوَيْبضةُ قيلَ وما الرُّوَيْبضةُ؟ قالَ الرَّجلُ التَّافِهُ في أمرِ العامَّةِ" صحيح ابن ماجه.

وعن أبي هريرة رضي اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ : "لَيَأْتِيَنَّ علَى النَّاسِ زَمانٌ، لا يُبالِي المَرْءُ بما أخَذَ المالَ، أمِنْ حَلالٍ أمْ مِن حَرامٍ" البخاري؛ فاحذروا أحبتي مِنْ هذه الأمراض التي حذَّر منها رسولُ اللهِ (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١) الأنفال.

 أقولُ ما تسمَعُون واستغفرُ اللهَ لي ولكم فاستغفِرُوه إنه هو الغفورُ الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ ربِ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على أشرفِ المُرسَلين، سيدِنا ونبيِنا مُحمَد بنْ عبدِ الله الصَادقِ الأمين وعلى آلِه وصَحبِه أجمعين، وبعد

يقولُ اللهُ تعالى في مُحكمِ التنزيل (قَدۡ أَفۡلَحَ مَن تَزَكَّىٰ* وَذَكَرَ ٱسۡمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ* بَلۡ تُؤۡثِرُونَ ٱلۡحَیَوٰةَ ٱلدُّنۡیَا* وَٱلۡـَٔاخِرَةُ خَیۡر وَأَبۡقَىٰۤ* إِنَّ هَـٰذَا لَفِی ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ* صُحُفِ إِبۡرَ ٰهِیمَ وَمُوسَىٰ) الأعلى ١٤-١٩.

أيها المُسلِمُون

 ذكَرنَا ما ذكَرنَاه عن النفس لكي نُدرِك أن الشيطانَ ليس هو العدو الوحيد للإنسان؛ بل النفسُ هي مِنْ ألَدَّ أعدائِه أيضاً؛ فالشيطانُ وظيفتُه التزيين أما النفسُ فَهِيَ مَنْ يتخذ القرار باتباعِ الضلالِ أو الهُدى، الطاعة أو المعصية قال تعالى (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم) إبراهيم ٢٢.

والنفسُ أحبتي لها وَسوَسَة كما للشيطانِ وَسوَسَة (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) ق ١٦؛ فكيف السبيلُ لإصلاحِها وحملِها على طاعةِ اللهِ تعالى والبُعدِ عن مَعصِيَتِه؟

أولاً: نُصلِحُ أنفسَنا بالتزكِية قال تعالى (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (١٠) الشمس. والتزكيةُ تتحقَق بالإيمان، والتوبة النصوح، والعبادات، والذِكر، وتلاوة القرآن وتدبره، وكافة الوسائل الإيمانية؛ فإن غايةَ التزكية أحبتي هي التخلي عن كلِ ما يُغضِب الله والتَحلِي بمِا يُرضِيه.

ثانياً: نُصلِحُ أنفسَنا بمعرفةِ اللهِ تعالى حقَ معرفتِه، وخشيتِه في السرِ والعَلن قال تعالى (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) النازعات.

ثالثاً: نُصلِحُ أنفسَنا بمعرفةِ حقيقةِ الدنيا وحقيقةِ الآخرة فمَنْ عَرَفَ حقيقتَهما سَهُلَ عليه صَلاحُ نفسِه قال تعالى (وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا ۚ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٠) أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١) القصص.

رابعاً: نُصلِحُ أنفسَنا بمُجَاهَدتِها على فعلِ الطاعاتِ وترِك المعاصي واتباعِ الهوى قال تعالى (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩) العنكبوت، وقال رسولُ اللهِ "والمجاهدُ من جاهدَ نفسَهُ في طاعةِ اللَّهِ" أخرجه أحمد.

خامساً: نُصلِحُ أنفسَنا بالدعاء والتعوذ مِنْ شرِها قال تعالى (قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ* مَلِكِ ٱلنَّاسِ* إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ* مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ ٱلۡخَنَّاسِ* ٱلَّذِی یُوَسۡوِسُ فِی صُدُورِ ٱلنَّاسِ* مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ) الناس ١-٦؛ فالتعوذُ في السُورَة ورَدَ في حقِ وَسوَسَة الشيطان والإنسان (ٱلَّذِی یُوَسۡوِسُ فِی صُدُورِ ٱلنَّاسِ* مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ)؛ ولذلك كان رسولُ اللهِ يستعيذُ باللهِ من شرِ النفس ويُعَلِّمُ أصحابَه ذلك عن أبي هريرة أن أبا بكرٍ رضي الله عنهما قال: يا رسولَ اللهِ مُرنِي بكلماتٍ أقولُهُن إذا أصبحتُ وإذا أمسيتُ, قال قل: اللهُم فاطرَ السمواتِ والأرضِ، عالمَ الغيبِ والشهادةِ، ربَّ كلِّ شيءٍ ومليكَه، أشهدُ أن لا إله إلا أنت، أعوذُ بك من شرِّ نفسي، وشرِّ الشيطانِ وشِرْكِه. قال: قلْها إذا أصبحتَ, وإذا أمسيتَ، وإذا أخذتَ مضجعَك" صحيح أبي داود.

أيها المُسلِمُون

قال ابنُ القيم رحِمَه الله: "جهادُ النفس أربع مَراتب:

أحدُها: أن تُجاهِدَها على تعلُم الهُدَى ودينِ الحقِ الذي لا فلاحَ لها ولا سعادةَ في معاشِها ومعادِها إلا بِه. ومتى فاتَها علمَه شَقِيت في الدَارين.

الثانية: أن تُجاهِدَها على العمل به بعد عِلمِه، وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرَها لم ينفعها.

الثالثة: أن تُجاهِدَها على الدعوةِ إليه وتعليمِه مَنْ لا يعلمَه وإلا كان مِنْ الذين يكتمون ما أنزل اللهُ من الهُدَى والبيِّنات، ولا ينفَعه عِلمُه، ولا يُنجِيه من عذابِ الله.

الرابعة: أن يُجاهِدَها على الصبر على مَشاقِ الدعوة إلى اللهِ وأذى الخَلْق، ويتحمل ذلك كله لله"؛ فمَنْ استكمل ذلك فقد صَارَ رَبَانِيَاً.

اللهم إنَّا تَبرَأنا إليك من شرِ نفوسِنا وتعوذنا بك مِنه، ومِنْ جميعِ ما يصُدَنا عنك، وأنِبنَا إليك ثقةً بك واختياراً لما عندَك فلا تكِلنا إلى أنفسِنا طَرفةَ عين ولا أقلَ مِنْ ذلك يامَنْ يتولى الصالحين فتَولَنا برحمتِك يا أرحم الراحمين، وعجِّل بالفرجِ لبلادِنا والمستضعفينَ من عبادِك في كلِ مكان آمين وأقِم الصَلاة.

 

google-playkhamsatmostaqltradent