أحكام زكاة الفطر
هي فرض على كل مسلم ومسلمة لحديث ابن عمر
رضي الله عنه قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان"(الجماعة).
الحكمة من مشروعيتها
وقد شرعت زكاة الفطر لحِكَمٍ عديدة منها:
الأولى: تطهير الصائم من اللغو والرفث الذي وقع منه في أثناء شهر رمضان.
جبران نقص الصوم؛ فقد بين صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس المتقدم أنها (طهرة للصائم من اللغو والرفث) رواه أبو داود وغيره، قال بعض أهل العلم: زكاة الفطر كسجدة السهو للصلاة، تجبر نقصان الصوم، كما يجبر سجود السهو نقصان الصلاة.
الثانية: إطعام المساكين ومواساتهم في العيد.
ودليل ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنه قال:"فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين"( أبو داود).
إغناء الفقراء عن السؤال ففي الحديث السابق أنها: "طعمة للمساكين"، وإغناء الفقراء من المطالب التي دلت عليها كليات الشريعة ومقاصدها، فضلاً عما تؤدي إليه هذه الصدقة من التكافل بين المجتمع، والتراحم بين طبقاته، وشعور بعضهم ببعض.
على من تجب زكاة الفطر ؟
تجب زكاة الفطر على كل مسلم، ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، عاقل أو مجنون لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين) متفق عليه، قال ابن المنذر: "أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن صدقة الفطر فرض". وقال إسحاق: "هو كالإجماع من أهل العلم".
تجب بضابطين: الأول: كل مسلم ومسلمة صغير أو كبير، حر أو عبد.
الثاني: ملك ما يزيد عن حاجته وحاجة من يعوله في يوم العيد.
لحديث ابن عمر رضي الله عنهما السابق، قال: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير .. على الحر والعبد والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين"(رواه الجماعة).
ويستحب أن تخرج عن الجنين كما قال أبو قلابة:"كانت تعجبهم صدقة الفطر عن الصغير والكبير حتى الحمل في بطن أمه"(رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح).
ويشترط لوجوبها أمران:
- الإسلام: فلا تقبل من الكافر لقوله تعالى: (وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله) (التوبة:54).
- القدرة عليها: بأن يكون عنده يوم العيد وليلته قدر زائد عن قوته وقوت عياله ومن تلزمه نفقتهم وحوائجهم الأصلية من طعام وشراب ومسكن وملبس.
وتجب على الوالد زكاة الفطر عن ولده الصغير إذا لم يكن له مال، وأما إن كان له مال، فتجب الزكاة في مال الصغير، ولا تجب في مال الأب على الصحيح.
والجمهور على أنه يجب على الأب إخراجها عمن تلزمه نفقته، كالزوجة والوالدين؛ لحديث ابن عمر مرفوعاً: (أدوا الفطرة عمن تمونون) رواه الدار قطني وغيره، وفي إسناده إرسال، والصواب وقفه.
والصحيح أن صدقة الفطر تجب على الزوجة بنفسها لقوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)(الأنعام:164). وكذلك الأبوين، كما أن الراجح من أقوال أهل العلم أن الدَّيْن ليس مانعاً من وجوب زكاة الفطر.
لمن تعطى زكاة الفطر ؟
الصحيح أن زكاة الفطر لا تعطى إلا للفقراء والمساكين، وهم من لا يملكون كفايتهم في يوم العيد، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما المتقدم: (طعمة للمساكين"(أبو داود)،
أما بقية الأصناف الستة فلا يعطون من صدقة
الفطر إلا إذا كانوا فقراء أو مساكين فقط.
أصنافها: غالب طعام البلد.
فقد جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنه: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير"(متفق عليه).
وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (كنا نعطيها زمن النبي صلى الله عليه وسلم صاعاً من طعام، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من زبيب، أو صاعاً من أقط) [متفق عليه]. وفي حديث ابن عباس رضي الله عنه: (وطعمة للمساكين) [رواه أبو داود]. فهذه الأحاديث تدل على وجوب الصاع من طعام البلد كما قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: (وكان طعامنا يومئذٍ الشعير والزبيب والتمر والأقط) [صحيح البخاري].
شرعت زكاة الفطر في السنة الثانية من الهجرة، وهي السَّنَّة نفسها التي فرض الله فيها صوم رمضان، ودليل مشروعيتها ثبت في السنة في أحاديث عدة، منها ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: (كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله....)، رواه مسلم. ومنها خبر ابن عباس رضي الله عنهما، قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر) رواه أبو داود وغيره. وورد غير ذلك من الأخبار التي يفيد مجموعها وجوب صدقة الفطر على كل مسلم.
وقت وجوب إخراجها
تجب زكاة الفطر بغروب شمس ليلة عيد الفطر، فمن كان من أهل الوجوب حينئذ وجبت عليه وإلا فلا، فإذا مات قبل الغروب ولو بدقائق لم تجب عليه، وإن مات بعده ولو بدقائق، وجب إخراج زكاته، ومن أسلم بعد الغروب فلا فطرة عليه، ولو ولد لرجل بعد الغروب، لم تجب فطرته، لكن يسن إخراجها عنه، بخلاف ما لو ولد له قبل الغروب، فإنه يجب إخراجها عنه.
وأما وقت إخراجها فالأفضل أن تُخْرَج صباح العيد قبل الصلاة؛ لقول أبي سعيد الخدري رضي الله عنه -كما في البخاري-: (كنا نُخْرِجُ في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفطر صاعاً من طعام...)، وما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة)؛ ولأن المقصود منها إغناء الفقراء في هذا اليوم عن السؤال، من أجل أن يشاركوا الموسرين في الفرح والسرور.
ويجوز تقديمها قبل يوم العيد بيوم أو يومين؛ لما رواه البخاري أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يعطيها -أي صدقة الفطر- الذين يقبلونها، وكان يؤديها قبل الفطر بيوم أو يومين.
ولا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد لغير عذر، فإن أخرها لغير عذر لم تقبل منه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات) رواه أبو دواد وغيره.
وأما إن كان التأخير لعذر، كأن يصادفه العيد في مكان ليس عنده ما يدفع منه، أو من يدفع إليه، أو يأتي خبر العيد مفاجئاً بحيث لا يتمكن من إخراجها قبل الصلاة، أو يكون معتمداً على شخص في إخراجها، فينسى ذلك الشخص أن يخرجها، فله في هذه الحالة أن يخرجها ولو بعد العيد؛ لأنه معذور في ذلك كله.
جنس الواجب وقدره
أما عن الجنس الواجب إخراجه فمن غالب قوت البلد؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير)، وكان الشّعير يوم ذاك من طعامهم، كما قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: (كنا نخرج يوم الفطر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم صاعاً من طعام، وكان طعامنا الشعير، والزبيب، والأقط، والتمر) رواه البخاري.
والقدر الواجب صاع من أي من هذه الأصناف، أو غيرها من الطّعام، ويقدر بكيلوين وأربعين غراماً من البُرِّ، ومن غير البُرِّ بحسبه. وأجاز بعض العلماء إخراج قيمة هذه الأصناف، والأمر فيه سعة بحسب حاجة الفقير.
وتدفع صدقة الفطر للفقراء والمحتاجين دون سائر مصارف الزكاة الثمانية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه لله، ولا يجوز دفعها إلى من تجب على الإنسان نفقته، كما لا يجوز دفعها إلى أهل الذمة.
ويجوز دفع زكاة الفطر لفقير واحد، أو عدة فقراء، والأولى دفعها إلى الأقرباء الفقراء، الذين لا تجب نفقتهم على المزكي.
وأما جواز إعطائها للساعي قبل ذلك بيوم
أو يومين فلحديث ابن عمر رضي الله عنه: (كانوا يعطونها قبل الفطر بيوم أو يومين) [صحيح
البخاري]، وجاء عن نافع أن هذا الإعطاء كان للعامل. [موطأ مالك وصحيح ابن خزيمة].
3. وأما عدم إجزائها بعد صلاة العيد فلحديث ابن عباس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين. من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات"( أبو داود) أي: لا تقبل كزكاة.
قال الله -عز وجل-:"إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ
لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ
وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً
مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ"( التوبه 60 ).
قسّم الله -عز وجل- الزكاة الواجبة على
هذه الأصناف، وحصر الزكاة فيها، فلا تبرأ الذمة من الزكاة الواجبة إذا صرفها في غير
هذه الأصناف؛ فلا بد أن يصرفها في هذه الأصناف؛ حتى تبرأ الذمة
المراد بالصدقة
والصدقة تارة يراد بها الصدقة المستحبة،
وتارة يراد بها الزكاة الواجبة، فهي أعم من لفظ الزكاة، أما لفظ الزكاة، فإنه يراد
بها الزكاة الواجبة، فهنا يراد بالصدقات الزكاة الواجبة؛ وذلك لأن الصدقة المستحبة
يجوز إعطاؤها لغير هذه الأصناف المذكورة، وذلك بخلاف الزكاة الواجبة؛ فإنها لا تعطى
لغير هذه الأصناف، ولأن الله -عز وجل- حصر الصدقة في هذه الأصناف؛ فدل على أنها الزكاة
الواجبة، والصدقة متى أطلقت في القرآن فهي صدقة الفرض.
مخارج الزكاة
الفقراء والمساكين تعددت آراء أهل التفسير
في معنى الفقير والمسكين، فذهب بعضهم إلى أن الفقير هو الذي له بعض ما يكفيه ويُقيمه،
وأن المسكين هو من لا شيء له، أي لا يملك ما يكفيه ويقيمه، فالفقير أحسن من المسكين،
وذهب بعضهم إلى العكس، فقالوا المسكين هو من يملك ما يكفيه ويقيمه، والفقير هو الذي
لا يملك شيئاً، والمسكين هنا أحسن حالاً من الفقير، وهذا هو الصواب والله -تعالى- أعلم؛
وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتعوذ من الفقر، وكان يسأل الله -عز وجل- اللهم
أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً، ولو كان المسكين أسوأ حالاً من الفقير لتناقض الخبرين،
إذ يستحيل أن يتعوذ من الفقر، ثم يسأل ما هو أسوأ حالاً منه، وقد استجاب الله دعاءه
وقبضه وله؛ مما أفاء الله عليه، ولكن لم يكن معه تمام الكفاية
العاملين عليها هم الذين يجمعون المال،
أيّ يقبضون أموال الزكاة من أربابها، ويفرقونها على مستحقيها.
المؤلفة قلوبهم هم الكفار الذين يُعطَون
ترغيباً وتحفيزاً لهم على الدخول في الإسلام، وقيل هم مسلمون يعطون لتثبيتهم وتمكينهم
على الإسلام والإيمان
في الرقاب وهم المكاتبون من العبيد الذين
قد اشتروا أنفسهم من ساداتهم، فهم يسعون في تحصيل ما يفك رقابهم، فيُعانَون على ذلك
من الزكاة حتى يتحرروا من الرق.
من هم الغارمون
الغارمون يقسم العلماء الغارمون إلى قسمين
كما يأتي
القسم الأول: الغارمون لإصلاح ذات البين،
وهو أن يكون بين طائفتين من الناس شر وفتنة، فيتوسط الرجل للإصلاح بينهم بمال يبذله
لأحدهم أو لهم كلهم، فيجعل له نصيباً من الزكاة، ليكون أنشط له وأقوى لعزمه، فيعطى
ولو كان غنياً.
القسم الثاني: من غرم لنفسه ثم أعسر، فإنه
يعطى ما يوفى به دينه. في سبيل الله وهم الغزاة المتطوعون في سبيل الله الذين لا راتب
لهم؛ فيعطون من الزكاة ما يعينهم، ويبقيهم على الجهاد في سبيل الله -عز وجل-،
وأدرج كثير من العلماء طالب العلم في هذا
الصنف.
ابن السبيل وهو المسافر الغريب الذي انقطع
عن أهله وبلده، فيعطى من الزكاة ما يوصله إلى بلده.