وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا
الحمد لله والصلاة والسلام علي رسول
الله،وبعد.فياعبادالله."وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن
بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا"(النحل/92).
عباد الله:"هل انقضى موسم الخيرات؟
كلا نعوذ بالله
من الحور بعد الكور، والنقصان بعد الزيادة، ورب الشهور واحد فرب رمضان هو رب شوال
هو رب الشهور كلها وهو الذي قال
لنا:"وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ
أَنكَاثًا"(النحل/92).فهل رأيتم؟ لو أن امرأة تغزل فلما تكامل الغزل وصارت
تلك القطعة من الصوف الجميلة، فإذا بها تنسل خيطانها، وتكر ذلك الخيط لتفسد كل ما
نسجته، وتعيده كما كان خيطاناً متفرقة،بعد القوة صارت متفرقة.
أيها المؤمنون:"لقد مربنا بالأمس شهر رمضان كطيف خيال،مرّ بخيراته وبركاته،إن
أودعت فيه خيراً فخير،وإن كان شراً فشر.. وإن من اتساع أبواب الخير أن يواظب
المسلم علي الطاعة حتي يتقبل الله منه:"إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ
الْمُتَّقِينَ"(المائدة/27).
إذ إن مصيبة المصائب أن تصوم ثم يرد عليك صيامك، وأن
تصلي فلا تقبل صلاتك،وهذه والله مصيبة المصائب ، قال علي رضي الله عنه قال:"كونوا لقبول العمل أشد
اهتماماً منكم بالعمل،ألم تسمعوا الله عز وجل يقول:"إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ
اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ"(المائدة/ 27).
وعن عائشة قالت:"سألتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ
علَيهِ وسلَّمَ عن هذِهِ الآيةِ"وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا
وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ"قالت عائشةُ:"أَهُمُ الَّذينَ يشربونَ الخمرَ
ويسرِقونَ قالَ لا يا بنتَ الصِّدِّيقِ،ولَكِنَّهمُ الَّذينَ يصومونَ ويصلُّونَ
ويتصدَّقونَ،وَهُم يخافونَ أن لا تُقبَلَ منهُم أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي
الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ "(الترمذي).
وكان بعض السلف يظْهَرُ عليه الحزن يوم عيد الفطر فيقال
له:"إنه يوم فرح وسرور فيقول : صدقتم ،ولكني عبد أمرني مولاي أن أعمل له
عملاً فلا أدري أيقبله مني أم لا؟
وقالت عائشة -رضي الله عنها-: "كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول:"أَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ أدْومُها و إن قَلَّ"(البخاري ومسلم).، وتقول" كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا عمِل عمَلًا أثبَته"(ابن حبان).،
هذه المداومة على الأعمال الصالحة يستمر بها العبد على الطاعة فلا ينقطع، ولا يكون كالشهاب العابر بالليل يضيء ثم ينطفئ،لما وصف المؤمنين بأنهم:"كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ"(الذاريات).
إن ذلك الوصف ملازماً لهم طيلة السنة،ليس في شهردون شهر.
عباد الله:"إن من أعظم علامات قبول العمل في
رمضان،التوبة النصوح من جميع الذنوب الماضية والعزيمة الصادقة على الاستقامة على
الطاعة في الأيام القادمة ، فما أحسن الحسنة بعد السيئة تمحها،وأحسن منها الحسنة
بعد الحسنة تتلوها.
ويامن ربحت وسعدت وفزت داوم علي طاعتك لله ولاتنقطع عنها
فقد كنت تقوم الليل فلاتنقطع عن القيام فقد ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ نَامَ لَيْلَةً حَتَّى أَصْبَحَ قَالَ ذَاكَ
رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيْهِ أَوْ قَالَ فِي أُذُنِهِ "( مسلم)
وفي رواية حَدَّثَنِي عَبْداللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ
الْعَاصِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ:"يَا عَبْداللَّهِ لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ كَانَ يَقُومُ
اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ"( البخاري).
وعَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ سَأَلْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ
عَائِشَةَ قَالَ قُلْتُ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ كَانَ عَمَلُ رَسُولِ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ
الْأَيَّامِ قَالَتْ لَا كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَطِيعُ"( مسلم)
عباد الله .. إن للمعاصي آثار بليغة في قسوة القلوب ،
وحرمانه من مادة حياته .. وحرمانه من الخيرات والرزق وقد جاء في حديث ثوبان ـ رضي
الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا يردالقدرإلا الدعاء،ولا يزيد
في العمر إلا البر،وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه"(أحمد وابن ماجه).
فإن كنت قد سودت قلبك،ولطخت صفحاتِ حياتك بأدران المعاصي
.. فها هو رمضان ، موسمٌ عظيم ، منحك صفحة بيضاء ، غسلت بها قلبك ، وجددت فيها
حياتك ،واصطلحت فيها مع ربك . فإياك بعد رمضان أن تعود للمعاصي والذنوب والآثام
فإن للذنوب ظلمة في القلوب أشد من ظلمة القبور للعصاة ..
عبدالله..عهدناك مصلياً تواظب علي الصلاة في وقتها فإياك
بعد رمضان أن تنقطع صلتك بالصلاة فرب رمضان هو رب شوال هو رب الشهور كلها
.. والصلاة عماد
الدين من أقامها فقد أقام الدين ومن تركها فقد هدم الدين ألا وهي أعظم أركان
الإسلام الخمس من حافظ عليها فهو السعيد الرابح ومن أضاعها فذلك الخاسر الشقي ..
وهي أول ما يحاسب عليه العبديوم القيامة فإن وجدت تامة قبلت منه وسائر عمله وإن
وجدت ناقصة ردت عليه وسائر عمله "
عبدالله:"عهدناك في رمضان تتلوا كتاب الله محافظاً علي وردك اليومي من الأذكار عملاً بقول رسول الله صلي الله عليه وسلم:"القرآن والصيام يشفعان للعبد يوم القيامة ..“. أبعد ما تاجرت مع الله عز وجل وربحت مليارات الحسنات بتلاوة كتابه:" إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ"(فاطر/29-30).
هل ينقطع صلتك بكتاب الله وتهجر القرآن وتكون ممن يعاتبهم الرسول صلي الله عليه وسلم وتقع تحت شكوى النبي صلى الله عليه وسلم :”وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا"( الفرقان/30 ).
و يختم لمن هجر القرآن
بسوء الخاتمة فهل تريد أن تكون مع هؤلاء ؟.. وتحشر معهم يوم القيامة؟وتعيش
معيشةضنكاً،ثم الخاتمة السيئة؟:"وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ
مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ
كُنتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ
الْيَوْمَ تُنسَى”(طه/124-126).
يامَنْ هجرت القرآن..تب إلى الله.والحق قافلة العائدين
إليه..
ذكر أحد الشيوخ قصة رجل كان لا يصلي، ومدمناً للغناء
وذكره جار له مراراً فلم يتذكر فلما نام على فراش الموت صعد إليه هذا الجار،ولا
زال الغناء يسمع في البيت فقال لأهله:"اتقوا الله أبوكم يحتضر والغناء لا
ينقطع ! ضعوا شريطاً للقرآن قال هذا الجار: فلما أخرجت شريط الغناء من
الكاسيت،ووضعت شريطاً للقرآن.. كشف الرجل الغطاء عن وجهه ونظر إليَّ، وقال:دع
الغناء، فإنه ينعش قلبي ومات عليها.
قال الحسن البصري إن العبـد لا يـزال بـخيرمـا كـان لـه
واعظ من نفسه،وكانت المحاسبةمن همته..
أخي المسلم :
ماذا أعددنا للمعاصي بعد رمضان ؟
عهدناك تحسن للمساكين والأرامل واليتامى والجيران فهل بعدرمضان سينقطع إحسانك وصلتك لرحمك؟ :"الإحسانُ أن تعبدَ اللهَ كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يَراك"(صحيح).
عباد الله:"ومن يعمل سوءأويظلم نفسه
ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً"
الخطبة الثانية:"
الحمد لله والصلاة والسلام علي رسول الله.أما بعد فياعباد الله..
لازلنا نواصل الحديث ماذا أعددنا للمعاصي بعد رمضان؟هل أعددنا نية وعزماً صادقاً بين يديه؟ هل بحثنا عن قلوبنا ، لنعرف عزمها وصدقها؟هل بعدما واظبناعلي الصيام في شهر الخيرات وشعرنا بحلاوة الطاعة ولذة العبادة أن تنقطع صلتنا بالصيام إلي أن يأتي رمضان المقبل ؟ والرسول صلي الله عليه وسلم يقول:"من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله "(البخاري ومسلم ).
وصوم هذه الست لها فضائل عظيمة منها أنها صيام السنة
كلها بمعني أن صيام رمضان شهر ثلاثين يوماً واليوم بعشرة لأن الحسنة بعشر أمثالها
فيكون رمضان ثلاثمائة يوماً وست شوال بستين يوماً فيكون المجموع ثلاثمائة وستين
يوماً أي العام كله..
فيا مقصراً في أداء الصلاة ونويت هجرانها بعد رمضان ما أجمل التوبة بعد رمضان.ويا أيها العاق لوالديه ما أجمل التوبة بعد رمضان.ويا قاطع الرحم ما أجمل التوبة بعد رمضان...ويامن تعشق الغيبة والحديث في أعراض الناس وأسرارهم ما أجمل التوبة بعد رمضان.ويا آكل الربا ما أجمل التوبة وأكل الحلال بعد رمضان.ويا مدمناً للمخدرات وللمنكرات ما أجمل التوبة بعد رمضان..
اللهماجعلنا من
الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه..