recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة الشائعات وخطرها على المجتمع وكيفية علاجها .محمد سعيد أبو النصر

 الشائعات وخطرها على المجتمع وكيفية علاجها 


الحمد لله الذي جعل الكلمة ميثاقاً، وأمرنا بحفظ الألسنة ليكون المجتمع طاهراً نقياً من الأحقاد والبهتان،

نحمده سبحانه أن جعل التبين سمة المؤمنين، والصدق شعار المتقين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً نرجو بها النجاة يوم تبلى السرائر، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله،الذي حذر أمته من آفة الشائعات أشد التحذير، الصادق الوعد الأمين، الذي تركنا على المحجة البيضاء، وحذرنا من الغيبة والنميمة ونشر الأراجيف، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد .

أيها الإخوة الكرام، لقد أصبحت الشائعة في عصرنا الحاضر خطرًا داهمًا وسلاحًا فتاكًا

 يهدد استقرار الأفراد والمجتمعات، ويعكر صفو الحياة، ويزعزع الأمن والطمأنينة. ولم تعد الشائعة مجرد خبر عابر، بل صارت وسيلة خطيرة تُستَخدم في التأثير على العقول وتوجيه الرأي العام.

وتكمن خطورتها في سرعة انتشارها وسهولة تداولها دون تحقق أو تثبت، فيتناقل الناس أخبارًا مجهولة المصدر، قد تكون سياسية أو طبية أو دينية أو غير ذلك، دون إدراك لعواقبها.

 وهذا التهاون في نقل المعلومات يؤدي إلى نشر البلبلة، وإضعاف الثقة، وإثارة القلق بين الناس.

وإذا نظرنا إلى واقعنا المعاصر وجدنا أن شائعة واحدة قد تُحدث أثرًا بالغًا، فتقلب الموازين، وتثير الأزمات، وتؤدي إلى اضطرابات نفسية واجتماعية، وربما تمتد آثارها إلى مجالات أوسع تمس استقرار المجتمع كله.

ومن هنا وجب على كل فرد أن يتحرى الدقة، ويتثبت من الأخبار قبل نشرها، حفاظًا على نفسه ومجتمعه من أخطار الشائعات وآثارها المدمرة.

ولأهمية هذا الموضوع وخطورته، فقد أولاه الإسلام عناية بالغة، وجعلوه من كبائر الذنوب، ووضعوا له الضوابط الشرعية التي تحد من انتشاره. وسنحاول في هذه المحاضرة أن نتناول هذه الظاهرة بالبحث والتحليل، من خلال العناصر الرئيسة الآتية:

 تعريف الشائعة .

 الشائعة في اللغة: مصدر شاعَ الشيءُ شُيوعًا، أي: انتشر وظهر وتفشى بين الناس، ومنه قيل: شاع الخبر، أي: ذاع وانتشر.

 الشائعة في الاصطلاح:

 هي خبر أو معلومة تنتشر بسرعة بين الناس يحمل الإثارة دون الاعتماد على مصدر موثوق أو دليل واضح، وقد تكون مختلقة من الأساس أو محرفة عن حقيقتها، ويجري تداولها غالبًا دون التحقق من صحتها.

وتميل إلى الإثارة والتضخيم لجذب الانتباه وتحقيق الانتشار، سواء نُشرت بقصد الإفساد

والبلبلة والفتنة أو عن جهل، مما يجعلها سببًا في تضليل الناس،وإثارة القلق،والاضطراب   وزعزعة الثقة داخل المجتمع.

 حكم الشائعة في الاسلام :

- الشائعه جريمة أخلاقية واجتماعية كبرى، تتضمن مجموعة من المحرمات العظيمة، وفي مقدمتها: الكذب، والبهتان، والإفك، والغيبة، والنميمة، وقول الزور، وكلها آفات عظيمة حذر منها القرآن والسنة.

عن عبدالله بن عمر قال صلى الله عليه وسلم:

من قال في مؤمنٍ ما ليس فيه أسكنه اللهُ رَدْغَةَ الخَبالِ حتَّى يخرُجَ ممَّا قال»

 <حسن  : أخرجه أبو داود (3597)، وأحمد (5385) >

أسكَنَه اللهُ رَدْغةَ الخَبالِ"، والرَّدْغةُ: الوَحْلُ الكَثيرُ، والخَبالُ: الفاسِدُ، والمرادُ: أنَّ اللهَ يُعذِّبُه بِعُصارةِ أهلِ النَّارِ وصَديدِهم، "حتَّى يَخرُجَ ممَّا قال"؛ وذلك بأَن يَتوبَ ويَستَحِلَّ ممَّن قالَ فيه ذلك.

 نموذج من الشائعات في  القرآن الكريم:

- يصف الله تعالى أعظم شائعة وأخطرها، وهي ما اختلقه المنافقون من إفك على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فيقول سبحانه:

﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور، رقم: ١١].

ففي هذه الآية، نزل الوحي مؤكدًا أن هذه الشائعة (الإفك) ليست أمرًا هينًا، بل هي عظيمة، وأن من تورط فيها وتولى كبرها له عذاب عظيم. وقد أشار القرآن إلى خطورة تناقل مثل هذه الأخبار دون روية.

كما يقول تعالى في نفس السياق، مبينًا خطورة التلقي والتناقل بدون تثبت:

﴿لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾ [النور، رقم: ١٢].

فالآية تعاتب المؤمنين والمؤمنات على قبولهم للشائعة وتناقلها دون أن يظنوا بأنفسهم (أي بإخوانهم) خيرًا، ويقولوا هذا كذب واضح. وهذا هو الأصل في التعامل مع الأخبار التي تمس الأعراض.

وفي السنة النبوية:

أكد النبي صلى الله عليه وسلم على خطورة إطلاق الكلمة بلا روية، وبيَّن أن العبد قد يتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالًا، تهوي به في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب. وهذا يشمل الشائعات التي تطلق جزافًا.

عن أبي هريره رضي الله عنه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ » <رواه البخاري (6477) ومسلم (2988) واللفظ لمسلم.

وفي رواية: « إنَّ العَبدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمةِ مِن رِضوانِ اللهِ، لا يُلقي لها بالًا، يَرفَعُه اللهُ بها دَرَجاتٍ، وإنَّ العَبدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمةِ مِن سَخَطِ اللهِ، لا يُلقي لها بالًا، يَهوي بها في جَهَنَّمَ.

< صحيح البخاري( 6478) ومسلم (2988) >

فأي خطورة أكبر من أن تؤدي كلمة - قد تكون شائعة - إلى هذا المصير الأليم، لمن لم يتثبت فيها.

 خطر الشائعات على الفرد والمجتمع (آثارها المدمرة).

أولاً: خطرها على الفرد:

تتعدد مخاطر الشائعة على الفرد، فهي تهدم كيانه النفسي والاجتماعي والديني:

 تهديد العرض والكرامة: فالشائعة قد تتعلق بعرض الإنسان وشرفه، وهو ما جعله الإسلام من أعظم المقاصد التي يجب حفظها. فمن رُمي بشائعة كاذبة فقد انتهكت حرمته، وربما ضاع سمعته التي هي عمره الثاني.

«فالشائعة غالبًا ما تستهدف "السمعة"، وهي أغلى ما يملكه الإنسان، فتُدمر حياة إنسان بريء، أو تتسبب في طلاق، أو قطع أرزاق بناءً على خبر كاذب📚

 إيذاء النفس وإثارة القلق والاضطراب:

- قد يعيش الفرد في حالة من الاضطراب النفسي والقلق والخوف نتيجة شائعة تستهدفه، مما يؤثر على صحته النفسية والجسدية، ويؤدي أحيانًا إلى فقدان الطمأنينة والسكينة.

 تأجيج الغضب والعدوانية، قد يدفع الفرد لتصرفات غير محسوبة بدافع الدفاع عن نفسه أو الانتقام، فينزلق إلى أفعال تضر به أكثر مما تفيده.

إثم الناقل والمرسل: فالمسلم يأثم بنقل الشائعة أو إطلاقها، كما يأثم بقبولها ونشرها دون تثبت.

 لقد توعد الله تعالى الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا، بأنهم يحملون إفكًا مبينًا، ويتوعدهم بعذاب عظيم.

﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب، رقم: ٥٨].

فالشائعة التي تؤذي المؤمنين هي من أعظم صور هذا الأذى.

 ثانياً: خطرها على المجتمع:

 أما على صعيد المجتمع، فخطر الشائعات أعظم وأخطر، فهي:

 تمزق النسيج الاجتماعي: فالشائعة تزرع الشك والاحتراب بين أفراد المجتمع الواحد، وتفسد العلاقات الأسرية والاجتماعية، وتجعل الناس يتنابذون بدل أن يتوادوا.

«قَاتَلَ اللَّهُ الشَّائِعَاتِ وَمَنْ يُرَوِّجُ لَهَا وَيُوقِدُ نَارَهَا.. كَمْ دَمَّرَتْ مِنْ مُجْتَمَعَاتٍ، وَهَدَمَتْ مِنْ أُسَرٍ، وَفَرَّقَتْ بَيْنَ أَحِبَّةٍ.. وكَمْ أَحْزَنَتْ مِنْ قُلُوبٍ، وَأَوْرَثَتْ مِنْ حَسَرَاتٍ، كَمْ مِنْ صَدَاقَةٍ أَفْسَدَتْهَا، وَعَدَاوَاتٍ أَجَّجَتْهَا، وَحُرُوبٍ أَشْعَلَتْهَا، وَمَحَبَّةٍ كَدَّرَتْهَا، وَبُيُوتٍ هَدَّمَتْهَا، وَمُجْتَمَعَاتٍ فَرَّقَتْهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ- وَاحْذَرُوا مِنْ تَرْدِيدِ الشَّائِعَاتِ أَوْ إِذَاعَتِهَا، وَإِيَّاكُمْ وَالْخَوْضَ فِيهَا مَعَ الْخَائِضِينَ»  

 كما تهدف الشائعة

إلى تفكيك الوحدة وإثارة الفتن الطائفية أو القبلية، مما يؤدي إلى تصادم أبناء الوطن الواحد.

 كما إنها تهدد الأمن والاستقرار:

 فكم من شائعة أثارت الفتن والقلاقل، وكم من شائعة تسببت في انهيار اقتصادي أو أمني في بلد من البلدان.

وذلك من خلال: بث الرعب: بنشر أخبار كاذبة عن كوارث، أو أوبئة، أو أزمات اقتصادية، ما يدفع الناس إلى القلق والاضطراب.

 تضليل الرأي العام: فالشائعة تستهدف توجيه الرأي العام نحو وجهة معينة، قد تكون منافية للحقيقة والمصلحة العامة.

، فعندما تكثر الشائعات، يختلط الحق بالباطل، ويفقد الناس الثقة في المصادر الرسمية وفي بعضهم البعض، فضلا عن إهدار طاقات المجتمع في تفنيدها والرد عليها، على حساب العمل والإنتاج والبناء.

 انحراف السلوك الجماعي، فالمجتمع الذي تنتشر فيه الشائعات يصبح حساسًا وسريع التأثر بالكذب، ويضعف فيه الحس النقدي والقدرة على التمييز بين الحق والباطل.

 إضعاف الثقة في المؤسسات والأفراد.

- ولا نعجب أن وصف القرآن نشر الشائعات بالكذب والباطل بالإرجاف، قال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠-٦١]، والإرجاف من الرجف، أي: الهزّة والاضطراب، فهو كل خبر كاذب يُلقيه الإنسان في المجتمع يشبه ريحًا عاتية تهبّ على النفوس، تقلب الصفو، وتزرع الخوف والبلبلة.

 في قصة الإفك العظيمة، لم يكتف القرآن ببيان خطرها على الفرد (عائشة رضي الله عنها)، بل بيَّن خطورتها على المجتمع المسلم بأكمله، حيث كادت أن تمزق المجتمع وتوقع الفتنة بين المهاجرين والأنصار، ولولا لطف الله وتبرئة نبيه لكان الأمر عظيمًا. يقول تعالى:

﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور، رقم: ١٥].

فهذه الآية تبين أن تناقل الشائعة باللسان وتحسّبها هينًا هو عند الله عظيم، لأن مفاسدها متعدية للمجتمع ككل.

 وفي السنة

حذر النبي صلى الله عليه وسلم من أشد أنواع الفتن التي تصيب المجتمع، وهي فتنة انتشار الكذب والحديث بكل ما يسمع.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ »

قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: « اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ يَسْلَمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ ».

فمن يتحدث بكل ما يسمع من شائعات دون تثبت، فهو كذاب، وهذا من أعظم أسباب انتشار الفساد في المجتمع.

«فَاحْذَرُوا مِنَ الشَّائِعَاتِ؛ فَإِنَّهَا خَطَرٌ عَظِيمٌ، وَشَرُّهَا كَبِيرٌ عَلَى الْأَفْرَادِ وَالْأُسَرِ وَالْأُمَمِ، وَإِنَّ تَرْوِيجَ الشَّائِعَاتِ وَنَشْرَهَا جَرِيمَةٌ ضِدَّ أَمْنِ الْمُجْتَمَعِ وَسَلَامَتِهِ، وَأَصْحَابُهَا مُجْرِمُونَ فِي حَقِّ دِينِهِمْ وَمُجْتَمَعِهِمْ، مُثِيرُونَ لِلِاضْطِرَابِ وَالْفَوْضَى فِي أُمَّتِهِمْ، فَكَمْ تَجَنَّوْا عَلَى أَبْرِيَاءٍ، وَأَشْعَلُوا نَارَ الْفِتْنَةِ بَيْنَ الْأَصْفِيَاءِ، وَكَمْ نَالُوا مِنْ عُلَمَاءَ وَعُظَمَاءَ، وَكَمْ تَسَبَّبُوا فِي جَرَائِمَ وَأَزَمَاتٍ، وَفَكَّكُوا مِنْ أَوَاصِرَ وَعِلَاقَاتٍ، وَحَطَّمُوا مِنْ أَمْجَادٍ وَحَضَارَاتٍ» 📚

 كيف نتعامل مع الشائعات؟

( التوجيهات الشرعية في التعامل مع الشائعات)

- الشائعة كالشرارة الصغيرة التي قد تشعل حريقًا عظيمًا في المجتمع، لذا فإن التصدي لها مبكرًا واجب على كل فرد.<منصة الأوقاف>

لقد وضع الإسلام منهجًا متكاملًا للتعامل مع الشائعات، يحمي به المجتمع من شرورها، ويجعل من المؤمنين سدًا منيعًا أمام هذه الآفة.

 أولاً: وجوب التثبت وعدم قبول الخبر من الفاسق:

هذا هو الأصل الأول في تلقي الأخبار. فالمؤمن مطالب بالتثبت والتأني، وعدم قبول كل خبر خاصة إذا كان مصدره غير موثوق.

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات، رقم: ٦].

فالآية تأمر المؤمنين إذا جاءهم خبر من فاسق أن يتبينوا ويتثبتوا، فكيف إذا كان الخبر من مجهول أو من مصدر لا يُعرف؟ فالواجب أشد وأقوى.

قال الزمخشري: "وفي تنكير الفاسق والنبأ: شياع في الفساق والأنباء، كأنه قال: أي فاسق جاءكم بأي نبإٍ فتوقفوا فيه وتطلبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة، ولا تعتمدوا قول الفاسق، لأنّ من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه" [الكشاف].

قبل تصديق أي خبر، اسأل الناقل مباشرة: "ما هو مصدرك ؟"، فالكلمة بلا تحقق قد تتسبب في وقوع جرائم تهزّ المجتمع وتنال من أمنه وسلامته.

«وَعَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَمْتَثِلَ أَمْرَ اللَّهِ كَمَا قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [الْحُجُرَاتِ: 6]. وَلْيَعْلَمْ كُلٌّ مِنَّا أَنَّهُ مَسْؤُولٌ أَمَامَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَحَاسَبٌ بَيْنَ يَدَيْهِ عَنْ كُلِّ قَوْلٍ وَكَلَامٍ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق:18]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا ﴾ [الْإِسْرَاءِ:36].

فَيَا عِبَادَ اللَّهِ: اعْلَمُوا أَنَّ التَّثَبُّتَ فِي الْأَخْبَارِ مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الْأَخْيَارِ؛ فَتَثَبَّتُوا -رَحِمَكُمُ اللَّهُ- مِنْ كُلِّ خَبَرٍ قَبْلَ قَبُولِهِ وَنَشْرِهِ، وَتَحَقَّقُوا وَتَثَبَّتُوا مِنَ الْأَمْرِ قَبْلَ إِصْدَارِ الْأَحْكَامِ، وَقَبْلَ أَنْ تُصِيبُوا إِخْوَةً لَكُمْ مُؤْمِنِينَ، بِسَبَبِ خَبَرٍ لَمْ تَتَحَقَّقُوا مِنْ صِحَّتِهِ، وَكَلَامٍ لَمْ تَتَأَكَّدُوا مِنْ صِدْقِهِ، فَتَنْدَمُوا عَلَى مَا فَرَطَ مِنْكُمْ، وَلَكِنْ لَا يَنْفَعُ حِينَهَا النَّدَمُ، وَمَنْ أَطْلَقَ لِسَانَهُ وَخَاضَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ وَمَا لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ، فَهُوَ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ، قَالَ صلى الله عليه وسلم: « إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- « مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيصْمُتْ[ متفق عليه ] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا» [ متفق عليه ]»فَالْمُسْلِمُ لَا يَنبغِي أَنْ يَكُونَ أُذُنًا لِكُلِّ نَاعِقٍ، بَلْ عَلَيهِ التَّحَقُّقُ وَالتَّبَيُّنُ، وَطَلَبُ الْبَرَاهِينِ الْوَاقِعِيَّةِ، والأدلةِ الْمَوْضُوعِيَّةِ، وَالشّوَاهِدِ الْعَمَلِيَّةِ، وَأنَّ يُحْسِنَ الظَّنَّ بِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَبِذَلِكَ يَسُدُّ الطَّرِيقَ أَمَامَ الأَدعِياءِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ خَلْفَ السُّتُورِ، وَيَلُوكُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ كُلَّ قَوْلٍ وَزُورٍ.

الاستنكار وعدم التفاعل: لا تضحك، ولا تشارك، ولا تتفاعل مع الخبر السلبي أو المثير للفتنة، بل أظهر رفضك ورفض أي حديث عن أعراض الناس أو أخبار مؤذية، فإن هذا التصرف يرسخ في نفوس الآخرين أن الشائعة ليست أمرًا مقبولًا أو مسلّمًا به. 📚

الإماتة بالسكوت: القاعدة الذهبية: "أَميتوا الباطل بالسكوت عنه"، أي لا تُعِد نشر الرسالة المرجفة ، فإن ذلك يقطع الطريق على كل حاقد أو خائن لوطنه

 الترغيب بالحق:

بعد سكوتك عن الباطل، ساعِد في نشر الحق والمعلومة الصحيحة، فهذا يحمي الآخرين ويعزز مناخ الثقة بين الناس، ويجعل المجتمع محصَّنًا من أن تروج فيه الفتن والشائعات

 ثانياً: رد الأمور إلى أهل العلم والاختصاص:

عند حدوث شائعة أو أمر عام، ينبغي على المؤمنين أن يردوا أمرهم إلى الله ورسوله وإلى أولي الأمر منهم، وهم أهل العلم والاختصاص والمسؤولية، الذين يستطيعون تحليل الأمر وإصدار الحكم الصحيح فيه.

-  وقال تعالى:

﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء، رقم: ٨٣].

فهذه الآية تذم الذين يذيعون كل أمر دون تمييز، وتأمر برد الأمور العامة إلى أولي الأمر والاختصاص، لأنهم أقدر على استنباط الحقيقة.

 ثالثاً: النهي عن التحدث بكل ما يسمع، والنهي عن الفحش والتفحش في القول:

- يجب على المسلم أن يصون لسانه، وأن لا يكون نقالًا للحديث، وأن يتجنب كل قول فيه فحش أو يثير الفتن.

وفي السنة النبوية:

كان النبي صلى الله عليه وسلم يحذر أصحابه من التحدث بكل ما يسمع،

فقال صلى الله عليه وسلم : «كفى بالمرء كذبًا أن يُحدِّث بكل ما سمِع» [رواه مسلم]، «فبيَّن أن مجرد نقل كل ما يَرد إلى السمع دون تحقّق، قد يُوقع صاحبه في الكذب، ولو لم يتعمّد اختلاقه، وفي هذا تنبيهٌ إلى خطورة التسرُّع، وأن الصدق لا يكون فقط في القول، بل في التثبّت قبل القول».

 كما نهى عن الخوض في "قيل وقال"، ففي البخاري: "كَتَبَ مُعَاويَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَنِ اكْتُبْ إِليَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، ‌وَإِضَاعَةَ ‌الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ».

وذلك لما فيه من نشرٍ للأقاويل بلا تثبّت، وإشاعةٍ للفوضى، وإضاعةٍ للحقائق.

 فالمؤمن الحقّ لا يكون ناقلًا لكل ما يسمع، بل يكون رقيبًا على كلمته، واعيًا بأثرها، مدركًا أن كل لفظةٍ تخرج منه هي أمانةٌ سيُسأل عنها.

وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: قال: « إِنَّ ‌الشَّيْطَانَ ‌لَيَتَمَثَّلُ ‌فِي ‌صُورَةِ الرَّجُلِ فَيَأْتِي الْقَوْمَ فَيُحَدِّثُهُمْ بِالْحَدِيثِ مِنَ الْكَذِبِ، فَيَتَفَرَّقُونَ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ: سَمِعْتُ رَجُلًا أَعْرِفُ وَجْهَهُ، وَلَا أَدْرِي مَا اسْمُهُ يُحَدِّثُ».

وهذا وصف مبكر لما يعرف باسم "الذباب الإلكتروني" ، حيث تقوم اللجان الإلكترونية والحسابات المجهولة على وسائل التواصل الاجتماعي بنفس الدَّور، إذ تنشر الأخبار الكاذبة والمعلومات المغلوطة بطريقة منظمة، فتثير الخوف، وتزرع الشكوك، وتشوّه الحقائق، وتدفع المجتمع نحو الانقسام، وبناءً على ذلك، يؤكد الإسلام على ضرورة التثبت والتحقق قبل تصديق أو نشر أي خبر، ليكون سدًّا منيعًا ضد كل أشكال التضليل الرقمي، ويجعل المجتمع أكثر وعيًا وحصانة أمام هذه الحملات المغرضة. 📚

 كما نهى عن الفحش والتفحش.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْمُتَفَحِّشَ» <رواه الترمذي (2002) وقال: هذا حديث حسن صحيح، ورواه أحمد (7011) وغيرهما>.

وهذا يشمل كل من يتفوه بالشائعات الفاحشة القبيحة التي تخدش الحياء وتثير الفتن.

رابعاً: وجوب نشر العلم وتحصين المجتمع بالوعي:

- من أعظم وسائل الوقاية من الشائعات، نشر العلم الشرعي، وتوعية الناس بمخاطرها، وتبصيرهم بطرق التعامل الصحيح معها. وهذا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

- قال تعالى:

﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران، رقم: ١٠٤].

فالنهي عن المنكر ومنكر الشائعات عظيم، والأمر بالمعروف ومعروف التحقق والتثبت أصل.

 خامساً: عدم مشاركة الشائعة أو ترويجها (وقف انتشارها):

- يجب على المؤمن أن يكون عونًا على إخماد الشائعة لا على إشعالها، فيتوقف عن ترويجها أو مشاركتها، ويكون حريصًا على إظهار الحق عند ظهوره.

وفي السنة النبوية:

في قصة الإفك، كان الصحابة الكرام - رضوان الله عليهم - منهم من ساهم في ترويج الإفك، ومنهم من وقف موقفًا إيجابيًا، فكان من أعظمهم في الثبات والصدع بالحق الصديق أبو بكر رضي الله عنه الذي أنفق على مسطح بن أثاثة، فلما اشترك مسطح في الإفك، أقسم ألا ينفق عليه، فأنزل الله تعالى:

﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور، رقم: ٢٢].

فأمره الله بالعفو والصفح، وكف عن إيقاف النفقة. وهذا يدل على أن موقف المؤمن الحق هو عدم المشاركة في العقاب على من شارك في الشائعة، بل السعي إلى العفو والإصلاح، وقطع دابر الشائعة بالصفح الجميل.

 عقوبة المروجين للشائعات في الدنيا والآخرة.

- إن العاقبة الوخيمة لمن يتعمد نشر الشائعات، أو يساهم في ترويجها، سواء في الدنيا أو الآخرة، لعظيمة. ففي الدنيا، هم عرضة للعقوبات التعزيرية التي يقررها ولي الأمر لحماية المجتمع، وفي الآخرة لهم عذاب أليم.

 أولاً: العقوبة الأخروية:

- لقد توعد الله تعالى أصحاب الإفك والبهتان والكذب بأشد أنواع العذاب.

في قصة الإفك، توعد الله الذين جاءوا به بالعذاب العظيم، كما قال:

﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور، رقم: ١١].

كما توعد الله تعالى الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، بأن لهم عذابًا أليمًا.

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور، رقم: ١٩].

فمن أحب أن تنتشر الفاحشة والرذيلة بين المؤمنين، سواء بنشر شائعة تمس الأعراض أو غيرها، فقد استحق هذا الوعيد.

-وفي صحيح البخاري: "وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ، يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ، فَيَكْذِبُ ‌الْكَذْبَةَ ‌تَبْلُغُ ‌الْآفَاقَ"، إشارة إلى خطورة نشر الأكاذيب، واتساع أثرها، خاصةً إذا تناقلها الناس دون وعيٍ.

 ثانياً: العقوبة الدنيوية:

- أما في الدنيا، فقد شرع الإسلام عقوبات رادعة لمن يثبت عليه ترويج الشائعات التي تمس الأمن أو الأعراض، ومنها:

حد القذف: فمن رمى محصنًا غافلًا مؤمنًا بالزنا، ولم يأت بأربعة شهداء، فعليه حد القذف (ثمانون جلدة)، ولا تقبل شهادته أبدًا.

قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور، رقم: ٤].

 التعزير:

 لولي الأمر أن يعاقب كل من يثبت تورطه في نشر شائعات تهدد الأمن العام أو الاستقرار الاجتماعي، بما يراه رادعًا من حبس أو غرامة أو غير ذلك، تحقيقًا للمصلحة العامة.

وفي السنة النبوية:

 عاقب النبي صلى الله عليه وسلم بعض من أساء الأدب أو نشر أخبارًا تثير الفتن. ففي قصة الإفك، عزَّر النبي صلى الله عليه وسلم مسطحًا وحسانًا وحمنة بنت جحش الذين تكلموا في الإفك بالعقوبة الرادعة، وذلك تحقيقًا للردع العام.

 مسؤولية المؤمن في زمن الفتن (تطبيقات عملية).

- في ظل الثورة المعلوماتية الهائلة، ووسائل التواصل الاجتماعي التي تنقل الخبر في ثوانٍ، تزداد مسؤولية المؤمن. ويجب أن نستحضر مجموعة من الضوابط العملية:

 أولاً: استحضار الرقابة الإلهية:

- أن يعلم المؤمن أن الله تعالى يسمع كل كلمة، ويحاسب عليها.

 قال تعالى:

﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق، رقم: ١٨].

 ثانياً: الأخذ بآداب طلب العلم:

وهو التثبت والتحقق، وعدم القفز إلى النتائج.

- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» <رواه البخاري (6018) ومسلم (47) واللفظ لمسلم>.

وهذا هو الأصل في كل ما يصدر عن المؤمن.

 ثالثاً: التحقق من الخبر قبل نشره:

خاصة إذا كان الخبر يتعلق بأعراض الناس أو أمن المجتمع أو استقراره. فالنشر بلا وعي هو مشاركة في الإثم.

قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات، رقم: ١٢].

فالظن السيئ الذي هو أساس الشائعات، هو إثم عظيم.

 رابعاً: إطفاء الشائعة بالحق:

إذا علم المؤمن بالحقيقة، فعليه أن يسعى لنشرها، ويكون عونًا في إطفاء نار الشائعة وفضح بطلانها، وذلك بنشر العلم والحق.

عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» <أخرجه الترمذي (1931)، وأحمد (27543)>.

فمن رد عن عرض أخيه المسلم الذي تعرض لشائعة كاذبة، فقد رد الله عن وجهه النار.

 خامساً: الدعاء والاستعانة بالله:

فالعبد يحتاج إلى عون الله في كل أمر، وخاصة في حفظ اللسان من الزلل.

 - وفي السنة النبوية:

كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ» <رواه البخاري (6369) ومسلم (589) واللفظ للبخاري>.

ومن أعظم الفتن، فتنة اللسان والكذب والبهتان.

الخاتمة :

- أيها الإخوة الكرام، إن خطورة الشائعات لا تقل عن خطورة أي جريمة كبرى، بل إنها في بعض الأحيان تكون أشد إثمًا وأعظم جرما، لأنها تجمع بين الكذب والبهتان والغيبة والنميمة، وتؤدي إلى تفكك المجتمعات وتدمير الأمن وتمزيق العلاقات.

لقد قدم لنا الإسلام منهجًا رائعًا في التعامل مع الشائعات، يقوم على التثبت ورد الأمور إلى أهل العلم، وعدم التحدث بكل ما يسمع، وإطفاء نار الفتنة بالحكمة والموعظة الحسنة، والتحلي بخلق الصمت إذا لم يكن في القول خير.

ونحن في هذا العصر الذي كثرت فيه الشائعات وانتشرت عبر وسائل التواصل، نحن أحوج ما نكون إلى الالتزام بهذا المنهج الرباني، وإلى استشعار مسؤوليتنا أمام الله، فكل منا راعٍ وكل منا مسؤول عن رعيته، ومسؤول عن الكلمة التي يقولها، والرسالة التي ينشرها.

الدعاء  

اللهم يا من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تحفظ ألسنتنا من الكذب، وقلوبنا من الغل، وبيوتنا من الفتن.

 اللهم اصرف عنا شر الأراجيف، وكيد المفسدين، وعبث العابثين الذين يريدون تمزيق صفنا ونشر البغضاء بيننا.

اللهم اجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، ولا تجعلنا مطايا لنشر الأكاذيب أو ترويع الآمنين.

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، وبصّرنا بعواقب كلماتنا قبل أن ننطق بها. اللهم احفظ أعراض المسلمين، واستر عوراتهم، وآمن روعاتهم، واجعل بلادنا واحة للأمن والأمان، مستقرة بفضلك وكرمك، بعيدة عن كيد الكائدين وإرجاف المرجفين، إنك سميع قريب مجيب الدعاء.

نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأن يحفظ علينا أمننا واستقرارنا، وأن يجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين.

﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران، رقم: ٨].

 

google-playkhamsatmostaqltradent