النصوص الشرعية بين الفهم الصحيح وسوء التأويل
صِحَّةُ الْفَهْمِ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى عباده .
نماذج للفهم الصحيح والفهم السقيم .
سوء الفهم للنصوص كان سبباً لظهور الفرق
المنحرفة
.
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين
الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك
له إقرارًا به وتوحيدًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه
وسلم تسليمًا مزيدًا. أما بعد :أيها الأحبة الكرام:
يقول الله تعالى في محكم آياته: : ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ
الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ
﴾ (البقرة :269) .
وفي الصحيحين: أن حُمَيْدا قَالَ سَمِعْتُ
مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ يَخْطُبُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا
يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ
" .
إن نعم الله تبارك وتعالى على عباده كثيرة
ومتعددة، ولا يمكن عدها أو حصرها، قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ
لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيم ﴾
(النحل : 18) ، ومن بين هذه النعم الكبرى، والتي تفضل الله تعالى بها علينا
(نعمة الفهم)
.
ومِنْ وَصِيَّةِ عُمَرُ بنُ الخطَّابِ لأبي
مُوسى الأشعريِّ - رضي الله عنهما: «الْفَهْمَ الْفَهْمَ فِيمَا أُدْلِيَ إِلَيْكَ؛
مِمَّا لَيْسَ فِي قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ» صحيح - رواه البيهقي في "السنن الكبرى".
والفهم معناه .. ( إدراك الشيء على وجه
صحيح)
.
ونعمة الفهم، وصحة الاستنباط، مطلب عظيم،
وهدف كبير، يسعى إليه، ويحرص عليه كل من أراد السلامة في دنياه وآخرته؛ فهو القائد
الذي يستطيع به المرء أن يصل إلى حقائق الأشياء، وسلوك سبل الخير.
وصحة الفهم تُهدي صاحبها صدق العبادة والمسارعة
إلى مرضاة الله تعالى، والبعد عن معصيته.
قال ابنُ القيِّمِ -رحمه الله-: (صِحَّةُ
الْفَهْمِ وَحُسْنُ الْقَصْدِ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا
عَلَى عَبْدِهِ؛ بَلْ مَا أُعْطِيَ عَبْدٌ عَطَاءً - بَعْدَ الْإِسْلَامِ – أَفْضَلُ،
وَلَا أَجَلُّ مِنْهُمَا... وَصِحَّةُ الْفَهْمِ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي قَلْبِ
الْعَبْدِ، يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ، وَالْحَقِّ وَالْبَاطِلِ،
وَالْهُدَى وَالضَّلَالِ، وَالْغَيِّ وَالرَّشَادِ).
ومن الملاحظ أن الناس متفاوتون في نعمة
الفهم، فقد يفتح الله تعالى لعبد من عباده بابا من أبواب الفهم، بينما يجهله الآخرون،
قال الله تعالى: ﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ
فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ . فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ
ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ
وَالطَّيْرَ ۚ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (الانبياء: 78 ، 79) .
وفي صحيح البخاري: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
-ﷺ- جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ « إِنَّ
عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ،
وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ». فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ فَدَيْنَاكَ
بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا. فَعَجِبْنَا لَهُ، وَقَالَ النَّاسُ انْظُرُوا إِلَى
هَذَا الشَّيْخِ، يُخْبِرُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ عَبْدٍ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ
أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ وَهْوَ يَقُولُ فَدَيْنَاكَ
بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- هُوَ الْمُخَيَّرَ ،وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ
هُوَ أَعْلَمَنَا بِهِ)
.
وفي صحيح البخاري: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
قَالَ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ – رضي الله عنه – يُدْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ
لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ إِنَّ لَنَا أَبْنَاءً مِثْلَهُ. فَقَالَ إِنَّهُ
مِنْ حَيْثُ تَعْلَمُ. فَسَأَلَ عُمَرُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: (إِذَا
جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ)، فَقَالَ: أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَعْلَمَهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ مَا أَعْلَمُ
مِنْهَا إِلاَّ مَا تَعْلَمُ)
.
وروى البخاري في صحيحه: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ : « إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً
لاَ يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَهِيَ مَثَلُ الْمُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ». فَوَقَعَ
النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَادِيَةِ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ. قَالَ
عَبْدُ اللَّهِ فَاسْتَحْيَيْتُ. فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنَا بِهَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «هِيَ النَّخْلَةُ». قَالَ عَبْدُ اللَّهِ
فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي فَقَالَ لأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ
إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا)،
وحسن الفهم يقوم على دين متين، وعقل رزين؛
فصاحب الدين المتين ينشد الحق الموافق لكتاب الله وسُنة رسوله أينما كان ، وصاحب العقل
الرزين لا يقبل كل ما يسمع أو يقرأ حتى يعرضه على كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ- إن كان له بهما علم، فإن وافقهما قبله،
وإن خالفهما تركه
.
والمسلم إذا رزقه الله تعالى صحة الفهم
، والعقل السليم، والتصور المستقيم، عن دينه وواقعه، وعمن حوله من أصدقاء وأعداء، وعن
أعمال الناس من خير وشر، صار من أهل صحة الفهم، ومعرفة الأمور على ما هي عليه؛ فينفع
نفسه وغيره، فصحة الفهم تورث صاحبها سلامة المعتقد والفكر، فيبني عقيدته وأفكاره على
ما وافق وحي السماء، دون أن يتشرب عقله وقلبه الانحرافات والتأويلات والتشكيكات التي
يبثها ذوو الفهم العقيم
.
(٢)- وقد ضرب لنا القرآن الكريم في هذا الأمر
ما جاء في "قَضِيَّةِ المَرْأَتين اللَّتَين احْتَكَمَتَا إلى داودَ وسُليمانَ
- عليهما السلام
.
قال الله تعالي : ﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ
إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ
شَاهِدِينَ . فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا
ۚ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ۚ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾
(الانبياء: 78 ، 79) .
والقِصَّةُ - كما جَاءَتْ في الرِّوايات:
أنَّ جماعةً لهم حَرْثٌ مِنْ عِنَبٍ دخلتْ فيه غَنَمُ قَوْمٍ لَيْلًا، فأَكَلَتِ العِنَبَ
وأَتْلَفَتْهُ؛ فحَكَمَ داودُ: «بِأَنْ يَأْخُذَ صَاحِبُ الحَرْثِ الماشِيَةَ مُقابل
ما أَتْلَفَتْهُ؛ لِأَنَّ المُتْلَفَ يُعادِلُ قِيمَةَ الغَنَمِ التي أَتْلَفَتْهُ».
وحَكَمَ سُلَيمانُ: «بِأَنْ يَأْخُذَ صَاحِبُ المَاشِيةِ الزَّرْعَ، يقومُ عليه حتى
يَعودَ كما كان، ويَأْخُذَ صَاحِبُ الحَرْثِ الماشِيَةَ يَسْتَفِيدُ مِنْ صُوفِها ولَبَنِها
وسِخَالِها؛ فإذا تَمَّ إِصْلاحُ المَزْرَعَةِ كما كانَتْ أَخَذَها؛ ورَدَّ المَاشِيةَ
لِصاحِبِها».
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه؛ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «كَانَتِ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا
ابْنَاهُمَا؛ جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ لِصَاحِبَتِهَا:
"إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ"، وَقَالَتِ الأُخْرَى: "إِنَّمَا ذَهَبَ
بِابْنِكِ". فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ؛ فَقَضَى بِهِ
لِلْكُبْرَى. فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ،
فَأَخْبَرَتَاهُ؛ فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا، فَقَالَتِ
الصُّغْرَى: "لاَ تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، هُوَ ابْنُهَا"، فَقَضَى
بِهِ لِلصُّغْرَى» ،(رواه البخاري ومسلم ).
فكُلٌّ مِنهما ادَّعَتْ أنه ابْنُها، فحَكَمَ
داودُ عليه السلام لِلْكُبْرَى، ثم تَحاكَمَتَا إلى سُليمانَ عليه السلام؛ فأصابَ حُكمُه
الحقَّ في القَضِيَّةِ، وكُلٌّ منهما مَأْجورٌ على اجتهادِه .
- ومن أمثلة الفهم الصحيح :
اجتهاد الصحابي عمرو بن العاص لما كان في
إحدى السرايا اسمها (ذات السلاسل) فاحتلم وكان
هو أمير السرية وكانت ليلة شاتية باردة فخاف على نفسه فتيمم وصلى بالناس إماما
عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: ( احْتَلَمْتُ
فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ
أَنْ أَهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ، فَذَكَرُوا
ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: « يَا عَمْرُو، صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ
وَأَنْتَ جُنُبٌ؟»، فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الِاغْتِسَالِ، وَقُلْتُ:
إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ
بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [النساء: 29]، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا " . [أخرجه
أحمد ح 17845، والحاكم ج 1 ص 177، وصححه الألباني في صحيح أبي داود ح 323 ].
- ومن أمثلة الفهم السقيم :
روى أبو داود وغيره من حديث جَابِرٍ قَالَ:
خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ، فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ، فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ
احْتَلَمَ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟
فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَاغْتَسَلَ،
فَمَاتَ. فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: قَتَلُوهُ
قَتَلَهُمْ اللَّهُ، أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا؛ فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ
السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ، وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ
خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا، وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ" .
فإذا أخذنا النصوص بظواهرها دون ربط بينها وفهم لمقاصدها سنهلك .
فقوله -ﷺ -: "قتلوه" أي تسببوا في قتله،
حين أفتوه بجهل بأن يغسل موضع الجرح
قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- : ؟ فدعا
عليهم لما أفتوا بغير علم
).
وقوله -ﷺ- : "إنما شفاء العي السؤال"
أي أن الجهل داء، شفاؤه السؤال، والتعلم.
أقول ما سمعتم واستغفر الله العظيم لي ولكم
ولسائر المسلمين فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبةُ الثانيةُ
(٣)- الحمدُ للهِ على إحسانِهِ والشكرُ لهُ على
توفيقِهِ وامتنانِهِ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له تعظيمًا لشأنِهِ
وأشهدُ أن محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ الداعي إلى جنانِهِ، والمحذرُ من نيرانِهِ، صلَّى
اللهُ عليهِ وسلَّمَ تسليمًا مزيدًا إلى يومِ الدينِ.
أما بعدُ:
عباد الله : إن سوء الفهم لكتاب الله ولسنة
رسوله -صلى الله عليه وسلم- كان سببًا رئيسًا لظهور الفرق والطوائف والمذاهب المنحرفة،
وكان سببًا رئيسًا لانحراف المفاهيم فأول طائفة نشأت في هذه الأمة التي هي طائفة الخوارج
التي استباحت دماء المسلمين وكفرتهم لمجرد الوقوع في المعاصي التي لا تخرج الإنسان
من دين الله -عز وجل-، كان سبب انحرافهم سوء فهمهم لكتاب الله -عز وجل-.
وقد جرت بينهم وبين ابن عباس -رضي الله
عنه وأرضاه- مناظرة مشهورة تبيِّن هذا بجلاء، تبيِّن أن سبب انحرافهم سوء الفهم لكتاب
الله.
هذه المناظرة ذكرها كثير من أئمة الحديث
ورواها الإمام النسائي والحاكم وغيرهما .
لما خرجت الخوارج اجتمعوا في منطقة، وكانوا
ستة آلاف فجاءهم ابن عباس -رضي الله عنهما- ليناظرهم فدخل عليهم وقال لهم: ماذا تنقمون
على ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصهره والمهاجرين والأنصار؟
كان الخوارج قد كفروا علي -رضي الله عنه-
وأرضاه وكفروا عامة المهاجرين والأنصار، فيقول لهم ابن عباس ماذا تنقمون عليهم؟ وما
الذي تنتقدونه عليهم؟
فقالوا: نَنْقِمُ عَلَيْهِ ثَلاثًا، قُلْتُ:
مَا هُنَّ؟ قَالُوا:
أَوَّلُهُنَّ أَنَّهُ حَكَّمَ الرِّجَالَ
فِي دِينِ اللَّهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ: (إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ)[الأنعام:
57]، قَالَ: قُلْتُ: وَمَاذَا؟
قَالُوا: وَقَاتَلَ وَلَمْ يَسْبِ وَلَمْ
يَغْنَمْ، لَئِنْ كَانُوا كُفَّارًا لَقَدْ حَلَّتْ لَهُ أَمْوَالُهُمْ، وَلَئِنْ كَانُوا
مُؤْمِنِينَ لَقَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ دِمَاؤُهُمْ.
قَالَ: قُلْتُ: وَمَاذَا؟ قَالُوا: وَمَحَا
نَفْسَهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ
فَهُوَ أَمِيرُ الْكَافِرِينَ.
قَالَ: قُلْتُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَرَأْتُ
عَلَيْكُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الْمُحْكَمِ، وَحَدَّثْتُكُمْ مِنْ سُنَّةِ نَبِيِّكُمْ
-ﷺ - مَا لا تُنْكِرُونَ، أَتَرْجِعُونَ؟
قَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ: قُلْتُ: أَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ
حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي دِينِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) [المائدة آية 95] إِلَى قَوْلِهِ:
(يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) [المائدة آية 95] ، وَقَالَ فِي الْمَرْأَةِ
وَزَوْجِهَا: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنَهُمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ
وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا) [النساء آية 35].
أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ أَحُكْمُ الرِّجَالِ
فِي حَقْنِ دِمَائِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَصَلاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ أَحَقُّ أَمْ فِي
أَرْنَبٍ ثَمَنُهَا رُبْعُ دِرْهَمٍ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ فِي حَقْنِ دِمَائِهِمْ وَصَلاحِ
ذَاتِ بَيْنِهِمْ. قَالَ: خَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ قَاتَلَ وَلَمْ
يَسْبِ وَلَمْ يَغْنَمْ، أَتَسْبُونَ أُمَّكُمْ، أَمْ تَسْتَحِلُّونَ مِنْهَا مَا تَسْتَحِلُّونَ
مِنْ غَيْرِهَا؟ فَقَدْ كَفَرْتُمْ، وَإِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِأُمِّكُمْ
فَقَدْ كَفَرْتُمْ وَخَرَجْتُمْ مِنَ الإِسْلامِ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ:
(النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ)
[الأحزاب آية 6] ، فَأَنْتُمْ تَتَرَدَّدُونَ بَيْنَ ضَلالَتَيْنِ، فَاخْتَارُوا أَيَّهُمَا
شِئْتُمْ؟
فنظر بعضهم إلى بعض، فقال ابن عباس: أخرجت
من هذه؟ قالوا : نعم. أي: غلبهم بالحجة الثانية.
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: "إِنَّهُ مَحَا
نَفْسَهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ - دَعَا قُرَيْشًا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ
عَلَى أَنْ يَكْتُبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ كِتَابًا، فَقَالَ: اكْتُبْ: هَذَا مَا
قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ
أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ الْبَيْتِ، وَلا قَاتَلْنَاكَ، وَلَكِنِ
اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بن عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لِرَسُولُ اللَّهِ
وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي، اكْتُبْ يَا عَلِيُّ: مُحَمَّدَ بن عَبْدِ اللَّهِ، فَرَسُولُ
اللَّهِ -ﷺ - كَانَ أَفْضَلَ مِنْ عَلِيٍّ، أَخَرَجْتُ
مِنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَرَجَعَ مِنْهُمْ عِشْرُونَ أَلْفًا، وَبَقِيَ
مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلافٍ، فَقُتِلُوا.
فانظروا إلي هذه الفئة هؤلاء الخوارج استدلوا
بأدلة من القرآن، لكن ما فهموها حق الفهم ولم يفقهوها حق الفقه، حتى جاءهم ابن عباس
فبيَّن لهم معناها، وبيَّن لهم المراد منها، وبيَّن لهم الأدلة الأخرى التي أغفلوها،
ولم ينظروا إليها، ولم يلتفتوا إليها، وأعطاهم الطريقة الصحيحة في فهم كلام الله -عز
وجل- وصدق ابن القيم -رحمه الله- حين قال: "سوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة
وضلالة نشأت في الإسلام قديمًا وحديثًا".
فالمفاهيم الصحيحة لا تُؤخَذ إلا من كتاب
الله ومن سنة رسوله -ﷺ - والمفاهيم الصحيحة لا تُؤخَذ إلا بفهم
صحيح لكتاب الله ولسنة رسول الله -ﷺ - وهو الذي كان عليه الصحابة -رضي الله
عنهم وأرضاهم- ومن صار على طريقتهم، وقد أحسن من قال:
فَكُنْ كَمَا كَانَ خِيَارُ الخَلْقِ **
حَلِيفَ عِلْمٍ تَابِعاً لِلْحَقِّ
وَكُلُ خَيْرٍ فِي إِتِّبَاعِ مَنْ سَلَفْ **
وَكُلُّ شَرٍّ فِي ابْتِدَاعِ مَنْ خَلَفْ
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في الدين،
وان يهدينا الي صراطه المستقيم.
وصلي الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، والحمد لله رب العالمين