recent
أخبار عاجلة

خطبةعيد الفطر المبارك أتفاس التائبين الشيخ محمد إبراهيم سالم

 خطبةعيد الفطر المبارك


 جبر الخواطر.. صرخة العيد المنسية 

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.. لا إله إلا الله.

الله أكبر، الله أكبر.. ولله الحمد.

الله أكبر عدد ما صام صائمٌ وأفطر، الله أكبر عدد ما ذرف تائبٌ واستغفر، الله أكبر عدد ما نبض قلبٌ بالحب وذكر، الله أكبر عدد ما هلل مهللٌ وكبّر.

الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً.

​الحمد لله.. الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله تتنزل الرحمات، وبتوفيقه ترفع الدرجات.

الحمد لله الذي جعل العيد للتائبين جائزة، وللموحدين فوزاً، وللمنكسرين جبراً.

نحمده سبحانه وهو المحمود على كل حال، ونشكره وهو الكريم المنعم في الغدو والآصال، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الكبيرُ المتعال، ذو العزةِ والجمال، والقدرةِ والجلال.

​والصلاة والسلام على من بُعث بالحق بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً.

سيدِ ولد آدم، صاحبِ الوجه الأنور، والجبين الأزهر، والقلب الأطهر.

صلى الله عليه وسلم ما تعاقب ليلٌ ونهار، وما ذكره الأبرار، وما تجمعت الأمة في هذا المصلى بقلوبٍ تفيض بالاستبشار.

وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، الذين نصروا الدين، وفتحوا القلوب بالعدل واليقين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

​الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.. لا إله إلا الله!

الله أكبر، الله أكبر.. ولله الحمد!

​أما بعد..

 ​أيها الناس.. أيها المصلون.. عباد الله..

 لماذا نحن هنا؟ هل جئنا لنحتفل بانتهاء "فترة الصيام" ؟ هل جئنا لنعلن فكَّ قيد الشهوات لنعود إلى مستنقع الغفلات؟

والله ما صمنا رمضان لننزع الجوع عن بطوننا،بل صمناه لننزع "القسوة" عن قلوبنا!

إن العيد اليوم ليس لمن تبختر بالجديد، العيد لمن ذبح كبرياءه تحت أقدام التكبير.

العيد هو "يوم التحرر العالمي" من عبودية الأنا، وسطوة المادة، وجفاف الروح.

 ​يا أمة محمد ..

إنَّ أخطر ما يهدد إيماننا اليوم هو "التدين الشكلي"؛

أن تتحول عبادتنا إلى طقوسٍ بلا روح، وأجسادٍ بلا قلب.

أن تصبح الصلاة مجرد حركات، والصيام مجرد جوع، والعيد مجرد استعراض!

​أنا أسألكم اليوم بلسان الحق الذي لا يداهن:

  من منكم خلع "حقدَه القديم" قبل أن يلبس ثوبه الجديد؟

  من منكم غسل "نيته" قبل أن يتطيب بعطره؟

​أيها المصلون.. إنَّ الذي صام عن الطعام ولم يصم عن "أكل أعراض الناس"، فما صام حقاً!

اسمعوا لقول نبيكم وهو يضع النقاط على الحروف: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ".

​والذي قام الليل والناس نيام، وظنَّ بوقوفه أنه نجا، وقلبه يحمل الغل لإخوانه، فما قام حقاً!

تذكروا قول الله تعالى في وصف عباده الناجين: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ}.

فإن لم يَنزع العيدُ ما في صدرك من سواد، فبأي وجهٍ تتقابل مع المصلين؟ وبأي كفٍّ تصافح إخوانك؟

 ​عباد الله..

العيد هو "إعادة ضبط الروح"،

هو إعلان التمرد على القسوة.

فإن لم يغير العيد نظرتك للناس، وقسوتك في التعامل مع الضعفاء، وجبروتك في بيتك مع زوجك وأولادك.. فاعلم يقيناً أن صيامك كان مجرد جوع وعطش لا "معراجاً روحياً".

​تأملوا قول الله عز وجل الذي يقرع القلوب القاسية: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}.

  ​يا مَن صمت.. هل يعقل قلبك اليوم معنى الرحمة؟

أم أن عينك ترى الجديد وقلبك لا يرى إلا الأنا؟

إنَّ الطامة الكبرى أن تلبس البياض وقلبك في ظلام الخصومة!

​الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.. لا إله إلا الله!

الله أكبر، الله أكبر.. ولله الحمد!

​كبروا لعل الله يحيي بتكبيركم ما مات في صدوركم!

الله أكبر من كبريائنا الزائف..

الله أكبر من خصوماتنا التافهة..

الله أكبر من جبروتنا على الضعفاء.

أيها المسلمون.. إنَّ العبد لَيبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم، فما بالكم بمن صام وقام ثم هدم صرحه بسوء خلقه؟

 عباد الله..

في هذه الساعة، وفي هذا الصباح ،

هناك طفلٌ استيقظ فلم يجد يداً تمسح على رأسه، ولا حضناً يخبئه من برد اليتم.

 أين نحن من اليتامى؟

إن اليتيم لا يحتاج "ورقة مالية" تُلقى في يده ببرود كأنها صدقة مطرود،

اليتيم يحتاج "أبوّة" تسترد له إنسانيته.

تأملوا نبيكم يوم العيد، كيف كان يترك القوم ليمسح دمعة طفلٍ وحيد.

أيها المصلي.. هل تملك الشجاعة أن تذهب ليتيمٍ في عائلتك أو جيرانك، لتقول له: "أنا أبوك، وصدرك هو صدري"؟

أما الفقراء.. فهم ملوكُ هذا اليوم.

  يا صاحب المال، لا تظن أنك "تتفضل" على الفقير، بل هو الذي "يتفضل" عليك بصبره ودعائه.

الفقير رسالة من الله إليكم؛ ومن أكرم الرسالة فقد أكرم المرسِل.

أعطوا الفقير بـ "انكسار"،

أعطوه وأنتم تعتذرون له عن غفلتكم.

اجعل لقمة الفقير في العيد هي "قربانك" الأكبر عند الله.

الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله

الله أكبر الله أكبر ولله الحمد

​  أيها المسلمون.. يا أمة الرحمة..

ونحن في قمة أفراحنا، نلبس الجديد ونأكل الطيبات،

لا تنسوا أنَّ هناك خلف الجدران الصامتة "أجساداً هدَّها المرض" فوق أسرّة المستشفيات.

العيد عندهم ليس أثواباً تُباهى، بل منتهى عيدهم هو "سكون الألم "، وساعة راحة يهدأ فيها الوجع عن أجسادهم المتعبة!

​تخيل نفسك مكانهم في هذه اللحظة؛

  السقفُ رفيقُك الوحيد، الذي أحصيتَ شقوقَه من طول البقاء على ظهرك،

  وأصواتُ الأجهزةِ من حولك هي الصدى الوحيد لآهاتك المكتومة.

​رويداً بكم يا أصحاء..

يا من تتقلبون في نعم الله وتكاد الأرض لا تحملكم من الفرح.

اذهبوا للمرضى، لا لتؤدوا "واجباً ثقيلاً" أو لتقضوا "عادةً اجتماعية"،

بل اذهبوا "لتتعلموا أدب الشكر".

اذهبوا لتعرفوا أنَّ أعظم نعمةٍ يملكها إنسان هي "السجدة" التي يُحرم منها هذا الملقى على سريره، وأنَّ أغلى ثمنٍ هو "النَّفَسُ" الذي يخرج منك بلا مجهود، بينما يشتريه غيرك بآلاف الجلسات والجرعات!

​امسك يد مريض، انظر في عينيه بصدق، اقترب منه حتى يشعر بحرارة أخوّتك، وقل له بقلبٍ حاضر: "أنت لست وحدك، نحن معك، ودعاؤنا يسبقنا إليك، واللهُ أكبرُ من وجعك، وأقربُ إليك من وريدك".

​تأملوا قول نبيكم وهو يوقظ الأرواح لهذا الفعل العظيم: مَن عادَ مَرِيضًا لَمْ يَزَلْ في خُرْفَةِ الجَنَّةِ، قيلَ يا رَسولَ اللهِ، وما خُرْفَةُ الجَنَّةِ؟ قالَ: جَناها. (رواه مسلم).

أي أنه يقطف من ثمار الجنة وهو لا يزال يمشي على الأرض!

​بل اسمعوا لهذا الحديث القدسي الذي يزلزل القلوب:

يقول الله عز وجل يوم القيامة: "يا ابن آدم، مَرِضْتُ فلم تَعُدْني! قال: يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمتَ أنَّ عبدي فلاناً مَرِضَ فلم تَعُدْه؟ أما علمتَ أنَّك لو عُدْتَه لَوَجَدْتَني عنده؟".

لَوَجَدْتَني عنده!

يا الله.. أيُّ جلالٍ هذا؟ وأيُّ قربٍ هذا؟

تذهب لتواسي بشراً ضعيفاً، فتجد "ملك الملوك" سبحانه يفيض عليك من رحماته عند رأس ذلك المريض!

  يا من تبحثون عن البركة في بيوتكم وأولادكم، والله إنَّ البركة لا تسكنُ إلا عند رؤوس المرضى وفي دموع المنكسرين.

​تذكروا قول الله تعالى: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}.

الله هو الشافي، لكنه اختاركم أنتم لتكونوا "رسائل الرحمة" بكلمتكم الطيبة ووجوهكم الباشّة.

فلا تدعوا صحتكم تنسيكم الضعفاء، ولا تجعلوا عافيتكم حجاباً يمنعكم من الشعور بآلام الناس.

​الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.. لا إله إلا الله!

الله أكبر، الله أكبر.. ولله الحمد!

​الله أكبر من كل مرض،

الله أكبر من كل وجع،

الله أكبر على كل قلبٍ نسي نعمة العافية فتكبّر وطغى!

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه

 الخطبة الثانية

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.. لا إله إلا الله...

الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

الحمد لله وكفى، وصلاةً وسلاماً على عباده الذين اصطفى، لا سيما عبده المجتبى، ورسوله المصطفى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سلك على نهجه واقتفى.

​أما بعد.. أيها المصلون.. عباد الله..

 العيد يبدأ من "عتبة بيتك".

  يا أيها الرجل..

العيد هو أن تعيد لزوجتك "كرامتها" بكلمة طيبة،

أن تشعرها أنها ملكة البيت لا آلة طبخ فيه.

​  يا أيها الابن..

العيد هو أن تخرَّ مُقبلاً أيادي والديك، خاضعاً بجناح الذل لهما، تقبّل يداً شقيت لترتاح، وقدماً سعت لتعلو.

العيد هو برُّك بهما، فلا تُدخِل عليهما العيد وأنت عاقٌّ أو قاطع، تذكر قول الله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}.

 والتسامح..

آهٍ من التسامح!

العيد هو "مقصلة الحقد".

من كان له خصم، فليذهب إليه الآن!

اذبحوا كبرياءكم، واقتلوا شيطانكم.

من يبدأ بالسلام هو البطل الحقيقي في ميزان الله.

صفوا نياتكم، يصفِ الله لكم عيشكم. اجعلوا قلوبكم بيضاء كفجر هذا اليوم.

​"اللهم يا جبار القلوب، اجبر كسرنا في هذا اليوم العظيم.

اللهم يا من ترى مكاننا وتسمع كلامنا، اشفِ كل مريضٍ يئن في هذه اللحظة، وانزع الوجع من جسده يا رحيم.

اللهم آنس وحشة كل يتيم، وسد جوعة كل فقير، واجبر خاطر كل منكسر.

اللهم لا تخرجنا من هذا المصلى إلا وقد غسلت قلوبنا من الحقد والغل.

اللهم اجعلنا "رحمةً" تمشي على الأرض، ونوراً يضيء في ظلمات الغفلة."

الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. لا إله إلا الله.

الله أكبر.. الله أكبر.. ولله الحمد.

google-playkhamsatmostaqltradent