جرائم التحرش الإكترونى
الحمدلله والصلاة والسلام علي رسول الله
أما بعد فيا أيها
الناس:
اتقوا الله حق
تقاته، واعلموا أن الله مطلع على السرائر، عليم بالخائنة الأعين وما تخفي الصدور.
أما بعد:
أيها المسلمون،
أبدأ خطبتي بقصة من قصص الصحابة، لنستلهم منها عظيم الورع وحفظ الحرمات، وإن اختلفت
الأزمان وتنوعت وسائل الأذى.
♦روى الإمام البخاري
في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أردف النبي ﷺ الفضل بن عباس
يوم النحر خلفه، وكان الفضل رجلاً وضيئاً، فوقف النبي ﷺ يُفتي الناس،
وأقبلت امرأة من خثعم تستفتي، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل النبي ﷺ يصرف وجه الفضل
إلى الشق الآخر. فقالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً
كبيراً لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم. وذلك في حجة الوداع.
♦ففي هذه القصة
العظيمة دليل على أن غض البصر وحماية القلب من الفتنة كان من هدي النبي ﷺ، وأنه ﷺ لم يترك الفضل
بن عباس -وهو غلام حدث- ينظر إلى المرأة الأجنبية، بل صرف وجهه تأديباً وتعليماً.
وهذا تأسيس لأصل
عظيم في حفظ الحرمات، يندرج تحت مظلته اليوم ما نعانيه من جرائم التحرش الإلكتروني
التي انتشرت في هذا الزمان، فاستحلت بها الحرمات، وانتهكت بها الأعراض في الفضاء الرقمي.
أيها المسلمون،
إن خطبتنا هذه تتناول موضوعاً خطيراً، وهو جرائم التحرش الإلكتروني، وذلك في عناصر
ثلاثة:
1. التحذير من انتهاك
الحرمات في العالم الرقمي.
2. عظم جريمة التحرش
الإلكتروني في ميزان الشرع.
3. وسائل الوقاية
والعلاج وحفظ الأعراض.
العنصر الأول: التحذير من انتهاك الحرمات في العالم الرقمي
إن الله تعالى خلق الإنسان وأكرمه، وحرّم عليه انتهاك حرمات الآخرين، سواء كان ذلك بالقول أو الفعل، أو بالوسائل الحديثة التي قد يوهم بعض الناس أنها لا تُرى.
قال الله تعالى:
{وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا
فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا} [الأحزاب:58].
وجاء في الصحيحين
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «كُلُّ الْمُسْلِمِ
عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ». ♦والعرض هو الشرف والكرامة،
وهما من أعظم ما يجب حفظه، حتى في الغيبة، فكيف بالتحرش الذي هو أذىً وابتزاز وتخويف؟
والتحرش الإلكتروني
بأنواعه: من إرسال الصور الخادشة، أو الكلمات الفاحشة، أو المتابعة المزعجة، أو الابتزاز
العاطفي، كل ذلك يدخل في الإيذامن المحرم، ويُعد من انتهاك الحرمات التي جاء الإسلام
بتحريمها.
العنصر الثاني: عظم جريمة التحرش الإلكتروني في ميزان الشرع
هذه الجريمة تجمع
بين عدة كبائر، نذكر منها:
♦أولاً: النظر المحرم
الذي هو بداية الشر وأصله:
قال تعالى: {قُل
لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ
أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور:30].
♦وفي الحديث الصحيح
عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: سألت النبي ﷺ عن نظر الفجأة،
فأمرني أن أصرف بصري. رواه مسلم.
فكيف بمن لا يصرف
بصره فحسب، بل يتتبع عورات الناس عبر الشاشات، ويبحث عن الصور الممنوعة، أو يتعمد إرسالها؟
هذا استهانة بأمر الله ورسوله.
ثانياً: الكلام
الفاحش والقذف والتهديد:
من وسائل التحرش
الإلكتروني إرسال الألفاظ البذيئة، أو التهديد، أو التشهير. وقد قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ
يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا
بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا} [الأحزاب:58].
وقال النبي ﷺ: «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ
بِالطَّعَّانِ، وَلَا اللَّعَّانِ، وَلَا الْفَاحِشِ، وَلَا الْبَذِيءِ» رواه الترمذي
وقال: حسن صحيح.
ثالثاً: انتهاك
الخلوة المعنوية التي حذر منها الشرع:
إن التحرش الإلكتروني
غالباً ما يكون في خلوة بين الجاني والضحية، وهذه الخلوة المحرمة ولو عبر الشاشة، ففي
الحديث الصحيح: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ»
متفق عليه.
فإذا كانت الخلوة
البدنية محرمة، فالخلوة المعنوية التي تحصل عبر الرسائل الخاصة والمحادثات السرية أولى
بالتحريم، لأنها قد تفضي إلى ما هو أعظم.
رابعاً: إشاعة
الفاحشة والابتزاز:
بعض المتحرشين
ينشرون صوراً أو رسائل خاصة بهدف التشهير أو الابتزاز. وهذا من أعظم الكبائر، قال الله
تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا
لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ
لَا تَعْلَمُونَ} [النور:19].
♦قال ابن كثير رحمه
الله: "هذه الآية فيها تهديد شديد لمن يتعاطى نشر الفاحشة".
وفي الحديث: «مَنْ
سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» متفق عليه. فمن انتهك
الستر وهتكه فقد خالف هذا الهدي النبوي.
العنصر الثالث:
وسائل الوقاية والعلاج وحفظ الأعراض
لقد وضع الإسلام
منهجاً كاملاً للحفاظ على الأعراض والكرامات، ونحن اليوم في أمس الحاجة لتطبيقه في
العالم الرقمي.
أولاً: غض البصر
ومراقبة الله:
هو الأصل في الوقاية.
قال تعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر:19].
وكان من هدي السلف
أنهم ضبطوا جوارحهم، ♦فعن الفضيل بن عياض رحمه الله: "من خاف الله لم يضره أحد،
ومن خاف غير الله لا ينفعه أحد". وغض البصر عن المحرمات في الواقع أو في الشاشات
هو أول طريق الحماية.
ثانياً: الابتعاد
عن مواطن الريبة:
لا تدخل في محادثات
خاصة مع غير المحارم، ولا تشارك صورك الشخصية مع من لا تثق به، فإن النبي ﷺ قال: «دَعْ مَا
يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
وقال أيضاً: «مِنْ
حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» حديث حسن رواه الترمذي.
ثالثاً: الستر
والتوبة لمن وقع في شيء:
من وقع في شيء
من هذه الجرائم فليبادر بالتوبة النصوح، وليستر على نفسه، وليكف عن الأذى. قال تعالى:
{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
[النور:31].
ومن تاب تاب الله
عليه، لكن لا يكفي أن يتوب ثم يعود للجريمة، بل لابد من الندم والعزم على عدم العودة.
رابعاً: إذا وقعت
ضحية:
فعليك أولا أن
تلجأ إلى الله بالدعاء والصبر، ثم اتخذ الإجراءات النظامية، واجمع الأدلة، وبلغ الجهات
المختصة. ولا تخف من الفضيحة، فإن درء الضرر مقدم.
وقد قال النبي
ﷺ: «لَا ضَرَرَ
وَلَا ضِرَارَ» حديث حسن رواه ابن ماجه والدارقطني.
واحذر من أن تستجيب
للمبتز، فإن ذلك يزيد الطين بلة، وتذكر قول الله: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ
ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} [هود:113].
خامساً: تربية
الأبناء على الوعي الرقمي:
على الآباء والأمهات
مراقبة أبنائهم، وتعليمهم كيفية استخدام وسائل التواصل، وتحذيرهم من مخاطرها.
وقد قال النبي
ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ،
وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» متفق عليه.
وكان من هدي الصحابة
أنهم يعلمون أبناءهم غض البصر، فعن الحسن البصري رحمه الله أنه بلغه أن بعض الصحابة
كان يقول لولده: "يا بني، إياك والنظر إلى ما حرم الله عليك، فإنه بذرة الشر".
أيها المسلمون،
إن حفظ الأعراض
والكرامات من أعظم مقاصد الشريعة، وقد توعد الله منتهكي الحرمات بأشد العقوبات. فاتقوا
الله في أنفسكم وفي من تحت أيديكم، وكونوا خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون
عن المنكر، وتساهمون في نشر الوعي والتوعية بخطورة هذه الجرائم.
أقول قولي هذا،
وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين،
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فيا عباد الله،
إن من أعظم ما يحصن به المسلم نفسه من هذه الجرائم: التحصن بكتاب الله وذكر الله، وكثرة
الدعاء، فقد كان النبي ﷺ يقول: «اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق،
والأعمال، والأهواء» رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
وقال: «اللهم إني
أسألك العافية في الدنيا والآخرة» رواه أبو داود وابن ماجه.
واحرصوا على ملء
أوقاتكم بطاعة الله، واغتنموا صحبة الأخيار، واجتنبوا الخلوات المظلمة التي تكون فيها
الفتن. واعلموا أن من حفظ الله في شبابه وفرجه، كان الله له حافظاً ومعيناً.
ثم اعلموا أن الله
أمركم بالصلاة على نبيه، فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ
ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56].
اللهم صلِّ على
محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل
محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
الدعاء:
اللهم إنا نعوذ
بك من الفواحش ما ظهر منها وما بطن، اللهم إنا نعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال
والأهواء، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك.
اللهم احفظ أعراض
المسلمين، وستر عوراتهم، ورد كيد من أراد بهم سوءاً في نحورهم، اللهم إنا نسألك العافية
في الدين والدنيا والأهل والمال.
اللهم وفق ولاة
أمورنا لما تحب وترضى، وأصلح أحوال شبابنا ونسائنا، واجعلنا هداة مهتدين.
اللهم انصر الإسلام
والمسلمين، وأعز الدين، واجمع كلمة المسلمين على الحق.
ربنا آتنا في الدنيا
حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله، إن
الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم
لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله
أكبر، والله يعلم ما تصنعون.