recent
أخبار عاجلة

خطبة عيد الفطر يوم العيد يوم الجوائز فكن ربانياً إعداد الشيخ أحمد أبو اسلام إمام وخطيب بوزارة الأوقاف المصرية

 يوم العيد يوم الجوائز فكن ربانياً



الحمد لله الواحد الديان الذي هدانا للإيمان، وأتم علينا شهر رمضان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي شرع لعباده من الأعياد ما تجلو بها الأحزان، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خير من تقرب إلى ربه بصدق وإخلاص وإتقان -صلى الله عليه وسلم- ما سبحت الخلائق لربها المنان وعلى آله وصحابته أئمة الهدى والإحسان وعلى التابعين لهم إلى يوم تشيب فيه الولدان، أما بعد:

أيها المسلمون: أوصيكم ونفسي المقصّرة بتقوى الله؛ فهي وصية الله للأولين والآخرين، قال -تعالى-: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ)[النساء:131].

أيها المؤمنون: إنكم اليوم في يوم من أيام الله العظيمة، عيد الفطر المبارك، يوم الفرح بإتمام الصيام والقيام، والسرور بفضل الله ورحمته، قال -تعالى-: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)[يونس:58].

وقال -صلى الله عليه وسلم-: "للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه"(رواه البخاري ومسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "قد أبدلكم الله بهما خيرًا منهما: يوم الفطر ويوم النحر"(رواه أبو داود).

عباد الله: اتقوا الله حق التقوى، واعرفوا نعمته عليكم بهذا العيد السعيد؛ فإنه اليوم الذي توج الله به شهر الصيام، وافتتح به أشهر الحج إلى بيته الحرام، وأجزل فيه للصائمين والقائمين جوائز البر والإكرام، عيد تمتلئ القلوب فيه فرحة وسروراً، وتزدان الأرض به بهجة وحبوراً، يومكم هذا يوم عظيم وعيد كريم، أحل الله لكم فطره، وحرم عليكم صيامه، يوم كله بر وإحسان، وفيه يحمد المسلمون ربهم على نعمة الإسلام، ويكبرونه جل وعلا على ما أولاهم من الفضل والإنعام، وهو يوم الجوائز، يوم يرجع فيه أقوام من المصلى بمغفرة ربهم ورحمته ورضوانه.

في الحديث: (إذا كان يوم الفطر هبطت الملائكة إلى الأرض في كل البلاد، فيقومون على أفواه السكك، ينادون بصوت يسمعه جميع خلق الله إلا الجن والإنس، يقولون: يا أمة محمد! اخرجوا إلى رب كريم، يعطي الجزيل، ويغفر الذنب العظيم، فإذا برزوا إلى مصلاهم يقول الله لملائكته: يا ملائكتي! ما جزاء الأجير إذا عمل عمله؟ فيقولون: إلهنا أن توفيه أجره. فيقول: أشهدكم أني جعلت ثوابهم من صيامهم وقيامهم، رضاي ومغفرتي، انصرفوا مغفوراً لكم) رواه البيهقي، فيا فوز العاملين! ويا خيبة المفرطين المحرومين!

أيها المسلمون: وإن من أعظم ما ينبغي على المسلم بعد انقضاء شهر رمضان؛ أن يحسن ظنه بربه ومولاه بأنه سيتقبل ما يسر من الأعمال الصالحة، ويقبل التوبة من عباده، ويغفر ما كان من الخطايا؛ فالله عند ظن عبده به؛ جاء في الحديث القدسي أن الله -تعالى- قال: "أنا عند ظن عبدي بي"(رواه البخاري ومسلم).

وإني لأرجو الله حتى كأنني *** أرى بجميل الظن ما الله صانع

وقال آخر:

وإني لآتي الذنب أعرف قدره *** وأعلم أن الله يعفو ويغــفرُ

لئن عظَّم الناس الذنوب فإنها *** وإن عظمت في رحمة الله تصغُرُ

كذلك على المسلم بعد رحيل رمضان: أن يدعو ربه بأن يتقبل منه ما قدم من إحسان في شهر رمضان؛ فقد كان السلف يطلبون ربهم القبول؛ كما قال معلى بن الفضل عن حالهم بعد رمضان: "كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ويدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم".

عباد الله: ينبغي ألا يكون رمضان موسماً مؤقتاً للطاعة؛ بل إن العاقل يجعله محطة للانطلاقة والمداومة على طاعة الرحيم الرحمن، واسمعوا إلى توجيه الملك الجليل إلى نبيه الكريم؛ حيث قال: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)[الحجر:99]؛ كما أن النبي الأمين أخبر بأن أحب العمل إلى الحق المبين -جل في عليائه- هو الذي داوم عليه صاحبه ولو كان قليلا؛ يقول -صلى الله عليه وسلم-: "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل"(رواه البخاري ومسلم).

فداوموا على الفرائض، وتزودوا من النوافل، وأحيوا قيام الليل، وأكثروا من الصدقات والذكر والدعاء والصيام في سائر الأيام والشهور حتى تحظون بالثواب والأجور، ومغفرة الخطايا والشرور، وتسعدون يوم النشور.

كن عبداً ربانياً ولا تكن عبداً رمضانياً

فمن كان يعبد الله في رمضان لأجل رمضان فإن رمضان قد انتهى وفات، ومن كان يعبد الله في رمضان لأجل الله فإن الله حي لا يمـوت، ولا تنقطع عبادته عن العبد إلا أن يموت.

فالله عز وجل ما خلقنا إلا لعبادته، حيث قال [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ] (الذاريات 56).

فيا من تعبدت لله في رمضان بالكثير من الطاعات والعبادات، كن عبداً ربانياً لا ينقطع عن طاعة الله، ولو انقطعت مواسم الطاعات، كن عبداً ربانياً متصلاً بربك في رمضان وفي غير رمضان، ولا تقطعه الصلة التي وصلتها بربك في رمضان فيما بعد رمضان. وقد صدق من قال: ما كان لله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل.

كن عبداً ربانياً ولا تكن عبداً رمضانياً مع الصلاة: فإن الصلاة عبادة دائمة لا تنقطع ما دام قلبك ينبض وعقلك يميز، ولو تعطلت جميع جوارحك، فيا من لا تصلي إما أنك ميت وإما أنك مجنون. نعم أنت كذلك، لأن الله أمر بالصلاة وبالحفاظ عليها دائماً ليس في رمضان فقط، فقال [حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ] (البقرة 238).

وشدد النكير وغلظ العقوبة لمن ضيع صلاة واحدة من الصلوات، فقال [فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا] (مريم 59).

والغي كما قال المفسرون: نهر عظيم في جهنم بعيد قعره خبيث طعمه. فيكون مسكناً لمن فرط في صلاة واحدة.

كن عبداً ربانياً ولا تكن عبداً رمضانياً مع القرآن: فمن الناس من يقرأ القرآن كثيراً في رمضان فإذا انتهى رمضان انقطعت صلته بالقرآن، فالذي يهجر القرآن إنما قطع الصلة التي بينه وبين ربه، لأن القرآن حبل الله المتين طرفه بأيدينا وطرفه الأخر بيد الله، وهو كلام الله تعالى، وهو مراد الله في خلقه.

وقد أمر الله بقراءة القرآن قراءة مستمرة ولو بالقليل منه فقال [فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ] (المزمل 20). ولم يخص ذلك برمضان.

ورتب النبي صلى الله عليه وسلم الأجر والشفاعة على تلاوته المستمرة، فقال [اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ] (مسلم 804). والصحبة تدل على الملازمة.

كُن ربانياً ولا تكن رمضانياً، فالصَوم لا ينتهي، والقرآن لا يُهجَر، وقيام الليل لا يُترَك  والعبادات لا تنتهي ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾.

كن عبداً ربانياً ولا تكن عبداً رمضانياً مع الصدقات: فالغالب من الناس لا يعرفون باب الصدقات إلا في رمضان، والكثير من أصحاب الأموال يكدسون زكاة أموالهم ويخرجونها في رمضان حتى إذا انتهى رمضان لم يجد الفقير من يمد له يد العون فالكل أخرج زكاة ماله في رمضان والكل تصدق بما يحب في رمضان، ويظل الفقير في حاجته طوال العام، وكأنه لم يكن هناك صدقة إلا في رمضان.

والنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول [مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ، إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا] (البخاري 1442).

وهذا في كل يوم من أيام السنة وليس في رمضان وحده.

*كن ربانيًّا ولا تكن رمضانيًّا*

" لـمـا قيل لبعض السلف: إن قومًا يتعبدون في رمضان، ولا يتعبدون في غيره، فقال: بئس القوم قوم لا يعرفون لله حقًّا إلا في رمضان، كن ربانيًّا ولا تكن رمضانيًّا. ولما قال أناس من الصحابة: إنا إذا أدينا الفرائض لم نبال ألا نزداد. فقال لهم بعض من سمعهم من الصحابة: ويحكم. والله لا يسائلكم الله إلا عما افترض عليكم، وما أنتم إلا من نبيكم، وما نبيكم إلا منكم، والله لقد قام رسول الله حتى تفطرت قدماه، وإنكم تخطئون بالليل والنهار، وإن النوافل يكمل بها خلل الفرائض.

فهدا محض الفقه. فإن الإنسان لا بد أن يحصل منه شيء من النقص أو التقصير في الفرائض، فتكون النوافل بمثابة الترقيع لخلل الفرائض. كما أن الغيبة تخرق الصيام والاستغفار يرفعه. "

كن عبداً ربانياً ولا تكن عبداً رمضانياً مع بر الوالدين وصلة الأرحام.

كن عبداً ربانياً ولا تكن عبداً رمضانياً مع الإحسان للجيران والإحسان مع الناس، وحسن الأخلاق والوفاء بالعهود وإخلاص الصحبة.

كن عبداً ربانياً ولا تكن عبداً رمضانياً.

أيها المؤمنون: وإن من تمام شكر النعمة بعد رحيل رمضان: حفظ ما جمع العبد من الحسنات وترك المعاصي والسيئات، وألا يكون حاله كحال التي وصفها رب البريات؛ حيث قال: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا)[النحل:92].

عباد الله: احذروا من انقلاب الحال بعد رمضان، وفروا من مبارز الديان بالذنوب والأدران، وتزودوا ليوم تشيب فيه الولدان.

تزود من التقوى فإنك لا تدري *** إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر

فكم من صحيح مات من غير علة *** وكم من سقيم عاش حينًا من الدهر

الخطبة الثانية:

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

أيها المسلمون: العيد فرح مشروع وسرور مباح، وقد راعى الشرع الحكيم طبيعية الفطرة البشرية المكونة من الروح والعقل والجسد، وجاء الإسلام بما يلبي احتياجات النفس البشرية؛ فعن عائشة -رضي الله عنهما- قالت: "دخل علي أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم: بعاث، قالت: وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر: أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ وذلك في يوم عيد"؛ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا".

يقول الغزالي -رحمه الله-: "فإن النفس ملول، وهي عن الحق نفور؛ لأنه على خلاف طبعها؛ فلو كلفت المداومة بالإكراه على ما يخالفها جمحت وثابت، وإذا روّحت باللذات في بعض الأوقات قويت ونشطت".

ولما انقضى شهـر الصيـام بفضله *** تجلَّى هـلالُ العيـدِ من جانبِ الغربِ

كحاجـبِ شيخٍ شابَ من طُولِ عُمْرِه *** يشيرُ لنا بالرمـز للأكْـلِ والشُّـرْبِ

وإن مما ينبغي على المسلم في هذه المناسبة العظيمة والفرحة الكبيرة: أن يتفقد أرحامه وأن يقوم بزيارتهم والتواصل بهم ومشاركتهم أفراح العيد؛ فقد بشر النبي -صلى الله عليه وسلم- من يصل رحمه بقوله: "من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه"(رواه البخاري ومسلم).

فصلوا أرحامكم، وتواصلوا مع أهاليكم، وابتهجوا مع أطفالكم، ووسعوا على الفقراء والمساكين.

طاف البشير بنا إذ أقبل العيد *** البشر مرتقب والبذل محمود

يا عيد كل فقير هز راحته *** شوقًا وكل غني هزه الجود

أيها المسلمون: احذروا أن يقابل شكر النعمة المعصية والإسراف، ولا يكون العيد سببًا للتبذير، أو الغناء المحرم، أو إيذاء الخلق.

معاشر المؤمنات: اتقين الله، واحفظن الحياء والعفاف، والتزمّن الحجاب والستر، وكنّ قدوة في الطاعة؛ كما كن أمهات المؤمنين وزوجات النبي الأمين، ونساء الصحابة والتابعين، والصالحات العفيفات في كل وقت وحين؛ ففي ذلك سعادتكن دنيا ودين، وفوز يوم لقاء رب العالمين.

عباد الله: تذكروا إخوانكم المستضعفين في كل مكان؛ وأكثر لهم من الدعاء بالنصر والتمكين والفرج القريب.

للعيد في الإسلام أحكام وآداب ينبغي للمسلم أن يراعيها، وهي تمثل ملامح هذه الفرحة المنضبطة بالشرع:

مخالفة الطريق:

 من السنن العظيمة أن يذهب المسلم إلى صلاة العيد من طريق، ويعود من طريق آخر، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «كَانَ النَّبِيُّ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ» [صحيح البخاري، ٩٨٦].

 التهنئة:

 كان الصحابة رضي الله عنهم إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: "تقبل الله منا ومنك": "عن جبير بن نفير، أن أصحاب النبي كانوا إذا التقوا يوم العيد، يقول بعضهم لبعض: تقبل الله منّا ومنك" [إرشاد الساري: ٢/٦٤٢]، ولا مانع من التهنئة بأي لفظ مباح يُدخل السرور على القلوب.

ختاما: اشكروا الله على نعمه العظيمة وآلائه الكبيرة؛ بدءا من نعمة الهداية والإيمان، والأمن في الأوطان، ونعمة العافية في الأبدان؛ (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا)[إبراهيم:34].

اللهم تقبل منا صيامنا وقيامنا، واغفر لنا زللنا وآثامنا، وثبتنا على طاعتك، وارزقنا السبق إلى مرضاتك، وأعز الإسلام وانصر المسلمين، وانصر عبادك المستضعفين في كل مكان.

وصلوا وسلموا على نبيكم؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

google-playkhamsatmostaqltradent