recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة التحرش الإلكتروني محمد إبراهيم سالم

                           التحرش الإلكتروني 

 


​إن الحمد لله، نحمده حمد الشاكرين، ونستغفره استغفار المنيبين. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، "يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ". وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي بعثه ربه ليتمم مكارم الأخلاق، فكان المثل الأعلى في الحياء، والقدوة العظمى في صيانة الحرمات. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين فتحوا القلوب قبل البلاد، وطهروا الضمائر قبل الأجساد.

​أما بعد،

  ​يا عباد الله،

تعالوا بنا نرجع بالزمن إلى الوراء، لنرى كيف كان الرجل ينظر للمرأة.

لم تكن الشاشات قد وُجدت، لكن المروءة كانت هي الشاشة التي يرى من خلالها العالم.

​انظروا إلى عثمان بن عفان  رضي الله عنه الذي استحق أن تستحي منه الملائكة، ليس لصلاته وصيامه فحسب،

 بل لعظم حيائه.

وانظروا إلى عنترة بن شداد وهو في الجاهلية قبل الإسلام- كيف يقول:

 ​وأغض طرفي ما بدت لي جارتي .. حتى يواري جارتي مأواها

​هذا في الجاهلية!

 فكيف بمن يزعم الإسلام ثم يقتحم جدران النساء عبر النوافذ الرقمية؟

كان الواحد من السلف إذا رأى امرأة في الطريق، غض بصره حتى تظن أنه أعمى!

لم يكن يلاحقها بنظرة، فكيف بكلمة؟ فكيف بمن يلاحق امرأة من صفحة إلى صفحة، ومن تغريدة إلى صورة، يكتب لها كلماتٍ لا يجرؤ أن يقولها لأمه أو أخته؟

​أما اليوم، فقد استبدلنا المروءة بـالتعليقات،

واستبدلنا الحياء بـالرسائل الخاصة".

  انظروا إلى واقعنا:

فتاة تنشر نصيحة أو خاطرة، فتجد شياطين الإنس يتكالبون عليها في التعليقات، ليس لمناقشة فكرها، بل للتغزل في صورتها أو التحرش بكلماتها.

​مشهد واقعي:

 شابٌ يمتلك هاتفاً وسرعة إنترنت، يظن نفسه ملكاً في غرفته المظلمة، يرسل صوراً خادشة للحياء لفتيات لا يعرفهن، أو يهدد هذه ويبتز تلك بصورة حصل عليها غدراً.  أين مروءة العرب؟

  أين إيمان المسلمين؟

إن هذا المتحرش الإلكتروني هو جبانٌ رعديد، اختبأ خلف شاشةٍ وزجاج،

ولو كان رجلاً حقاً لمارس رجولته في حماية الأعراض لا في نهشها.

​إن التحرش الإلكتروني هو زنى الأعين وزنى الأنامل.

النبي يقول: "كُتِبَ على ابنِ آدمَ حظُّه من الزِّنا مُدرِكٌ ذلك لا محالةَ، فالعينانِ زِناهما النَّظرُ، والأذنانِ زِناهما الاستماعُ، واللِّسانُ زِناه الكلامُ، واليدُ زِناها البطشُ...".

واليوم، اليد تزني بـ "الكتابة" خلف الشاشات.

 كم من بيتٍ خُرب بسبب "رسالة تحرش"؟

اسمعوا.... فتاة في مقتبل العمر، تعرضت لتحرش إلكتروني وابتزاز، ضاق بها الحال، خافت من الفضيحة، فانطوت على نفسها حتى أصابها المرض النفسي، وربما فكرت فيما هو أسوأ ، حتى وصل الأمر إلى الإنتحار ..

كل ذلك بسبب نزوة عابرٍ سبيل في عالم الإنترنت، لا يدرك أن ما فعله هو قذيفة في عرض مؤمنة.

​والله عز وجل يقول:"وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا".

هذا الإيذاء ليس بالضرب فقط، بل بالكلمة الجارحة، وبالإشارة الفاحشة، وبالرسالة المزعجة.

  ​أيها الإخوة الأحباب:

إن هذا الجهاز الذي في جيوبنا (الهاتف) هو إما "طريقك إلى الجنة" بكلمة طيبة ودعوة صادقة، أو "هوة إلى النار" بتحرشٍ أو انتهاك حرمة.

  ​رسالتي لكل شاب:

قبل أن تضغط "إرسال" لتعليق أو رسالة تخدش حياء امرأة، تذكر مشهداً واحداً:

 هل تقبل أن يقرأ والدك هذه الرسالة؟

 هل تقبل أن يراها ابنك مستقبلاً؟

إن كنت تخشى البشر، فالله أحق أن تخشاه.

 تذكر أن "خادم الإنترنت" قد ينسى، لكن "الملكين" لا ينسيان.  (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ).

  ​رسالتي للمجتمع:

لا تجعلوا المتحرش يفلت بفعلته.

التحرش الإلكتروني "جريمة" شرعية وقانونية.

علِّموا بناتكم أن القوة في فضح المتحرش لا في الخوف منه.

وعلموا أبناءكم أن "الرجولة" هي أن تكون "حارساً" للأعراض لا "لصاً" يتربص بها خلف الشاشات.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه...

 ​الخطبة الثانية

 "حصوننا المهددة..

الألعاب الإلكترونية ومخاطر الاختراق القيمي"

 

​الحمد لله وكفى، وصلاةً وسلاماً على عباده الذين اصطفى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى.

​أما بعد، فيا عباد الله:

  تحدثنا في الخطبة الأولى عن "التحرش الإلكتروني" ونهش الأعراض خلف الشاشات،

ولكنَّ هناك خطراً لا يقلُّ ضراوة، يزحف إلى بيوتنا عبر بوابات "اللعب والترفيه".

 إنها الألعاب الإلكترونية الضارة التي باتت تستنزف عقول أطفالنا، وتخترق حصون أخلاقهم وهم بين أيدينا.

  ​أيها الآباء، أيتها الأمهات:

إن الطفل الذي يقضي الساعات أمام لعبةٍ تعلمه "القتل" لتسجيل النقاط،

أو "السرقة" للفوز بالمرحلة،

أو "العري" لتطوير الشخصية؛

هو طفلٌ يُهدم ميزان الحلال والحرام في قلبه قبل أن يشتد عوده.

​ مخاطر الألعاب الإلكترونية على أطفالنا:

 تطبيع الجريمة: ألعابٌ تمجد القاتل، وتجعل من الدماء "متعة"، مما يولد جيلاً يتسم بالعنف والقسوة، وينزع من قلبه الرحمة والرفق.

 هدم العقيدة والحياء: ظهور رموز كفرية، أو مشاهد تخدش الحياء في غلاف كرتوني جذاب، يُقصد منه كسر حاجز "الغيرة" و"العفة" لدى الطفل منذ الصغر.

 غرف الدردشة (المصيدة): أخطر ما في هذه الألعاب هي "غرف المحادثة" الجماعية، حيث يندسّ فيها المفسدون والمتحرشون، ليصطادوا براءة الأطفال بكلمات معسولة، ثم يجرونهم إلى مستنقع الابتزاز أو الانحراف الأخلاقي.

 العزلة والاضطراب: قضاء ساعات طوال أمام الشاشة يسبب "التوحد الرقمي"، واضطراب النوم، وضعف البصر، وفوق ذلك كله: تضييع الصلاة وذكر الله.

  ​عباد الله:

يقول النبي : "كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ". فهل أدينا الأمانة؟

إن إعطاء الطفل هاتفاً متصلاً بالإنترنت دون رقابة، هو كإعطائه "قنبلة موقوتة" قد تنفجر في أخلاقه وسلوكه في أي لحظة.

​كيف نحمي أطفالنا؟

 المشاركة والرقابة:

لا تترك طفلك في غرفته المغلقة لساعات، بل شاركه المعرفة بما يلعب، واجعل اللعب في "مكان عام" بالمنزل تحت نظرك.

 البدائل النافعة:

ابحثوا عن الألعاب التي تنمي الذكاء، وترسخ القيم، وتشجع على الإبداع، وما أكثرها لو بحثنا.

 تحديد الوقت:

الجلوس الطويل أمام الشاشات مفسدة للبدن والعقل؛

 فاجعل للعب وقتاً، وللقراءة وقتاً، وللرياضة وقتاً.

 بناء جسور الثقة: علّم طفلك أن يصارحك فوراً إذا تعرض لمضايقة أو رأى مشهداً غير لائق، وكن له "صديقاً" قبل أن تكون "رقيباً".

 

​اللهم احفظ أعراضنا، وصن محارمنا، واحمِ أبناءنا وبناتنا من فتن الشاشات وشرور النزوات.

اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، واجعل بيوتنا بيوت إيمان وطمأنينة وسكينة.

​اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.

​عباد الله:

إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.

أقم الصلاة.

 

google-playkhamsatmostaqltradent