"الأرض المباركة"
فقه الأرض.. بركة المكان وعزة الأوطان
الحمد لله القائل في محكم التنزيل: {وَالتِّينِ
وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَٰذَا
الْبَلَدِ الْأَمِينِ}، أقسم بالبقاع المقدسة تنبيهاً على شرفها، وعظيماً لقدرها. وأشهد
أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل حب الأوطان غريزة في الفطرة، وعبادة في الملة.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، كان أوفى الناس لأرضه، وأحرصهم على دياره، صلى الله عليه
وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله..
اتقوا الله تعالى، واعلموا أن للأرض في
ميزان الحق قدسية، وللأوطان في قلوب الأحرار حرمة. إننا حين نتحدث اليوم عن "الأرض
المباركة" بمناسبة ذكرى تحرير سيناء، فإننا لا نتحدث عن رمالٍ عابرة أو حدودٍ
جغرافية فحسب، بل نتحدث عن "عقيدة المسلم في أرضه".
إن سيناء التي نحتفي بعودتها وعزتها، هي الأرض
التي اختصها الله بالذكر في كتابه، وهي البقعة التي شهدت تجلي نور الحق سبحانه، وخطا
عليها كليم الله موسى -عليه السلام-، فنودي فيها: {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ
نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى}. فحبنا لهذه الأرض هو من تعظيم
ما عظم الله، وفرحنا باستردادها هو فرحٌ بنعمة الله التي تستوجب الشكر.
أيها الإخوة المؤمنون:
إن في ذكرى استعادة الأرض دروساً بليغة
نحتاجها في حياتنا اليومية، أينما كنا:
الدرس الأول: الصبر واليقين.
إن عودة الحق لأصحابه بعد سنوات من التضحية
تعلمنا أن الباطل مهما علا فإنه زهوق، وأن الأوطان لا تضيع ما دام وراءها مطالبٌ مؤمن
بحقه. (وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا).
الدرس الثاني: التضحية والوفاء.
إن النعم العظيمة -وعلى رأسها نعمة الأمن
في الأوطان- لا تُنال بالأماني، بل بالبذل والعطاء. فكما رويت هذه الأرض بدماء الشهداء
لننعم نحن اليوم بالاستقرار، فإن على كل واحد منا أن يضحي بجزء من وقته وجهده في سبيل
رفعة مجتمعه وإصلاح ما حوله.
الدرس الثالث: من التحرير إلى التعمير.
إن الأرض التي تحررت بالسلاح، لا تحيا إلا
بالإصلاح. والأمانة التي استردها الأبطال بدمائهم، يجب أن يحفظها الأحياء بعرقهم وعملهم.
إن عمارة الأرض هي جوهر الاستخلاف الذي أمرنا الله به، وهي الدليل العملي على صدق الانتماء.
الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاماً على عباده الذين
اصطفى..
عباد الله:
قد يتساءل البعض: "ما واجبي تجاه هذه
الذكرى وأنا بعيد عن أرض سيناء؟". والجواب: أن المسلم كالبنيان المرصوص، وأمن
الثغور هو أمان للمحراب والبيت والسوق. إن استقرار أي شبر من بلادنا هو قوة لنا جميعاً.
إن واجبنا اليوم هو "المرابطة على ثغور
الوعي". فالمخاطر التي تواجه الأمة اليوم ليست عسكرية فحسب، بل هي مخاطر تهدف
لتزييف الوعي وهدم القيم. فالمواطن الذي يخلص في عمله هو مرابط، والأب الذي يربي أبناءه
على قيم الصدق والأمانة هو حارس للوطن، والباحث الذي يسخر علمه لنفع الناس هو فاتحٌ
لآفاق الخير.
اجعلوا من هذه الذكرى منطلقاً لتجديد الهمة،
وتحرير النفوس من اليأس، ولنعمل معاً لتكون بلادنا دائماً واحة للأمن والإيمان.
الدعاء:
اللهم احفظ بلادنا من كل مكروه وسوء، واجعلها
دار أمن وأمان.
اللهم بارك لنا في أرزاقنا وأرضنا، وصب علينا
الخير صباً.
اللهم ارحم شهداءنا الذين ضحوا لأجلنا، وأسكنهم
فسيح جناتك.
اللهم وفق ولاة أمورنا لما فيه صلاح البلاد والعباد،
واجعل أيامنا كلها نصراً وعزة.
#الشيخ_محمودعطا