recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة فَأَمَّاالْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ احمد إبراهيم الأزهري

فَأَمَّاالْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ  

  


العنصر الأول: عناية الشريعة الإسلامية باليتيم: إنَّ هذا الدين العظيم الذي سعدت به البشرية وما زالت تسعد به إلي أن يرث الله الأرض وَمَن عليها، أتي بحقوق لكل طوائف المجتمع ليغرس في قلوبهم وأخلاقهم ومعاملاتهم مبدأ التراحم والتكافل والتعاون حتي لكأنهم جسد واحد، وهذا هو عين ما أوصي به رسول اللهحين قال: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى" (صحيح مسلم). ومن بين هذه الحقوق: حق اليتيم .

واليتيم من الناس: مَن فقَدَ أباه، ومن البهائم: مَن فقَد أُمَّه. ويستمر اليتم حتي البلوغ؛ فاليتيم عند الفقهاء هو مَن فقد أباه ما لم يبلغ الحُلُم، فإذا بلغ الحُلُم زال عنه اليُتم؛ لذلك قال النبي : "لا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلامٍ". ( أبوداود بسند صحيح ).

ولقد كان خير من وطئت الأرض قدماه يتيماًفقد تُوفى أبوه قبل أن يُولد، وتُوفيت أمّه وهو في السادسة من عمره، وتوفي جدّه وهو في الثامنة من عمره . فكان يتمه تشريفاً لكل يتيم، فهو اليتيم الذي أعاد البسمة والسعادة لليتامى علي ظهر الأرض، وربنا يمتن عليه بهذه النعمة فقال له: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى. (الضحي).    حَسْبُ اليتيم سعادةً أنَّ الذي . نشرَ الهُدَى في الناسِ عاشَ يَتيما.

ولمكانة اليتيم واهتمام الإسلام به نجد أن آيات القرآن الكريم تضافرت للحديث عن اليتامى وبيان حقوقهم؛ فلقد أمر الله بالإحسان إلي اليتيم في كل زمان ومكان بل لقد أخذ الله الميثاق علي بني إسرائيل بالإحسان إلي اليتامي فقال : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى..(البقرة:83). ومن عظيم عناية شريعة الإسلام بهم أنها جعلت لهم حقاً في المال العام وكذا الخاص. ففي المال العام قال تعالي: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى(الأنفال:41). وقال تعالي: مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى (الحشر:7). فجعلت لهم خُمس الخُمس. وفي المال الخاص قال تعالي: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ (البقرة:215).

بل جعل الله الإحسان إلي اليتيم من البر الذي هو عنوان صدق الإيمان فقال تعالي: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ (البقرة:177).

ولعظيم عناية الله وأمره بالحفاظ علي أموال اليتامي أرسل نبيّان كريمان لبناء الجدار علي كنز غلامين يتيمين فقال: وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ.(الكهف:82)

بل حض الله المسلمين علي إطعام اليتيم ومدح المُطعمين لليتامي فقال مخاطباً لهم حاثاً علي إطعام اليتيم: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ. فَكُّ رَقَبَةٍ. أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ. يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ. أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ.(البلد). بل مدحهم الله ووعدهم بالجنة والنجاة من شر يوم القيامة فقال: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا. إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا. فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا .وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا . (الإنسان) .

العنصر الثاني: جزاء كافل اليتيم: لقد حض النبي   علي كفالة اليتيم والإحسان إليه، فقال: أَنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ فِي الجَنَّةِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى، وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا. (البخاري). وعند مسلم: كَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ. وقال " أيضاً: مَنْ ضَمَّ يَتِيمًا بَيْنَ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ إِلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْهُ، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ الْبَتَّةَ. أخرجه أحمد وصححه الأرناؤوط. وكان ابن عمر لا يأكل طعاماً إلا وعلي خِوانه يتيم. قال ابن بطال: حق على من سمع هذا الحديث أن يعمل به ليكون رفيق النبي   في الجنة ولا منزلة في الآخرة أفضل من ذلك. وقال ابن عبد البر: وحسبك بهذا فضيلة وقربة من منزلة النبي   في الجنة، فليس بين الوسطى والسبابة في الطول ولا في اللصوق كثير، وإن كان نسبة ذلك من سعة الجنة كثير. 

وأما جزاء من تربي أيتامها: فعن أبي هريرةقال: قال رسول الله : أنا أول من يفتح باب الجنة إلا أني أري امرأة تُبادرني فأقول لها مالك ومن أنت؟ فتقول: أنا امرأة قعدت علي أيتام لي. قال المنذري : إسناده حسن إن شاء الله.

واعلم أن النفقة علي اليتيم القريب أعظم أجراً فلما سألت زَيْنَب امْرَأَة عَبْد اللَّه بن مسعود رسول اللهبواسطة بلال قالت له: سَلِ النَّبِيَّ   أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي، وَأَيْتَامٍ لِي فِي حَجْرِي؟ فَدَخَلَ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: مَنْ السائلة؟ قَالَ: زَيْنَبُ، قَالَ: أَيُّ الزَّيَانِبِ؟ قَالَ: امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: نَعَمْ، لَهَا أَجْرَانِ، أَجْرُ القَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ. (البخاري).

وكفالة اليتيم تفرج الكروب وتزيل قسوة القلوب: فعن أبي الدرداء قال: أتي النبيرجل يشكو قسوة قلبه فقال له: أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك؟ ارحم اليتيم وامسح رأسه وأطعمه من طعامك يلين قلبك وتدرك حاجتك. (الصحيحة للألباني).

العنصر الثالث: جزاء آكل أموال اليتامي: لقد نهي اللهعن إهانة اليتيم أو الإساءة إليه أو الغلظة عليه فقال لرسوله  : فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ. بل ذمّ الله تعالي أولئك الذين يُهينون اليتيم ويزجرونه ولا يكرمونه؛ وجعل إهانته من شيم الكافرين المكذبين بيوم الدين، فقال تعالي: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ. فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ. وقال متوعداً هؤلاء: كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ.

وحافظ الإسلام علي أموال اليتامي وشدد في ذلك فأمر بدفع ميراث آبائهم إليهم فقال تعالي: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (النساء:2). وعند دفعها إليهم أمر باختبارهم في التصرف في هذا المال حتي يطمئن إلي عدم سفههم في إنفاقه فقال تعالي: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (النساء:6). ومن أجلِّ المواقف الإيمانيَّة للصحابة الكرام الوقَّافين عند حدود الله، ما رواه أبو داود بسند حسن من حديث ابن عباس قال: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ : وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (الإسراء: 34). و: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا . (النساء:10)، انْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ، فَعَزَلَ طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهِ، وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ، فَجَعَلَ يَفْضُلُ مِنْ طَعَامِهِ، فَيُحْبَسُ لَهُ؛ حَتَّى يَأْكُلَهُ أَوْ يَفْسُدَ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ   فَأَنْزَلَ اللَّهُ  : ... وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ... (البقرة: 220)، فَخَلَطُوا طَعَامَهُمْ بِطَعَامِهِ وَشَرَابَهُمْ بِشَرَابِهِ. كل ذلك مع عدم الإجحاف والجور علي مال اليتيم. 

وصوّر القرآن مشهداً شديداً وصعباً لآكلي أموال اليتامي ظلماً، فقال تعالي: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا. (النساء:10). قال السدّي: يُبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة ولهب النار يخرج من فِيه، ومن مسامعه، وأنفه، وعينيه يعرفه من رآه بأكل مال اليتيم .

وعدّ النبي أكل مال اليتيم من كبائر الذنوب فقَالَ: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاَتِ.

وقَالَ : أَرْبَعَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ وَلَا يُذِيقَهُمْ نَعِيمَهَا: مُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَآكِلُ الرِّبَا، وَآكِلُ مَالِ الْيَتِيمِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَالْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ. قال الحاكم: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.

وقَالَ : يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ. وذلك لخطورة الأمر. وقَالَ : اللهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ: الْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ. (أحمد بسند قوي) أي أُلحق الحرج والإثمّ الشديد علي من ضيّع حقّهما وأكل مالهما .  


google-playkhamsatmostaqltradent