recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة آيات الله في بدر ج١ إعداد الشيخ/ أحمد عزت حسن

 آيات الله في بدر ج١

            


 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا رسول الله ، "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا . يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا"، وبعد

في مثل هذا اليوم السابع عشر من شهر رمضان المبارك من العام الثاني للهجرة وقع أول لقاء مسلّح بين جيش الحق والباطل بين معسكر الكفر والإيمان، ونريد الوقوف أمام هذه الغزوة طويلًا للوقوف على أسباب النصر والهزيمة في هذه المعركة.

بدايةٌ لا بد منها

 هاجر المسلمون الأوائل وتركوا ديارهم وأموالهم بمكة فاستولى عليها القريشيون، وهناك أسر بكاملها غلّقت دورها في مكة وآثرت أن تعبد الله في حرية وأمان في كنف إخوانهم الأنصار في المدينة. يقول ابن إسحاق: «وتلاحق المهاجرون إلى رسول الله ، فلم يبق منهم بمكة أحد إلا مفتونًا أو محبوسًا، ولم يوعب أهل هجرة من مكة بأهليهم وأموالهم إلى الله تبارك وتعالى وإلى رسول الله إلا أهل دور مسمّون: بنو مظعون من بني جمح، وبنو جحش بن رئاب حلفاء بني أمية، وبنو البكير من بني سعد بن ليث حلفاء بني عديّ بن كعب، فإن دورهم غلّقت بمكة هجرة ليس فيها ساكن، ولما خرج بنو جحش بن رئاب من دارهم عدا عليها أبو سفيان بن حرب فباعها من عمرو بن علقمة أخي بني عامر بن لؤي، فلما بلغ بني جحش ما صنع أبو سفيان بدارهم ذكر ذلك عبد الله بن جحش لرسول الله ، فقال له رسول الله : «ألا ترضى يا عبد الله أن يعطيك الله بها دارًا خيرًا منها في الجنّة؟» قال: بلى، قال: «فذلك لك» «ابن هشام ٢/ ١١٦-١١٧».

وهكذا لم يكتف المشركون من قريش بطرد المسلمين من ديارهم، وإنما أوغلوا في أذاهم فأضافوا ذلك الألم النفسي الذي يعانيه الإنسان الحر عندما يعلم أن داره اغتصبت منه، وأن غيره يتصرف فيها ويبيعها، حارمًا له من أبسط حقوق التصرف في الملك.

سببها                                                                  

ترجع الدَّواعي الدَّافعة إلى إقامة معارك قتاليَّة اقتصاديَّة وبشريَّة بينَ المسلمينَ في المدينة ومشركي مَكَّة إلى عدَّة أسباب:                                                                                               

السبب الأول: أنَّ مُشركي مكة أَلْجَؤُوا المهاجرينَ منها إلى المدينة بأنواع منَ الضُّغوط والأَذَى والمُضَايقات المادية والمعنويَّة، وألوان منَ الحرب الباردة إلى ترك بلدهم ومساكنهم فيها وأموالهم. وهذا الأمر قد جَعَل المهاجرينَ يعانونَ من ضائقات اقتصاديَّة كثيرة، رغم مواساة الأنصار لهم، ومشاطرتهم لهم في أموالهم.                                                                                    

السبب الثاني: الاضطهاد الدِّيني الذي مارَسَهُ مشركو مَكَّة ضد المسلمين، ليعيدوهم إلى الكفر بعد أن هداهمُ الله إلى الإيمان، فقد حاولوا فتنتهم في دينهم بمختلف الوسائل الاضطهاديَّة، وبالحرب الاقتصاديَّة حتَّى ألجؤوهم إلى الهجرة والفرار بدينهم، وترك أموالهم ومساكنهم في مَكَّة ينهبها المشركونَ. ويُعَبَّر عن هذا السبب بالفتنة في الدِّين.

السبب الثالث: مَكْر مُشرِكي مَكَّة بالرَّسول لسجنه أو قَتْله، الأمر الذي أحرجه فأخرجه من مَكَّة بلده مهاجرًا إلى المدينة.

السبب الرابع: أنَّ حالة الحرب قائمةٌ بينَ المسلمينَ في المدينة ومشركي قريش، وهي بأسباب منَ المشركين لا منَ المُسلمينَ. ومن أمثلة ذلك: إغارة "كرز بن جابر أحد بني محارب بن فهر"، على سرح المسلمينَ في المدينة، وخروج الرَّسول في طلبه، فيما يدعى بغزوة بدر الأولى.

السبب الخامس: محاولات تحريض مشركي قريش لمُنَافقي المدينة ومشركيها على قتال الرسول والمسلمينَ، وتهديدهم بأنَّهم سيغزونهم بجميع العَرَب. روى ابن مَرْدَوَيْه بإسناد صحيح - كما قال ابن حجر في "الفتح" -: أنَّ كُفَّار قريش كتبوا إلى عبدالله بن أُبَيّ وغيره من مُشركي أهل يثرب قبل بدر يهددونهم بإيوائهم النَّبي وأصحابه، ويَتَوَعَّدونهم بأنهم سيغزونهم بجميع العرب. فهمَّ عبد الله بن أُبَي ابن سلول ومَن معه من قومه بقتال المسلمين، فأتاهم النَّبي فقال لهم: (ما كادكم أحد بمثل ما كادتكم قريش، يريدون أن يلقوا بأسكم بينكم). فَلَمَّا سَمِعوا ذلك عرفوا الحق فتَفَرَّقوا.

السبب السادس: علِم النبي بأن هناك تجارة لقريش في طريقها للعودة وما من قرشي -كبار القوم- إلا وله فيها نصيب فطلب من أصحابه أن يخرجوا إليها لعل الله يعوضكم بها عما تركتموه بمكة، وبالفعل خرج مع النبي قرابة الثلاثمائة وثلاثة عشرمن المهاجرين والأنصار.

 فخف بعضهم وثقل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول اللهّٰ يلقى حربًا، وكان فيها ثلاثون رجلاً من قريش أو أربعون، منهم: مخرمة بن نوفل، وعمرو بن العاص، وقال ابن عقبة: وابن عائذ في أصحاب أبي سفيان، هم سبعون رجلاً، وكانت عيرهم ألف بعير.

قال ابن سعد: هي العير التي خرج لها حتى بلغ ذا العشيرة، تحين قفولها من الشام، فبعث طلحة بن عبيد اللهّٰ التيمي، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل يتجسسان خبر العير.

 أيها الإخوة المؤمنين: إن الدنيا عرَضٌ حاضر، يأكل منه البر والفاجر، وإن الآخرة لوعد صادقٌ يحكم فيها ملك عادل، فطوبى لعبدٍ عمِل لآخرته وحبله ممدود على غاربه، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فتوبوا إلى الله واستغفروه وادعوه وأنتم موقونون بالإجابة.

الخطبة الثانية

إن الحمد لله نحمده ونستعينه، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. قاد سفينة العالم الحائرة في خضم المحيط، ومعترك الأمواج حتى وصل بها إلى شاطئ السلامة، ومرفأ الأمان.

أحداثٌ قبل المعركة:                                       

قبل المعركة طلب النبي من أصحابه أن يتعادّوا فكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر فقال: عدة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر.    

  كان النبي يُسوّي الصفوف بعودٍ وكان سواد بن غزية مستنسل –خارج- من الصف، فأشار النبي عليه بالعود في صدره قائلًا: استو يا سواد، فقال سواد: أوجعتني يا رسول الله وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقِدني منك يا رسول، أي أعطني حقي فكشف النبي له عن صدره ...

فهل هذا الموقف يحصل في الجيش الآن بين جندي وقائد أيًا كانت رتبته؟ لن أقول لك: لواء أو مشير هل هذا من الممكن أن يحصل؟ لكن هذا الحدث حصل في التاريخ مع الرسول عليه الصلاة والسلام، حصل مع قائد الدولة بكاملها، كشف عن بطنه وقال: (استقد)، خذ حقك ... اضرب، لكن سواداً اعتنقه وقبل بطن الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال النبي : (ما حملك على هذا يا سواد؟ قال: يا رسول الله! قد حضر ما ترى -أي: حضر أمر القتال والحرب- فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك) فدعا له بخير.                                                     

ولم يمت سواد في بدر، لكنه لفت أنظارنا إلى صفة أصيلة من صفات الجيش المنصور، هذه الصفة هي تلاحم القائد مع شعبه وانصهاره فيه، فالجيش المنصور لا فرق فيه بين قائد وجندي، والأمة المنصورة لا فرق فيها بين حاكم ومحكوم، كما قال الرسول للأنصار في بيعة العقبة الثانية: (أنا منكم وأنتم مني)، وقد رأينا هذا الأمر قبل ذلك في مكة، وفي قصة بناء المسجد النبوي، ورأيناه الآن في كل خطوات بدر، وسنراه كثيراً من أول لحظات الخروج من المدينة إلى بدر، فقد كان الصحابة يتناوبون على الإبل لقلة عددها، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام وهو قائد الجيش يتناوب في الركوب مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومرثد بن أبي مرثد رضي الله عنه، وفي رواية: مع أبي لبابة رضي الله عنه. وأثناء السفر قال الصحابيان للرسول نحن نمشي عنك، فانظر إلى رد الرسول عليه الصلاة والسلام: (ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما)،

google-playkhamsatmostaqltradent