بَدْرٌ.. حِينَ قَاتَلَتِ السَّمَاءُ مَعَ الأَرْضِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْقَوِيِّ الْعَزِيزِ، نَاصِرِ
عِبَادِهِ وَلَوْ قَلُّوا، وَقَاهِرِ أَعْدَائِهِ وَلَوْ كَثُرُوا، الَّذِي يُنْزِلُ
السَّكِينَةَ فِي الْقُلُوبِ، وَيُرْسِلُ الْمَلَائِكَةَ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ،
وَيَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ
لَا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ بَدْرًا آيَةً تُتْلَى، وَمُعْجِزَةً لَا تُنْسَى، وَعِبْرَةً
تَسْتَنْهِضُ الْهِمَمَ فِي كُلِّ جِيلٍ.
وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ
وَرَسُولُهُ، الْقَائِلُ يَوْمَ بَدْرٍ وَالتَّضَرُّعُ يَمْلأُ قَلْبَهُ: «اللَّهُمَّ
إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ فَلَنْ تُعْبَدَ فِي الْأَرْضِ».. صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، الَّذِينَ شَهِدُوا بَدْرًا فَصَارُوا خَيْرَ أَهْلِ
الْأَرْضِ، فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ.
أَمَّا بَعْدُ.. يَا عِبَادَ اللَّهِ:
نَحْنُ الْيَوْمَ لَا نَتَكَلَّمُ عَنْ
مَعْرَكَةٍ طَوَاهَا التَّارِيخُ فِي صَفَحَاتِهِ..
نَحْنُ نَتَكَلَّمُ عَنْ لَحْظَةٍ مَهِيبَةٍ،
اشْتَبَكَتْ فِيهَا الْأَرْضُ بِالسَّمَاءِ!
اسْتَمِعُوا لِرَبِّكُمْ وَهُوَ يَصِفُ
الْمَشْهَدَ الَّذِي يَخْلَعُ الْقُلُوبَ:
﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي
مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا
الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾
اللَّهُ يُخَاطِبُ الْمَلَائِكَةَ!
اللَّهُ يَقُولُ: "إِنِّي مَعَكُمْ"!
يَا اللَّهُ.. أَيُّ شَرَفٍ هَذَا؟ وَأَيُّ
مَدَدٍ هَذَا؟ وَأَيُّ يَقِينٍ يَمْلأُ الصُّدُورَ حِينَ يَكُونُ اللَّهُ هُوَ الْقَائِدَ
وَالْمُؤَيِّدَ؟
ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا،
فِي مُوَاجَهَةِ أَلْفٍ مُدَجَّجِينَ بِالسِّلَاحِ.. لَا عُدَّةَ كَافِيَةً، وَلَا
خَيْلَ وَافِيَةً، وَلَا دُرُوعَ وَاقِيَةً.. لَكِنْ كَانَ مَعَهُمُ "اللَّهُ"
وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَنَصِيرًا.
تَخَيَّلُوا الْمَشْهَدَ: سُيُوفٌ تَتَقَاطَعُ،
وَغُبَارٌ يَمْلأُ الْأُفُقَ، وَرُؤُوسٌ تَتَطَايَرُ.. وَفَجْأَةً! ضَرْبَةٌ لَا تُرَى
يَدُهَا! وَسَيْفٌ لَا يُعْرَفُ صَاحِبُهُ! وَصَوْتُ فَارِسٍ يُنَادِي فِي جَوْفِ السَّمَاءِ:
"أَقْدِمْ حَيْزُومُ!"..
إِنَّهَا الْمَلَائِكَةُ، نَزَلَتْ لِتَكْتُبَ
بِأَجْنِحَتِهَا أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا.
بَدْرٌ يَا عِبَادَ اللَّهِ لَمْ تَكُنْ مَعْرَكَةَ
أَبْدَانٍ..
بَلْ كَانَتْ مَعْرَكَةَ يَقِينٍ!
ثُمَّ اسْمَعُوا إِلَى الْآيَةِ الَّتِي
تَهُزُّ الْجِبَالَ وَتُصَحِّحُ الْمَفَاهِيمَ:
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ
رَمَى﴾
وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ، أَخَذَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ، رَمَاهَا
فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ.. مُجَرَّدُ قَبْضَةِ تُرَابٍ! لَكِنَّهَا بِإِرَادَةِ اللَّهِ
مَلَأَتْ أَعْيُنَ أَلْفِ رَجُلٍ!
الْمَعْنَى الْعَظِيمُ هُنَا: أَنْتَ تَبْذُلُ..
وَاللَّهُ يُتِمُّ. أَنْتَ تَخْطُو.. وَاللَّهُ يُبَلِّغُ. أَنْتَ تَزْرَعُ.. وَاللَّهُ
يُثْمِرُ.
يَا مَنْ تَقُولُ: "أَنَا ضَعِيفٌ"..
يَا مَنْ تَشْكُو قِلَّةَ الْإِمْكَانِيَّاتِ.. يَا مَنْ تَظُنُّ أَنَّ الْأَبْوَابَ
قَدْ غُلِقَتْ.. خُذْ "حَفْنَةَ تُرَابِكَ" وَارْمِهَا بِيَقِينٍ! أَدِّ
مَا عَلَيْكَ بِصِدْقٍ، وَسَيَقُولُ اللَّهُ لَكَ: "وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ
وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَى".
لَكِنِ انْتَبِهُوا..
قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْمَلَائِكَةُ، وَقَبْلَ
أَنْ يَتَحَرَّكَ الْكَوْنُ، نَزَلَ "أَمَانُ اللَّهِ" فِي أَغْرَبِ صُوَرِهِ.. آيَةُ النُّعَاسِ!
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ
أَمَنَةً مِّنْهُ﴾.
فِي قَلْبِ الرُّعْبِ، وَفِي لَيْلَةِ الْقِتَالِ
الْمَصِيرِيَّةِ.. يَنَامُونَ!
لَيْسَ نَوْمَ عَجْزٍ أَوْ تَعَبٍ، بَلْ
نَوْمَ "طُمَأْنِينَةٍ".
يَا لَلَّهِ!
أَيُّ قَلْبٍ هَذَا الَّذِي يَنَامُ وَالْمَوْتُ
مِنْهُ عَلَى مَسَافَةِ خُطْوَةٍ؟ إِنَّهُ الْقَلْبُ الَّذِي عَرَفَ اللَّهَ فَاسْتَرَاحَ.
يَا مَنْ لَا تَنَامُ بِسَبَبِ "هَمٍّ"
أَوْ "دَيْنٍ" أَوْ "خَوْفٍ مِنْ غَدٍ".. أَيْنَ إِيمَانُ أَهْلِ
بَدْرٍ فِي قَلْبِكَ؟ أَيْنَ "الْأَمَنَةُ" الَّتِي يَسْكُبُهَا اللَّهُ
فِي رَوْعِ الْمُؤْمِنِينَ؟
ثُمَّ جَاءَ الْمَدَدُ مِنَ السَّمَاءِ مَطَرًا
طَهُورًا:
﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً
لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾
الْمَطَرُ نَزَلَ لِيُثَبِّتَ الرِّمَالَ تَحْتَ
أَقْدَامِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَجْعَلَ أَرْضَ الْمُشْرِكِينَ وَحَلًا وَمَزَلَّةً..
الْكَوْنُ كُلُّهُ يَعْمَلُ لِصَالِحِكَ
حِينَ تَكُونُ مَعَ اللَّهِ،
لَكِنَّ السُّؤَالَ: هَلْ أَنْتَ تَعْمَلُ
لِصَالِحِ دِينِ اللَّهِ؟
️يَا عِبَادَ اللَّهِ..
بَدْرٌ لَيْسَتْ قِصَّةً لِلذِّكْرَى، بَلْ
هِيَ مَنْهَجُ حَيَاةٍ.
إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَنْزِلَ الْمَلَائِكَةُ
فِي وَاقِعِكَ وَتُؤَيِّدَكَ فِي أَزَمَاتِكَ:
أَخْلِصْ كَمَا أَخْلَصُوا.
اثْبُتْ كَمَا ثَبَتُوا.
وَالْجَأْ إِلَى السُّجُودِ قَبْلَ أَنْ تَلْجَأَ
إِلَى السِّلَاحِ.
يَا عِبَادَ اللَّهِ..
تَعَالُوا نَرْجِعَ إِلَى سِرِّ النَّصْرِ
الْحَقِيقِيِّ:
النَّبِيُّ ﷺ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يَسْقُطَ رِدَاؤُهُ،
يُلِحُّ فِي الْمَسْأَلَةِ، يَسْتَغِيثُ بِقَلْبٍ يَرْتَجِفُ حُبًّا وَخَوْفًا، وَيَقُولُ:
"اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي.."
فَيَنْزِلُ الْوَعْدُ الْحَقُّ: ﴿إِذْ
تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ
مُرْدِفِينَ﴾
بَدَأُوا بِأَلْفٍ.. ثُمَّ زَادُوا لِثَلَاثَةِ
آلَافٍ.. ثُمَّ خَمْسَةِ آلَافٍ.. الْمَدَدُ يَزِيدُ بِزِيَادَةِ التَّقْوَى، لَكِنَّ
الشَّرْطَ هُوَ: "إِذْ تَسْتَغِيثُونَ".
لَمْ يَقُلْ "إِذْ تَعْتَمِدُونَ عَلَى
خُطَطِكُمْ"،
وَلَا "إِذْ تَثِقُونَ فِي كَثْرَتِكُمْ".. بَلْ "إِذْ تَسْتَغِيثُونَ".
️يَا شَبَابَ الْأُمَّةِ.. يَا مَنْ تَشْعُرُونَ
بِالْغُرْبَةِ أَوِ الضَّعْفِ..
بَدْرٌ صَرْخَةٌ فِي أُذُنِ الزَّمَانِ:
"الْقِلَّةُ مَعَ اللَّهِ كَثْرَةٌ.. وَالْكَثْرَةُ بِلَا اللَّهِ هَبَاءٌ!"
أَبُو جَهْلٍ خَرَجَ مُتَبَخْتِرًا يَقُولُ:
"لَنْ نَرْجِعَ حَتَّى نَشْرَبَ الْخَمْرَ وَتُغَنِّيَ الْقِيَانُ وَتَسْمَعَ
بِنَا الْعَرَبُ!"..
فَرَجَعَ جُثَّةً هَامِدَةً تُسْحَبُ فِوق
الرمال.
وَالنَّبِيُّ ﷺ خَرَجَ مُتَضَرِّعًا بَاكِيًا..
فَرَجَعَ مَنْصُورًا مُؤَيَّدًا تُرَفْرِفُ
فَوْقَهُ رَايَاتُ الْعِزِّ.
بَدْرٌ تُعَلِّمُنَا أَنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ
نَصْرَكَ، سَخَّرَ لَكَ الْمُسْتَحِيلَ. لَكِنْ.. إِذَا غَلَبَكَ الذَّنْبُ، وَتَنَازَعْتَ
مَعَ أَخِيكَ، وَضَعُفَ يَقِينُكَ.. فَلَا تَنْتَظِرْ مَلَائِكَةً تُثَبِّتُكَ.
️يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ.. "بَدْرٌ"
تَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ مَعْرَكَةٍ بَيْنَ حَقٍّ وَبَاطِلٍ، وَفِي كُلِّ جِهَادٍ ضِدَّ
النَّفْسِ وَالْهَوَى.. فَهَلْ نَحْنُ أَهْلٌ لِبَدْرٍ؟
هَلْ فِينَا صِدْقُ التَّوَكُّلِ؟ هَلْ
فِينَا قِيَامُ اللَّيْلِ؟ هَلْ فِينَا دُمُوعُ الِاسْتِغَاثَةِ؟
إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَرَى ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ
رَمَيْتَ﴾ فِي رِزْقِكَ، فِي بَيْتِكَ، فِي أُمَّتِكَ.. فَارْمِ ذَنْبَكَ الْيَوْمَ..
ارْمِ عَجْزَكَ الْيَوْمَ.. ارْمِ خَوْفَكَ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ.. وَثِقْ أَنَّ اللَّهَ
سَيَرْمِي مَعَكَ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ
لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ.....
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
"حِفْظُ الْكَرَامَةِ.. حِينَ يَكُونُ الْعَطَاءُ جُرْحًا!"
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ
وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ بُعِثَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ.. عِبَادَ اللَّهِ:
إِذَا كَانَتْ "بَدْرٌ" قَدْ
عَلَّمَتْنَا أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَإِنَّهَا عَلَّمَتْنَا أَيْضًا
أَنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ الْمَرْصُوصِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا.
وَلَكِنْ، لِكَيْ يَكُونَ هَذَا "الشَّدُّ"
وَهَذَا "الْعَطَاءُ" مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ، لَا بُدَّ أَنْ يَتَوَفَّرَ
فِيهِ شَرْطٌ عَظِيمٌ:
حِفْظُ كَرَامَةِ الْإِنْسَانِ.
يَا عِبَادَ اللَّهِ..
إِنَّ تَقْدِيمَ الْمُسَاعَدَةِ لِلْمُحْتَاجِينَ
وَالْفُقَرَاءِ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، لَكِنَّ الْبَعْضَ يَفْتَحُهُ بِمِفْتَاحٍ
مَكْسُورٍ...
إِنَّنَا نَرَى الْيَوْمَ صُوَرًا تُدْمِي
الْقَلْبَ فِي تَقْدِيمِ الْمُسَاعَدَاتِ؛ صُوَرًا يَغِيبُ عَنْهَا أَدَبُ الْإِسْلَامِ
وَتَغْلِبُ عَلَيْهَا شَهْوَةُ الظُّهُورِ.
انْتَبِهُوا لِثَلَاثَةِ مَحَاذِيرَ تَقْلِبُ
الْأَجْرَ إِلَى وِزْرٍ:
أَوَّلًا: الْمَنُّ وَالْأَذَى (السَّمُّ
فِي الْعَسَلِ):
قَالَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ﴾.
الْمَنُّ هُوَ أَنْ تُشْعِرَ الْفَقِيرَ
بِفَضْلِكَ عَلَيْهِ، وَالْأَذَى هُوَ أَنْ تَجْرَحَ مَشَاعِرَهُ بِكَلِمَةٍ أَوْ نَظْرَةِ
تَعَالٍ.
الصَّدَقَةُ الَّتِي يَتْبَعُهَا كَسْرُ
خَاطِرٍ هِيَ صَدَقَةٌ بَاطِلَةٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ! فَمَا قِيمَةُ رَغِيفِ خُبْزٍ
تُقَدِّمُهُ لِيَدٍ، بَيْنَمَا تَصْفَعُ بِعَيْنِكَ كَرَامَةَ وَجْهِ صَاحِبِهَا؟
ثَانِيًا: حُمَّى التَّصْوِيرِ (شَهْوَةُ
"السِّيلْفِي"):
لَقَدِ انْتَشَرَتْ ظَاهِرَةٌ غَرِيبَةٌ،
وَهِيَ تَصْوِيرُ الْمُحْتَاجِ وَهُوَ يَتَسَلَّمُ الْمُسَاعَدَةَ، وَنَشْرُ صُورَتِهِ
مُنْكَسِرَ الْعَيْنِ، حَزِينَ الْقَلْبِ، لِيُقَالَ عَنِ الْمُتَصَدِّقِ: "مَا
أَجْوَدَهُ!".
يَا أَخِي.. اللَّهُ يَعْلَمُ مَا أَنْفَقْتَ،
وَالْمَلَائِكَةُ كَتَبَتْ، فَلِمَاذَا تَفْضَحُ سِتْرَ أَخِيكَ؟
النَّبِيُّ ﷺ قَالَ عَنِ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ
اللَّهُ فِي ظِلِّهِ: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا، حَتَّى لَا تَعْلَمَ
شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ».
تَذَكَّرْ أَنَّ الصَّدَقَةَ تُوضَعُ فِي
"يَدِ اللَّهِ" قَبْلَ أَنْ تُوضَعَ فِي يَدِ الْفَقِيرِ، فَهَلْ تَرْضَى
أَنْ يَكُونَ وُقُوفُكَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ مَشُوبًا بِالرِّيَاءِ وَفَضْحِ عِبَادِهِ؟
ثَالِثًا: الْإِذْلَالُ وَالِامْتِهَانُ:
أَنْ يُجْمَعَ الْفُقَرَاءُ فِي طَوَابِيرَ
طَوِيلَةٍ مُهِينَةٍ ، أَوْ يُطْلَبَ مِنْهُمُ الْقِيَامُ بِأَفْعَالٍ مُذِلَّةٍ لِلْحُصُولِ
عَلَى كَرْتُونَةٍ أَوْ مُسَاعَدَةٍ.. هَذَا لَيْسَ مِنْ هَدْيِ الْإِسْلَامِ!
أَهْلُ "بَدْرٍ" نَصَرَهُمُ اللَّهُ
لِأَنَّهُمْ كَانُوا "أَذِلَّةً عَلَى الْمُؤْمِنِينَ".. أَيْ رُحَمَاءَ،
خَافِضِي الْجَنَاحِ. فَكُنْ لِأَخِيكَ الْمُحْتَاجِ كَالْأَبِ الرَّحِيمِ، لَا كَالْآمِرِ
الْمُتَسَلِّطِ.
يَا عِبَادَ اللَّهِ..
الْمُحْتَاجُ لَيْسَ مَشْرُوعًا لِلتَّصْوِيرِ،
وَلَا وَسِيلَةً لِجَمْعِ الْإِعْجَابَاتِ فِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ.. الْمُحْتَاجُ
هُوَ بَوَّابَتُكَ إِلَى الْجَنَّةِ، فَاحْفَظْ بَوَّابَتَكَ بِالسِّتْرِ. أَعْطِ وَأَنْتَ
مُطَأْطِأُ الرَّأْسِ خَجَلًا مِنَ اللَّهِ، أَعْطِ وَكَأَنَّكَ أَنْتَ الْمُحْتَاجُ
إِلَى "قَبُولِ" صَدَقَتِكَ، لَا هُوَ الْمُحْتَاجُ إِلَى "فَضْلِ"
مَالِكَ.
اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ الرِّيَاءِ،
وَأَلْسِنَتَنَا مِنَ الْمَنِّ وَالْأَذَى.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يُنْفِقُونَ
أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً، وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.
اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ،
وَاحْفَظْ كَرَامَةَ الْمُحْتَاجِينَ، وَأَغْنِهِمْ بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ.
عِبَادَ اللَّهِ.. إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى.. فَاذْكُرُوا اللَّهَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ
عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.