recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة بر الوالدين زينة الأعيادعداد وترتيب العبد الفقير إلى الله الشيخ علاءالشال

  برالوالدين زينة الأعياد 



بدءًا بقصة من قصص الصحابة

الحمد لله الذي أوجب الشكر له وللوالدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، القائل: "رَغِمَ أنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أنْفُهُ" قيل: من يا رسول الله؟ قال: "مَن أدْرَكَ والِدَيْهِ عِنْدَ الكِبَرِ، أحَدَهُما، أوْ كِلَيْهِما، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ" .

أما بعد، فيا أيها المؤمنون، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فخير زاد للقاء الله.

 القصة الأولى: قصة علقمة الصحابي

أيها الإخوة الكرام، نبدأ حديثنا اليوم بقصة صحابي جليل عاش في عهد النبوة، كان اسمه علقمة.

كان علقمة شاباً مجتهداً في العبادة، كثير الصلاة والصيام والصدقة.

وفي يوم من الأيام مرض علقمة مرضاً شديداً وأصبح في النزع الأخير.

فأرسلت زوجته إلى رسول الله تخبره بحاله، فأرسل النبي عماراً وصهيباً وبلالاً ليُلقنوه الشهادة.

فدخلوا عليه فوجدوه في النزع، فجعلوا يُلقنونه "لا إله إلا الله"، ولكن لسانه كان لا ينطق بها!

فأسرعوا إلى رسول الله يخبرونه الخبر، فسألهم النبي :

"هل من أبويه أحد حي؟"

قالوا: أمه كبيرة السن.

 فأرسل إليها النبي فلما حضرت سألها: "يا أم علقمة، كيف كان حال ولدك؟"

قالت: يا رسول الله، كان كثير الصلاة كثير الصيام كثير الصدقة.

فقال : "فما حالك أنتِ منه؟" قالت: يا رسول الله، أنا عليه ساخطة.

 قال: "ولماذا؟" قالت: كان يؤثر زوجته عليّ ويعصيني.

فقال رسول الله : "إن سخط أم علقمة حجب لسانه عن الشهادة".

ثم أمر بلالاً أن يجمع حطباً كثيراً لحرقه، فصرخت الأم: يا رسول الله، ولدي لا يحتمل قلبي أن تحرقه بالنار!

فقال : "يا أم علقمة، عذاب الله أشد وأبقى، فإن سرك أن يغفر الله له فارضي عنه، فوالذي نفسي بيده لا ينتفع علقمة بصلاته ولا بصيامه ولا بصدقته مادمت عليه ساخطة".

فرفعت الأم يدها وأشهدت الله وملائكته والمسلمين أنها قد رضيت عن ولدها علقمة. فأمر بلالاً أن ينظر هل استطاع علقمة أن ينطق بالشهادة؟ فانطلق بلال فسمع علقمة من داخل الدار يقول: "لا إله إلا الله".

فقال بلال: إن سخط أم علقمة حجب لسانه عن الشهادة، وإن رضاها أطلق لسانه .

إنها قصة عظيمة تبين أن طاعة الله لا تنفع مع عقوق الوالدين.

العناصر الأساسية للخطبة

أيها المسلمون، سيكون حديثنا اليوم عن بر الوالدين الذي هو زينة الأعياد، وذلك من خلال ثلاثة عناصر رئيسية:

أولاً: مكانة الوالدين في الإسلام

ثانياً: صور مشرقة من بر الصحابة والتابعين

ثالثاً: فضل البر وعاقبة العقوق

 أولاً: مكانة الوالدين في الإسلام

أيها الإخوة، إن مكانة الوالدين في ديننا عظيمة، حتى إن الله تعالى قرن عبادته بالإحسان إليهما في أكثر من موضع. قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23] .

تأملوا هذه الآية: "وَقَضَى رَبُّكَ" أي أمر أمراً مطلقاً، أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تحسنوا للوالدين. إنه اقتران عظيم يدل على منزلة الوالدين.

وقد بيّن النبي هذا المعنى عندما سأله رجل: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال : "أُمُّكَ" قال: ثم من؟ قال: "أُمُّكَ" قال: ثم من؟ قال: "أُمُّكَ" قال: ثم من؟ قال: "ثُمَّ أبُوكَ" . ثلاث مرات للأم ثم للأب، تقديراً لتعبها وحملها ورضاعها وسهرها.

أيها المؤمنون، إن العيد لا يكتمل فرحه إلا ببر الوالدين، فكما أن الثوب الجديد زينة للجسد، فبر الوالدين زينة للعيد وسبب لنزول الرحمات .

ثانياً: صور مشرقة من بر الصحابة والتابعين

لقد ضرب الصحابة والتابعون أروع الأمثلة في بر الوالدين، لنقف مع بعض هذه الصور المشرقة:

الصورة الأولى: أبو هريرة مع أمه

كان أبو هريرة رضي الله عنه من أبر الناس بأمه. كانت أمه مشركة في البداية، فكان يدعوها إلى الإسلام فتأبى.

وفي يوم من الأيام سبت أم أبي هريرة النبي ، فحزن أبو هريرة حزناً شديداً، لكنه لم ينتقم أو يغضب، بل ذهب إلى النبي باكياً وقال: يا رسول الله، إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي تأبى، وإني سمعتها تسبك، فادع الله أن يهديها.

 فدعا النبي : "اللهم اهد أم أبي هريرة". فرجع أبو هريرة إلى البيت فوجد أمه قد أسلمت، ففرح فرحاً شديداً .

بل كان أبو هريرة رضي الله عنه إذا أراد أن يخرج من بيته وقف على باب أمه وقال: السلام عليك يا أمتاه ورحمة الله وبركاته. فتقول: وعليك السلام يا بني ورحمة الله وبركاته. فيقول: رحمك الله كما ربيتني صغيراً. فتقول: رحمك الله كما بررتني كبيراً .

الصورة الثانية: حارثة بن النعمان

تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: كان رجلان من أصحاب رسول الله أبر من كانا في هذه الأمة بأمهما: عثمان بن عفان، وحارثة بن النعمان. فأما عثمان فإنه قال: ما قدرت أن أتأمل أمي منذ أسلمت. وأما حارثة فإنه كان يَفْلِي رأس أمه، ويطعمها بيده، ولم يستفهمها كلاماً قط تأمر به، حتى يسأل من عندها بعد أن يخرج: ماذا أرادت أمي؟ .

وقد بشره النبي بالجنة، ففي الحديث عن عائشة قالت: قال رسول الله : "دخلت الجنة فسمعت قراءة، قلت: من هذا؟ قالوا: حارثة بن النعمان. فقال رسول الله : كذلك البر، كذلك البر" وكان أبر الناس بأمه .

الصورة الثالثة: ابن عمر مع أبيه بعد وفاته

كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يسير في طريق مكة، فرأى أعرابياً فسلّم عليه، ثم نزل عن حماره وحمَّل الأعرابي عليه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه.

فقال له أصحابه: يرحمك الله، إنهم أعراب وهم يرضون باليسير.

 فقال: إن أبا هذا كان وداً لعمر بن الخطاب، وإني سمعت رسول الله يقول: "إنَّ أبرَّ البرِّ صلة الرجل أهل ودِّ أبيه" .

إنه بر حتى بعد الموت، بصلة أصدقاء الأب.

الصورة الرابعة: هذيل مع أمه

كان هذيل باراً بأمه حفصة بنت سيرين. تقول أمه: كان هذيل يعمد إلى القصب فيقشره ويجففه في الصيف، لئلا يكون له دخان، فإذا جاء الشتاء قعد خلفي وأنا أصلي فيوقد وقوداً رفيقاً، ينالني حره ولا يؤذيني دخانه. وكنت أقول له: يا بني اذهب إلى أهلك، فيقول: يا أماه، أنا أعلم ما يريدون، فربما ظل كذلك حتى الصباح .

الصورة الخامسة: حيوة بن شريح

كان حيوة بن شريح -وهو أحد أئمة المسلمين- يقعد في حلقته يعلم الناس، فتقول له أمه: قم يا حيوة فألق الشعير للدجاج، فيقوم ويترك المجلس . إنه يترك تعليم الناس ليطيع أمه في إطعام الدجاج!

الصورة السادسة: الفضل بن يحيى

يقول المأمون: لم أر أبر من الفضل بن يحيى بأبيه.

 كان أبوه لا يتوضأ إلا بالماء الحار، وكانا في السجن معاً، فمنعهما السجان من إدخال الحطب في ليلة باردة.

فقام الفضل إلى قمقم -إناء صغير- فملأه بالماء وأدناه من المصباح، فلم يزل قائماً وهو في يده حتى أصبح. فلما علم السجان بحيلته منعه من المصباح، فأخذ الفضل الإناء وألصقه بأحشائه حتى أصبح وقد فتر الماء .

 الصورة السابعة: رجل يحمل أمه في الطواف

رأى عبد الله بن عمر رجلاً يمانياً يطوف بالبيت وقد حمل أمه على ظهره وهو يقول:

إني لها بعيرها المُذَلَّلُ 

             إذا الركاب نفرت لا أنفر

ما حملت وأرضعتني أكثر

                        ربي ذو الجلال أكبر

ثم التفت إلى ابن عمر وقال: أتراني قضيت حقها؟ فقال ابن عمر: لا، ولا بطلقة واحدة من طلقاتها، ولكنك أحسنت والله يثيبك على القليل كثيراً .

هذه هي صور البر الحقيقية، وهذه هي زينة الأعياد.

 ثالثاً: فضل البر وعاقبة العقوق

أيها الإخوة، إن لبر الوالدين فضائل عظيمة:

 أولاً: بر الوالدين أحب الأعمال إلى الله: لما سأل ابن مسعود النبي : أي العمل أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها" قال: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين" قال: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" .

 ثانياً: الجنة تحت أقدام الأمهات: جاء رجل إلى النبي يريد الجهاد، فقال له: "أحي والداك؟" قال: نعم. قال: "ففيهما فجاهد" . وفي رواية أخرى: "الزمها فإن الجنة تحت رجليها" .

 ثالثاً: الوالد أوسط أبواب الجنة: قال : "الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه" .

 رابعاً: رضا الله من رضا الوالدين: قال : "رضا الرب في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما" .

 خامساً: بر الوالدين سبب لاستجابة الدعاء: قصة أصحاب الغار الذين انطبقت عليهم الصخرة، فدعا أحدهم بعمله الصالح: "اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً -أي لا أسقي أحداً قبلهما-، فنأى بي طلب الشجر يوماً فلم آت حتى أمسيت فوجدتهما قد ناما، فحلبت كما كنت أحلب، فجئت بالحلاب فقمت عند رءوسهما أكره أن أوقظهما من نومهما، وأكره أن أسقي الصبية قبلهما، فلبثت ذلك حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا فرجة نرى منها السماء، ففرج الله فرجة فرأوا السماء" .

 أما العقوق فهو من أكبر الكبائر:

قال : "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟" ثلاثاً. قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين" وكان متكئاً فجلس فقال: "ألا وقول الزور" .

وقال : "من أكبر الكبائر شتم الرجل والديه" قالوا: وكيف يشتم الرجل والديه؟ قال: "يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه" .

 الخاتمة والدعاء

اللهم اغفر لنا ولوالدينا وارحمهم كما ربونا صغاراً.

اللهم اجعلنا بارين بوالدينا محسنين إليهم.

اللهم من كان من والدينا حياً فمتعه بالصحة والعافية وألبسه ثوب العافية، ومن كان ميتاً فاغفر له وارحمه وأكرم نزله.

اللهم اجعل العيد علينا وعلى والدينا فرحة وسروراً، واجعلنا ممن يبرون والديهم في السراء والضراء.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

وأقم الصلاة.

google-playkhamsatmostaqltradent