النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ بَيْنَ الفَهْمِ الصَّحِيحِ وَسُوءِ التَّأْوِيل
مفهوم الأمربالمعروف والنهي عن المنكر
مفهوم القوامة في الإسلام
مفهوم أنت ومالك لأبيك
مفهوم الاحتكار
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أمابعد فياعباد الله
يقول الله تعالي:" وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ
الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ
(89 النحل)
بين المولي عزوجل أن القرآن يشتمل على كل علم نافع، حلال وحرام، وكل ما يحتاجه الناس في دينهم ودنياهم، هدى ورحمة..
عباد الله:" حديثنا إليكم اليوم عن موضوع عظيم يمسّ
أصل الدين، لأن النصوص الشرعية هي وحي الله إلى عباده، وهي الحجة البالغة والبرهان
المبين، لكن الانتفاع بها لا يكون إلا بالفهم السليم الذي يوافق مراد الله ورسوله،
أما سوء التأويل والانحراف في الفهم فقد كان سبباً في ضلال طوائف، ووقوع الفتن، وسفك
الدماء، وتعطيل أحكام الشريعة.
ف:"- مَن يُرِدِ اللهُ به خَيرًا يُفَقِّهْه في الدِّينِ"(البخاري ومسلم).
عباد الله:"و الصحابة رضوان الله عليهم كانوا خير من فهم النصوص الشرعية، لأنهم عاصروا التنزيل وشهدوا أسباب النزول، فكان فهمهم صمام أمان للأمة. ومن ذلك:
مفهوم الأمربالمعروف والنهي عن المنكر
فهناك من يأول الأيات حتي يتهرب من الأمربالمعروف والنهي عن المنكر متعللاً بقوله تعالي :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ"(المائدة:105). فيترك الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو بذلك من ضرب النصوص الشرعية بعضها ببعض، ووضع لهذه الآية في غير موضعها، فإن الله تعالى قال في الآية إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ومن الهداية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأخذ على يد الظالم، فإن فعل المسلم كل ذلك فلا يضره من ضل
وفي سنن أبي داود والترمذي من حديث أبي
بكر الصديق رضي الله عنه قال: بعد أن حمد الله وأثنى عليه: "يا أيها الناس إنكم
تقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير موضعها "عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم"
قال : وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" إن الناس إذا رأو الظالم
فلم يأخذوا على يديه أوشك الله أن يعمهم بعقاب". وإن أمة أهلها مصلحون آمرون بالمعروف
ناهون عن المنكر قائمون بحقوق العباد أمة لا يكثر فيها الخبث الذي يستلزم الإهلاك في
الدنيا.
وبهذا يظهر لك جلياً أنه
لا تعارض بين الآية وما في معناها والحديث ودلالته. وأن الإصلاح المتعدي هو صمام الأمان
والمنجي من عقوبات الدنيا. أما الصلاح وحده، فيهلك أهله، ويبعثون على نياتهم أي أنهم
ينجون بصلاحهم في الآخرة لا في الدنياير وشر.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان"(مسلم).
ترتبط خيرية هذه الأمة ارتباطاً وثيقا بدعوتها للحق ، وحمايتها للدين ، ومحاربتها للباطل ؛ ذلك أن قيامها بهذا الواجب يحقق لها التمكين في الأرض ، ورفع راية التوحيد ، وتحكيم شرع الله ودينه ، وهذا هو ما يميزها عن غيرها من الأمم ، ويجعل لها من المكانة ما ليس لغيرها ، ولذلك امتدحها الله تعالى في كتابه العزيز حين قال : { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله "(آل عمران : 110).عباد الله :" وهناك أمور أخري كثيرة أخطأ فيي فهمها البعض كالقوامة قوامة الرجل علي المرأة قال تعالى: "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ."(النساء: 34).
علاقتها بطاعة المرأة:طاعة الزوج فرض شرعي في غير معصية الله، لضمان استقرار الأسرة.القوامة لا تلغي شخصية المرأة ولا حقوقها.
الفهم المغلوط
تحويل القوامة إلى سيطرة أو تحكم أو ضرب هو فهم خاطئ استغله البعض، وينافي مقاصد الشريعة.
لا تعني القوامة أن الرجل أفضل مطلقاً من المرأة، بل تعني تكليفه بمسؤوليات أثقل.
ولأن أحد شطري النفس البشرية مهيأ لها، معان عليها، مكلف تكاليفها. وأحد الشطرين غير مهيأ لها، ولا معان عليها. ومن الظلم أن يحملها مالاتطيق قالرجل منوط بها تكاليف كالانفاق والرعاية والمسؤلية والمرأة منوط بها تكاليف كالحمل والولادة والرضاعة
فقوامة الرجل على زوجته؛ تعني في الأصل: محافظته عليها، وتأديبها إذا اعوجت.
الفهم الصحيح للقوامة:
أما تحول مفهوم القوامة من الرعاية إلى
السلطة والتحكم فسببه الجهل بالدين والجهل بالحقوق والواجبات، والدين الإسلامي لم يترك
شيئاً من الحقوق إلا وبينه لنا وحفظ لكل فرد حقه، سواء حقوق الرجل أو المرأة
مبدئيا العلاقة بين الرجل والمرأة لابد أن تقوم علي المودة والرحمة كما ذُكر ف سورة الروم وجعل بينكم مودة ورحمة لتسكنوا اليها ولابد من حسن المعاملة والتقدير والاحترام المتبادل والتنازل بمعني ف مشكلة نعدي لبعض ونتنازل لبعض عادي بدون التخلي عن القيم والمباديء
قوامة الرجل على المرأة حقٌّ أعطاه الله للرجل بمقتضى قوله تعالى:"وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَة"، وقوله تعالى:"الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ"
والمـراد بالقـوامة: هـو القيـام علـى أمـر النسـاء بالحمايـة والرعايـة وتلبيـة مطالب الحياة، وليس معناها القهر ولا الاستبداد بالرأي،
مفهوم أنت ومالك لأبيك
عباد الله :"
كم أناس فهموا هذا النص علي عمومه وكم أناس طمعوا وظنوا بأبنائهم سواء وربما وضع ولده في بؤرة العقوق والجحود بسبب الفهم الخاطيء لهذا الحديث ونزع نفسه من رحمة الله والرسول صلي الله عليه وسلم يقول:" رحم الله رجلاً أعان ولده علي بره " وبسبب الفهم الخاطيء يخرج ولده من دائرة البر .
نص الحديث ودرجة صحته
عن جابر بن عبدالله:" أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لي مالاً وولداً وأبي يريد أن يجتاح مالي فقال: أنت ومالك لأبيك."(ابن ماجة واللفظ له، والطحاوي في معاني الآثار والطبراني في الأوسط باختلاف يسير"
وفي رواية عن عبدالله
بن عمرو جاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ فقالَ إنَّ أبي اجتاحَ
مالي فقالَ أنتَ ومالُكَ لأبيكَ وقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ
إنَّ أولادَكم من أطيبِ كسبِكُم فَكلوا من أموالِهم"(أبو داود وابن ماجه
واللفظ له، وأحمد).
هل يتملك الوالد مال ولده علي وجه الحقيقة؟
عباد الله :" لا يملكُ الأبُ مالَ ابنِه على وجْهِ الحقيقةِ، وليسَ له التَّصرُّفَ فيه كيفما يشاء دونَ علْمِ الولدِ ورِضاهُ، ويكونُ معنى الحديثِ: أنَّه إذا احتاجَ الأبُ إلى مالِ الولدِ للنَّفقةِ بأنْ كان فقيرًا، أخَذَ منه قَدْرَ الحاجةِ كما يأخُذُ مِن مالِ نفْسِه، وإذا لم يكُنْ للابنِ مالٌ وكان قادرًا على الكسْبِ، لزِمَ الابنَ أنْ يكتسِبَ ويُنْفِقَ على أبيه،وله الأجر والثواب في بره والاحسان إليه بنص حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم حينما :"مر على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رجلٌ فرأى أصحابُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ من جلَدِه ونشاطِه فقالوا: يا رسولَ اللهِ لو كان هذا في سبيلِ اللهِ؟! فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: إنْ كان خرج يسعى على ولدِه صغارًا فهو في سبيلِ اللهِ وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيلِ اللهِ وإنْ كان خرج يسعى على نفسِه يعفُّها فهو في سبيلِ اللهِ وإنْ كان خرج يسعى رياءً ومفاخرةً فهو في سبيلِ الشيطانِ"(الطبراني وغيره).
وليس المُرادُ بالحديثِ إباحةَ مالِ الابنِ على إطلاقِه للأبِ أنْ يأخُذَ منه ما يشاء، ويؤكِّدُ مِثْلَ هذا الجوابِ ما رواه الحاكِمُ مِن حديثِ عائشةَ رضِيَ اللهُ عنها قالت: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "إنَّ أولادَكم هِبَةُ اللهِ لكم "يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ"(الشورى: 49).؛ فهم وأموالُهم لكم إذا احتجْتُم إليها"؛ فقيَّدَ هذا الأمْرَ بقولِه: "إذا احتَجْتُم إليها"، فظهر أنَّه المعنى ليس على التَّمليكِ، ولكنَّه على البِرِّ به والإكرامِ
الخطبة الثانية
الحمد لله والصلاة والسلام علي رسول الله وبعد
فلازلنا نواصل الحديث حول فهم النص الصحيح والتأويل الفاسد ومن هذا التأويل الاحتكار
عباد الله :" فهم البعض من التجار أن الاحتكار ليس فيه شيء ولاضرر ولاضرار فقالوا بأنه نوع من أنواع التجارة وأنه لما يأتي النهي عنه صراحة في القرأن الكريم
ولكن تعالوا بنا لنتعرف علي
مفهوم الاحتكار
الاحتكار هو سلوكٌ يقوم على حبس السلع الضرورية - ولاسيما الأقوات -، ومنع تداولها بين الناس في وقتٍ تشتد فيه حاجتهم إليها، ترقُّبًا لارتفاع أسعارها، طمعًا في تحقيق أرباحٍ فاحشة على حساب معاناة الآخرين وضيق عيشهم.
فيُعَدُّ الاحتكار
من أخطر الآفات الاقتصادية والاجتماعية التي تصدّى لها الإسلام بحزمٍ شديد، لا سيما
في أوقات الأزمات والشدائد؛ إذ يتحوّل حينها إلى سلوكٍ جائرٍ يختنق به المجتمع، وتضيق
به معايش الناس، فهو حينئذ ليس مجرد حبسٍ للسلع، بل اعتداءٌ على حاجات الخلق، وإخلالٌ
بميزان العدالة والتكافل، سواء تعلّق الأمر بالطعام أو الدواء أو سائر الضَّروريات
التي تقوم بها حياة الناس.
ومن ثمّ، جاء التحذير منه صريحًا، لما يخلّفه من قسوةٍ في القلوب، وغلاءٍ في الأسعار، وفسادٍ في روح المجتمع التي تقوم على الرحمة والتعاون، لا على الاستغلال والجشع، وإليك طرفا من بيان ذلك.
والاحتكار هو مجموعة من كبائر الإثم
فالاحتكار خطيئة
وأكل لأموال الناس بالباطل:
قال تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ"
والمحتكر يأكل
أموال الناس بالاضطرار لا بالتراضي.
حيث قال صلى الله عليه وسلم: «مَنِ احْتَكَرَ فهوَ خَاطِئٌ"( مسلم).
و عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "مَنِ احْتكَرَ عَلَى المُسْلِمِينَ طَعامَهُمْ ضَرَبَهُ اللَّهُ بِبَلاءٍ أَوْ جُذامٍ"(البخاري).
، وقد روي: أن طعامًا ألقي على باب المسجد فخرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه - وهو أمير المؤمنين - فقال: ما هذا الطعام؟، فقالوا طعام جلب إلينا أو علينا، فقال له بعض الذين معه يا أمير المؤمنين قد احتكر، قال ومن احتكره؟ قالوا احتكره فروخ وفلان مولى عمر بن الخطاب، فأرسل إليهما فأتياه، فقال: ما حملكما على احتكار طعام المسلمين؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين نشتري بأموالنا ونبيع، فقال عمر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس"، فقال عند ذلك فروخ: يا أمير المؤمنين، فإني أعاهد الله وأعاهدك على أن لا أعود إلى احتكار طعام أبدا، فتحول إلى بَرِّ مصر، وأما مولى عمر فقال نشتري بأموالنا ونبيع، فزعم أبو يحيى أحد رواته أنه رأى مولى عمر مجذوما مشدوخًا" [الزواجر عن اقتراف الكبائر].
هذا إلى جانب ما رواه ابن ماجة، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ، وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ"( ابن ماجة).
الاحتكار خيانة للأمانة:
خيانةُ الأمانة من أفظع ما يتلبّس به التاجر، إذ جعله الإسلام أمينًا على أقوات العباد وحاجاتهم، لا متحكِّمًا فيها بهواه، ولا مستغلًّا لضرورات الناس وآلامهم، قال صلي الله عليه وسلم:"التاجرُ الصَّدُوقُ الأمينُ : مع النَّبِيِّينَ، والصِّدِّيقِينَ، والشهداءِ، والصالحينَ"(الترمذي وغيره).
قال الله تعالى:"إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا"(النساء: ٥٨).، فجعل أداء الأمانة أصلًا من أصول الدين، لا يستقيم المجتمع إلا به، كما قال سبحانه:"وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ"(هود: ٨٥).\فنهى عن كل صور الظلم التي تُنقِص حقوق الناس أو تُضيّق عليهم معايشهم.
الاحتكار مضاد للتوكل:
الاحتكارُ صورةٌ من صور ضعف التوكّل على الله، بل هو في حقيقته مناقضٌ لروحه؛ إذ يظنّ المحتكر أن رزقه إنما يتحقّق بالتضييق على الخلق، وحبس الأقوات، وانتظار شدّة الناس ليغتنم حاجتهم، وهذا وهمٌ يناقض عقيدة المؤمن، الذي يوقن أن الرزق بيد الله، يُؤتيه من يشاء بغير حساب، وأن البركة لا تُنال بالاستغلال، بل بالصدق والإحسان.
وقد عبّرت السنة النبوية عن هذا المعنى بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الجالبُ مرزوقٌ»، فبيّن أن من يسعى في تيسير السلع وجلبها للناس يُبارَك له في رزقه، لأنه نفع الخلق وخفّف عنهم، فالمؤمن الحقّ يرى في سَعة الخير للناس سَعةً له، ويعلم أن ما عند الله لا يُنال بمعصيته، وأن التوكّل الصادق يدفعه إلى السعي الشريف، لا إلى الاحتكار الجشع؛ فحيثما وُجد الإيمان الصادق، غابت الأنانية، وحضرت الرحمة، وساد العدل.
فقه الجسد الواحد.. التكافل لا الاستغلال:
التكافلُ لا الاستغلال… تلك هي روح الإسلام حين تشتدُّ الأزمات، ويضيق الحال، وتُختبَر معادن النفوس، ففي مثل هذه اللحظات يتجلّى معنى الحديث الشريف: "«مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» [رواه مسلم]، حيث لا يعيش الفرد لنفسه، بل ينبض قلبه بألم غيره، ويسعى لرفع الضيق عن إخوانه، كما يسعى الجسدُ كلُّه لشفاء عضوٍ تألَّم.
ومن هنا تنبثق الأخلاق الحقيقية للمسلم؛ فهو لا يرى في حاجة أخيه فرصةً للربح والمساومة، بل يراها بابًا للقُربة إلى الله، وميدانًا للبذل والإحسان، يواسي، ويُيسّر، ويقدّم، طمعًا في أجرٍ أعظم من كل مكسبٍ زائل.
أما المحتكر، فإنه ينفصل عن هذا الجسد الحيّ، ويعتزل روح الجماعة، ليبني مصلحته على جراح الآخرين، ويقتات على آلامهم.