recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة ويسألونك عن اليتامي قل إصلاح لهم خير الشيخ عبدالناصربليح

 وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ



كيف تكون رعاية اليتيم وكفالته؟

 من هو اليتيم؟

الْيَتِيمُ مَشْرُوعُ حَسَنَاتٍ، وَبَابُ خَيْرَاتٍ

 أيتام في ميزان التاريخ 

الْحَمْدُ للهِ رب العالمينوأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ والتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

 فيقول الله تعالي:" وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ"(البقرة:220).

كيف تكون رعاية اليتيم وكفالته؟

عباد الله:" إذا كان التعرُّض لمال اليتيم بسوء كبيرةً من كبائر الذُّنوب، فالتعرُّض له بالأذى من ضرْبٍ وشتم ونَحوه أشدُّ حرمة، فيحْرُم إذلال اليتيم والتَّسلُّط عليْه، والتَّعرُّض له بشيء يسوءه بغير حق:"فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ"(الضحى:9)، والنهي عن قهْرِه أمر بالإحسان إليه وإدْخال السُّرور عليه.

لكنَّ اليتيمَ يَحتاج إلى تربية وتأديب، وعلى كافله أن يحرِص على توجيهه ونفعِه من غير عقاب حسِّي أو معنوي، لكن لو رأى كافلُ اليتيم أنَّ من المصْلحة معاقبة اليتيم معاقبةً بدنيَّة ليكفَّ عن سلوك غير مرْضي، أو ليدرِّبه على طاعة، فيجوز في حدود الأدَب من غير ضررٍ؛ لعموم قولِه -تعالى-: "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ"(البقرة:220).

عِبَادَ اللَّهِ: كَفَالَةُ الْيَتِيمِ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى تَوْفِيرِ الْأَكْلِ وَالْمَشْرَب وَالْمَلْبَسِ فَقَط، بَلْ يَتَّسِعُ مَعَنَاهَا لِيَشْمَلَ احْتِضَانَهُ وَتَعْلِيمَهُ وَالْاِهْتِمَامَ بِصِحَّتِهِ وَإِعْدَادَهِ نَفْسِيًّا وَإِيمَانِيًّا وَتَرْبَوِيًّا لِمُوَاجَهَةِ الْمُسْتَقْبَلِ، وَالْأَخْذَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْفَضِيلَةِ، وَتَقْوِيَةَ رُوحِهِ وَعَقْلِهِ، وَزَرْعَ الْأَمَلِ فِي نَفْسِهِ، ومُعَامَلَتَهُ بِصِدْقٍ وَإِخْلاَصٍ، وَالْحِرْصَ عَلَى مُسْتَقْبَلِهِ وَسُلُوكِهِ تَمَامًا كَمَا يَكُونُ حِرْصُ الْأَبِ عَلَى مُسْتَقْبَلِ أَبْنَائِهِ وَسُلُوكِهِمْ.

، فيصنع معه ما هو صانع مع ولدِه، وكذلك المعلِّم له ضرْب اليتيم للمصلحة، وقد أمر النَّبيُّ -صلَّى الله عليْه وسلَّم- بتأديب الصِّغار بالضَّرب على ترْك الصَّلاة، فيدخل فيهم اليتيم،  

رِعَايَةُ الْيَتِيمِ تَكُونُ بِدِلَالَتِهِ إِلَى الْخَيْرِ وَالْفَضِيلَةِ وَمَعَالِي الْأُمُورِ.

تَكُونُ بِحَفْزِهِ لِلصَّلاَةِ، وَبِحَثِّهِ عَلَى تَعَلُّمِ الْقُرْآنِ وَحِفْظِهِ فِي حِلَقِ الذِّكْرِ.

رِعَايَةُ الْيَتِيمِ تَكُونُ بِحَفْزِهِ لِلْاِهْتِمَامِ بِدِرَاسَتِهِ وَمُسْتَقْبَلِهِ الدِّرَاسِيِّ.

أَمَّا أكْبَرُ دَعْمٍ يُقَدَّمُ لِلْيَتِيمِ فَهُوَ وَضْعُهُ عَلَى طَرِيقِ الصُحْبَةِ الصَّالِحَةِ الَّتِي تُعِينُهُ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ.

من هو اليتيم؟

فاليتيم في الشَّرع: هو مَن مات أبوه وهو دون البلوغ، وبعد البلوغ لا يسمَّى يتيمًا؛ لقول رسول الله -صلَّى الله عليْه وسلَّم-: "لا يُتْمَ بعد احتِلام، ولا يُتْم على جارية إذا هي حاضت"(رواه الطبراني، وقال الهيثمي: رجاله ثقات).

فلفظ اليتيم الوارد في الكتاب والسنَّة يُراد به مَن مات أبوه وهو لَم يبلُغ -من الذُّكور والإناث- الحُلُم.

ففقْد الأبِ أعْظَمُ من فقْد الأمِّ؛ فالأب هو الولِي على أوْلادِه؛ فعليْه واجب التَّربية، وحِفْظهم ودفْع الأذى عنْهم، وتَجب عليه نفقتُهم ومسكنهم وكسوتُهم، وغير ذلك من الحقوق التي تَجب للأولاد على أبيهم، بخلاف الأمِّ؛ فالحاجة إليْها حاجة حنان ودِفْء عاطفي، والحاجة إليْها قبل أن يستقلَّ الصَّغير بنفسِه أكثر حتَّى يبدأ في الاعتِماد على نفسه.

يمشي اليتيم وكل شيء ضده 

                             والناس تغلق دونه أبوابها

وتراه ممقوتا وليس بمذنب 

                               ويرى العداوة لا يرى أسبابها

حتى الكلاب إذا رأته مقبلاً  

                                نبحت عليه وكشرت أنيابها

وإذا رأت يوماً غنياً ماشياً  

                                حنت إليه وحركت أذنابها

إن الغني وان تكلم بالخطأ  

                                قالوا أصبت وصدقوا ما قالا

وإذا اليتيم أصاب قالوا كلهم  

                               أخطأت يا هذا وقلت ضلالا

إن الدراهم في المجالس كلها  

                                 تكسو الرجال مهابة وجلالاً

فهي اللسان لمن أراد فصاحةً

                               وهي الس. لاح لمن أراد قتا_لاً


الْيَتِيمُ مَشْرُوعُ حَسَنَاتٍ، وَبَابُ خَيْرَاتٍ

مَعْشَرَ الْكِرَام: الْيَتِيمُ مَشْرُوعُ حَسَنَاتٍ، وَبَابُ خَيْرَاتٍ، فَمَنْ يَنْهَلُ وَمَنْ يُرَابِحُ مَعَ اللهِ فِي الْأَيْتَامِ؟! وَكَمْ مِنْ أَقْوَامٍ كُتِبَتْ أَسْمَاؤُهُمْ فِي الْجَنَّاتِ لأَجْلِ يَتِيمٍ أَوْ يَتِيمَةٍ، فإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكْفُلَ يَتِيمًا بِمَالِكَ فِي الدَّاخِلِ أَوِ الْخَارِجِ عَبْرِ جِهَةٍ مَوْثُوقَةٍ فَلَا تَتَوَانَ وَلا تَحْرِمْ نَفْسَكَ الْخَيْر.

عِبَادَ اللَّهِ: مِنَ الْقِيَمِ الْجَلِيلَةِ لِهَذَا الدِّينِ الْعَظِيمِ: رِعايَتُهُ لِلْيَتِيمِ، وَحَثُّهُ الشَّدِيدُ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ دِينٌ وَلَا مَنْهَجٌ وَلَا دُسْتُورٌ، يَدْعُو وَيَحُثُّ عَلَى رِعَايَةِ الْيَتِيمِ مِثْلُ هَذَا الدِّينِ الْعَظِيمِ. فَلَقَدْ حَثَّ الشَّارِعُ الْحَكِيمُ عَلَى إكْرَامِ الْيَتِيمِ وَرِعايَتِهِ وَالْعِنَايَةِ بِهِ، وَرَتَّبَ أَعْظَمَ الْجَزَاءِ وَأَوْفَرَهُ لِمَنْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، نَعَمْ جَعَلَ مِنْ وَراءِ ذَلِكَ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ -الْجَنَّةُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي طَالَمَا كَانَتْ حَافِزَةً لِكُلِّ عَمَلٍ صَعْبٍ وَشَاقٍّ- تَأَمَّلُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:"وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا"(الإنسان: 8)، 

فَكَانَ الْجَزَاءُ الْعَظِيمُ: (فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا   وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا"(الإنسان: 11 - 12).

وَلِحَقِّ الْيَتِيمِ وَأَهَمِّيَّتِهِ تَنَزَّلَتِ الآيَاتُ فِي حَقِّهِ فِي أَوَائِلِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ فِي مَكَّةَ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ) [الضحى: 9] وكَقَوْلِهِ: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ) [الماعون: 1 - 2]، وكَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: (كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ"(الفجر: 17).

وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وابْنُ مَاجَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ: الْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ"، 

قَالَ الْإمَامُ ابْنُ بَطَّالٍ: "حَقُّ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ يَسْمَعُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ يَرْغَبَ فِي العَمَلِ بِهِ؛ لِيَكُونَ فِي الْجَنَّةِ رَفِيقًا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلِجَمَاعَةِ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ -صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِمِ أَجْمَعِينَ-، وَلَا مَنْزِلَةَ عِنْدَ اللهِ فِي الآخِرَةِ أَفْضَلُ مِنْ مُرَافَقَةِ الأَنْبِيَاءِ". انْتَهَى كَلَامُهُ رَحِمَهُ اللهُ.

وفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ -كَمَا قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "أَنَا أَوَّلُ مَنْ يُفْتَحُ لَهُ بَابُ الْجَنَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ تَأْتِي امْرَأَةٌ تُبَادِرُنِي -أَيْ تُسَابِقُنِي- فَأَقُولُ لَهَا: مَا لَكِ؟ وَمَا أَنْتِ؟ فَتَقُولُ: أَنَا امْرَأَةٌ قَعَدْتُ عَلَى أَيْتَامٍ لِي"، وفي لفظ: "فَتَقُولُ: أَنَا امْرَأَةٌ مَاتَ زَوْجِي وَتَرَكَ عَلَيَّ أَوْلَادًا فَقَعَدْتُ أُرَبِّيهِمْ" امْرَأَةٌ مَاتَ زَوْجُهَا وَتَرَكَ لَهَا أَطْفَالًا فَقَامَتْ عَلَى تَرْبِيَةِ الْأَطْفَالِ بِعِفَّةٍ، وَطَهَارَةٍ وَصِدْقٍ، فَنَالَت هَذَا الشَّرَفَ الْعَظِيمَ.

 أيتام في ميزان التاريخ 

عِبَادَ اللَّهِ: عَبْرَ التَّارِيخِ بَرَزَ أَيْتَامٌ كَانَ لَهُمْ شَأْنٌ عَظِيمٌ فلَمْ يَكُنْ لِلْيُتْمِ وَلَمْ يَكُنْ لِفَقْدِ الْأَبِ الرَّحِيمِ الْمُشْفِقِ وَالْمُوَجِّهِ النَّاصِحِ مَانِعًا لَهُمْ مِنَ النُّبُوغِ وَالْبُرُوزِ وَتَحْصِيلِ أَعَلَى الْمَرَاتِبِ؛ عُلَمَاءٌ وَأَعْلاَمٌ، شُعرَاءُ وَعَبَاقِرَةٌ، وَشَخْصِيَّاتٌ شَهِيرَةٌ، بَلْ مِنْهُمْ قَادَةُ الْعَالَمِ وَعُظَمَائِهِ وَخُبَرَائِهِ، وكُلُّ هَؤُلَاءِ عَاشُوا أَيْتَاماً، فَغَيَّرُوا مَجْرَى التَّارِيخِ بِعَزْمِهِمْ وَإِرَادَتِهِمْ، فَهَذَا أَبُو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- نَشَأَ يَتِيمًا، وَكَانَ يَرْعَى لِقَوْمِهِ الْغَنَمَ، ثُمَّ لَازَمَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَكَانَ رَاوِيَةَ الْإِسْلامِ.

عِبَادَ اللهِ: اسْتُشْهِدَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ وَتَرَكَ أَطْفَالًا أَيْتَامًا، فَكَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَتَعَاهَدُهُمْ وَيَمْسَحُ رُؤوسَهُمْ وَيَدْعُو لَهُمْ؛ شَفَقَةً بِالْيَتِيمِ، وَرَحْمَةً بِهِ؛ فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، قَالَ: "مَرَّ بِنَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى دَابَّةٍ وَنَحْنُ صِبْيَانٌ نَلْعَبُ، فَقَالَ: "ارْفَعُوا هَذَا إِلَيَّ" قَالَ: فَحَمَلَنِي أَمَامَهُ، ثُمَّ مَسَحَ عَلَى رَأْسِي ثَلاثًا، وَقَالَ كُلَّمَا مَسَحَ: "اللَّهُمَّ اخْلُفْ جَعْفَرًا فِي وَلَدِهِ".

وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- الَّذِي عَدَّهُ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بِألْفِ فَارِسٍ، كَانَ نِتَاجُ تَرْبِيَةِ أُمِّهِ صَفِيَّةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا بَعْدَ أَنَّ مَاتَ أَبُوهُ وَهُوَ صَغِيرٌ.

وإِمَامُ الدُّنْيَا فِي الْفِقْهِ الْإمَامُ الشَّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فَقَدَ أَبَاهُ وَهُوَ دُونَ الْعَامَيْنِ، فَنَشَأَ فِي حَجْرِ أُمِّهِ فِي قِلَّةٍ مِنَ الْعَيْشِ وَضِيقٍ مِنَ الْحَالِ، فَحَفِظَ الْقُرْآنَ وَجَالَسَ فِي صَبَاهُ الْعُلَمَاءَ حَتَّى سَادَ أَهْلَ زَمَانِهِ.

وَكَذَا تِلْمِيذُ الشَّافِعِيِّ: الْإمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ -رَحِمَهُ اللهُ- مَاتَ وَالِدُهُ وَهُوَ حَمْلٌ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَعَاشَ حَيَاةَ فَقْرٍ وَفَاقَةٍ، فَحَضَنَتْهُ أُمُّهُ وَأَدَّبَتْهُ وَأَحْسَنَتْ تَرْبِيَتَهُ، حَتَّى أَخْرَجَتْ عَالِمًا فَذًّا، وَإِمَامًا وَرِعًا حَفِظَ اللهُ بِهِ الدِّينَ والْعِبَادَ فِي الْفِتْنَةِ.

فأم الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- حضنته أمه وأدبته، وأحسنت تربيته، حتى قال رحمه الله: "كانت أمي توقظني قبل الفجر بوقت طويل وعمري عشر سنوات، وتُدفئ لي الماء في الشتاء، ثم نصلي أنا وإياها ما شئنا من صلاة التهجد، ثم تنطلق بي إلى المسجد في طريق بعيد مظلم موحش لتصلي معي صلاة الفجر في المسجد، وتبقى معي حتى منتصف النهار تنتظر فراغي من طلب العلم وحفظ القرآن"

بصبر هذه الأم على اليتيم؛ أخرجت عالمًا من علماء المسلمين وأئمتهم.

وغير ذلك نماذج كثيرة مشرقة.

وَمَنْ مِنْكُمْ لَا يَعْرِفُ إِمَامَ الدُّنْيَا فِي الْحَدِيثِ والأَثَرِ، الْإمَامُ الْبُخَارِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- صَاحِبُ "الصَّحِيحِ" كَانَ يَتِيمًا، وَقَرَأَ عَلَى أَلْفِ شَيْخٍ، فَصَنَّفَ كِتَابَهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي هُوَ أَصَحُّ كِتَابٍ بَعْدَ كِتَابِ اللهِ -تَعَالَى-، فَكَانَ هَذَا الْيَتِيمُ نِعْمَةً عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ

وَالْإمَامُ ابْنُ الْجَوْزِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- نَشَأَ يَتِيمًا عَلَى الْعَفَافِ وَالصَّلاَحِ فِي حِضْنِ عَمَّتِهِ، فَحَمَلَتْهُ إِلَى الْعُلَمَاءِ، فَصَنَّفَ وَوَعَظَ، قَالَ رَحِمَهُ اللهُ عَنْ نَفْسِهِ: "أَسْلَمَ عَلَى يَدِيَّ أَكْثَرُ مِنْ مِائَتَيْ أَلْفٍ"، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلامِ -رَحِمَهُ اللهُ-: "وَلَا أَعْلَمُ أحَدًا صَنَّفَ فِي الْإِسْلامِ أَكْثَرَ مِنْ تَصَانِيفِهِ"، وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ كَثِيرٌ، كَانُوا أَيْتَامًا وَصَارُوا أَعْلَامًا، كَالأَوْزَاعِي، وَالثَّوْرِيِّ، وَابْنِ حَجَرٍ، وَالسُّيُوطِيّ.

وَإِذَا أَرَدْتَ أَمْثِلَةً حَاضِرَةً قَرِيبَةً فَهِي غَيْرُ قَلِيلَةٍ أَيْضًا، فَمِنْهُمْ: َعَبْدُ الرَّحْمَنِ السَّعْدِيُّ، وَمُحَمَّدُ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيُّ، وَغيرهم-رَحِمَهُمُ اللهُ- وَغَيْرُهُمْ كَثِيرٌ وَكَثِيرٌ عَاشُوا الْيُتْمَ، لَكِنَّهُمْ أَنَارُوا الدُّنْيا بِالْعِلْمِ وَالْفَهْمِ، وَلَمْ يَكُنِ الْيُتْمُ عَائِقًا لَهُمْ عَنِ النُّهُوضِ، بَلْ رُبَّما كَانَ دَافِعًا لَهُمْ.

وَخَيْرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ وَأَشَدُّ مِنْهُمْ يُتْمًا: خَيْرُ الْبَشَرِ، وَسَيِّدُ الْأَيْتَامِ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، تُوُفِّيَ وَالِدُهُ وَأُمُّهُ حَامِلٌ بِهِ، ثُمَّ اجْتَمَعَ عَلَيْهَ بَعْدَ فَقْدِ أَبِيهِ مَوْتُ أُمِّهِ وَهُوَ ابْنُ سِتٍّ، ثُمَّ تَقَلَّبَ فِي أَحْضَانٍ مُتَوَالِيَةٍ مَنْ أُمِّهِ إِلَى جَدِّهِ ثُمَّ إِلَى عَمِّهِ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى) [الضحى: 6].


قَالُوا الْيَتِيمُ فَمَاجَ عِطْرُ قَصِيدَتِي 

                    وَتَلَفَّتَتْ كَلِمَاتُهَا تَعْظِيمًا

 

وَسَمِعْتُ مِنْهَا حِكْمَةً أَزَلِيَّةً 

                          أَهْدَتْ إليَّ كِتَابَهَا الْمَرْقُومَا

 

حَسْبُ الْيَتِيمِ سَعَادَةً أَنَّ الَّذِي

                      نَشَرَ الْهُدى فِي النَّاسِ عَاشَ يَتِيمًا


الخطبة الثانية:

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،والصلاة والسلام علي  الصَّادِقُ الْأَمِينُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أجْمَعِينَ، وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.

أَمَّا بَعْدُ:

أَلَا وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ أَيْضًا: التَّفْرِيطُ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى، وَالتَّسَبُّبُ فِي ضَيَاعِهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِعَدَمِ حِفْظِهَا أَمْ بِعَدَمِ الْمُطَالَبَةِ بِهَا، أَمْ بِأَكْلِ إِرْثِهِمْ وَمَا تُرِكَ لَهُمْ أَوْ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، مُسْتَغِلاًّ ضَعْفَهُمْ؛ يَقُولُ سُبْحَانَهُ مُحَذِّرًا: "إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا"(النساء: 10).

 أَخِيرًا: عِنْدَمَا يَمُوتُ الْوَالِدُ أَوِ الْوَالِدَةُ فَإِنَّ نَقْصًا حَادًّا يَقَعُ فِي حَيَاةِ الْيَتِيمِ فِي أَمْرٍ غَايَةً فِي الْأهَمِّيَّةِ أَلَا وَهُوَ: الدُّعَاءُ، فإِنَّ كَثِيرًا مِمَّا نَرَاهُ فِي حَيَاتِنَا مِنَ التَّوْفِيقِ وَالتَّيْسِيرِ وَالنَّجَاحِ يَعُودُ بَعْدَ تَوْفِيقِ اللهِ وَكَرَمِهِ وَإِنْعَامِهِ إِلَى دُعَاءِ الْوَالِدَيْنِ وَإلْحَاحِهِمَا عَلَى اللهِ.

ومسحُ رأسهِ والحُنو عليه تُذهب قسوة القلب؛ فعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-: أَنَّ رَجُلاً شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ –صلى الله عليه وسلم- قَسْوَةَ قَلْبِهِ، فَقَالَ لَهُ: "إِنْ أَرَدْتَ أَنْيَلِينَ قَلْبُكَ فَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ، وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ"( أحمد ).

وسأل رجل الإمام أحمد -رحمه الله-: كيف يرق قلبي؟ قال: "ادخل المقبرة، وامسح رأس اليتيم".

ومدح النبي -صلى الله عليه وسلم- نساء قريش لرعايتهن اليتامى، فقال: "خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على يتيم في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده"(مسلم).

وأطيب المال ما أُعطي منه اليتيم، قال عليه الصلاة والسلام: "إن هذا المال خضرة حلوة، فنعم صاحبُ المالِ المسلم ما أَعَطي منه المسكين واليتيم وابن السبيل"(متفق عليه).

والمراد بكافِل اليتيم: القائم بأُموره، من نفقةٍ وكسوةٍ وتأْديب من مال الكافِل، وكذلك تربيته وحضانته، وغير ذلك ممَّا يحتاجه اليتيم حتَّى يبلغ، فكفالته تكون بضمّ كافِله معه في بيته، والقيام بمصالحه، سواء كان اليتيم قريبًا له. أم كان الكافِل أجنبيًّا عن اليتيم؛ فعن أبِي هُرَيْرة -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "كافِل اليتيم - له أو لغيره- أنا وهو كهاتَين في الجنَّة، وأشار بالسبَّابة والوُسْطى"( مسلم).

وأن يحذر من التفريط فيها أو أكلها ظلماً، فذلك من الذنوب العظام الموجبة لدخول النار: :"إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا"(النساء: 10).

وعَدَّ عليه الصلاة والسلام أكل مال اليتيم من السبع الموبقات، فقال: "اجتنبوا السبع الموبقات" وذكر منهنّ: "وأكل مال اليتيم"(متفق عليه).

وإذا كان التعرُّض لمال اليتيم بسوء كبيرةً من كبائر الذُّنوب، فالتعرُّض له بالأذى من ضرْبٍ وشتم ونَحوه أشدُّ حرمة، فيحْرُم إذلال اليتيم والتَّسلُّط عليْه، والتَّعرُّض له بشيء يسوءه بغير حق:"فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ"(الضحى: 9).

والنهي عن قهْرِه أمر بالإحسان إليه، وإدْخال السُّرور عليه.

فيا من ولاك الله أمر اليتم اتق الله فيما ولاك الله، ولا تبخل عليه بالابتسامة الحانية، وبالنصح والتوجيه، وحسن التربية، ولين الكلام، وإدخال البهجة السرر عليه، وأن تكون له أباً رحيماً، قال قتادة -رحمه الله-: "كن لليتيم كالأب الرحيم".

وكذلك من يتعرَّض لعقار الأيتام ويستولي عليْها بغير حق، فهو داخل في عموم قول النَّبيِّ -صلَّى الله عليْه وسلَّم-: "مَن أخذ شبرًا من الأرض ظُلْمًا فإنَّه يطوَّقه يوم القيامة من سبع أرَضين"(رواه البخاري ومسلم)، بل الاعتداء على عقار اليتامى أشدُّ ذنبًا من الاعتِداء على عقار سائر المُسْلِمين.


google-playkhamsatmostaqltradent