رِحْلَةُ الْعَوْدَةِ تَبْدَأُ بِالتَّوْبَةِ الصَّادِقَةِ
فيا أيها المؤمنون: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ
نِعَمِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنْ فَتَحَ بَابَ التَّوْبَةِ، وَجَعَلَهُ فَجْرًا
تَبْدَأُ مَعَهُ رِحْلَةُ الْعَوْدَةِ بِقُلُوبٍ مُنْكَسِرَةٍ، وَدُمُوعٍ مُنْسَكِبَةٍ،
وَجِبَاهٍ خَاضِعَةٍ. قَالَ جَلَّ وَعَلَا حَاثًّا عَلَى التَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ
وَالْأَوْبَةِ: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ}.
وَقال رَسُولِ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ
لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ،
حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ
وَهَذَا نَبِيُّ الرَّحْمَةِ، قَدْ غَفَرَ
اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ يَقُولُ:
«يَا أَيُّهَا النَّاسُ! تُوبُوا إِلَى اللهِ؛ فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ
مِئَةَ مَرَّة». رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فَانْظُرْ وَتَأَمَّلْ فِي فَضْلِ اللهِ
-عَزَّ وَجَلَّ- عَلَى التَّائِبِ الْعَائِدِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ
لَا ذَنْبَ لَهُ». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ.
وَلَا يَأْخُذْكَ الْهَوَى وَمُلْهِيَاتُ
النَّفْسِ؛ فَإِنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَالَ: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ
إِلَّا مَنْ أَبَى». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي
دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. فَهَذَا
الْحَدِيثُ بِشَارَةٌ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِالْجَنَّةِ؛ إِلَّا صِنْفًا مِنْهُمْ
لَا يُرِيدُونَ دُخُولَهَا، لَا زُهْدًا فِيهَا؛ وَلَكِنْ جَهْلًا بِالطَّرِيقِ الْمُوصِلَةِ
إِلَيْهَا.
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ
اللهُ: «إنَّ قَوْمًا أَلْهَتْهُمْ أَمَانِيُّ الْمَغْفِرَةِ، حَتَّى خَرَجُوا مِنْ
الدُّنْيَا بِغَيْرِ تَوْبَةٍ، يَقُولُ أَحَدُهُمْ: إِنِّي أُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّي،
وَكَذَبَ!! لَوْ أَحْسَنَ الظَّنَّ لَأَحْسَنَ الْعَمَلَ«.
وَقَالَ رَحِمَهُ اللهُ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ
قَوَّامٌ عَلَى نَفْسِهِ، يُحَاسِبُ نَفْسَهُ لِلَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَإِنَّمَا
خَفَّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَوْمٍ حَاسَبُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الدُّنْيَا،
وَإِنَّمَا شَقَّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَوْمٍ أَخَذُوا هَذَا الْأَمْرَ
مِنْ غَيْرِ مُحَاسَبَةٍ«.
إِنَّ جِهَادَ النَّفْسِ جِهَادٌ طَوِيلٌ،
وَطَرِيقٌ مَحْفُوفٌ بِالْمَكَارِهِ، فَعَلَيْكَ بِالسَّيْرِ فِي رِكَابِ التَّائِبِينَ،حَتَّى
تَحُطَّ رِحَالَكَ فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ، "فاجْعَلْ جَنَابَ التَّوْبَةِ مَقِيلا،
وَاجْتَهِدْ فِي الْخَيْرِ تَجِدْ ثَوَابًا جَزِيلا".
فَيَنْبَغِي لِكُلِّ ذِي لُبٍّ وَفِطْنَةٍ
أَنْ يَحْذَرَ عَوَاقِبَ الْمَعَاصِي؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْآدَمِيِّ وَبَيْنَ
اللهِ تَعَالَى قَرَابَةٌ وَلَا رَحِمٌ، وَإِنَّمَا هُوَ قَائِمٌ بالْقِسْطِ، حَاكِمٌ
بِالْعَدْلِ، وَإِنْ كَانَ حِلْمُهُ يَسَعُ الذُّنُوبَ؛ إِلَّا أَنَّهُ إِذَا شَاءَ
عَفَا، فَعَفَا عَنْ كُلِّ كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ وَأَخَذَ
بِالْيَسِيرِ؛ فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ!! وَكُلُّنَا أَصْحَابُ ذُنُوبٍ وَخَطَايَا، وَلَيْسَ
مِنَّا مَنْ هُوَ مَعْصُومٌ عَنِ الزَّلَلِ وَالْخَطَأِ؛ وَلَكِنَّ خَيْرَنَا مَنْ
يُسَارِعُ إِلَى التَّوْبَةِ، وَيُبَادِرُ إِلَى الْعَوْدَةِ، تَحُثُّهُ الْخُطَى،
وَتُسْرِعُ بِهِ الدَّمْعَةُ.
قال ابن الجوزي: " يَا صَاحِبَ الْخَطَايَا
أَيْنَ الدُّمُوعُ الْجَارِيَةُ؟ يَا أَسِيرَ الْمَعَاصِي ابْكِ عَلَى الذُّنُوبِ الْمَاضِيَةِ!
يَا مُبَارِزًا بِالْقَبَائِحِ أَتَصْبِرُ عَلَى الْهَاوِيَةِ؟! يَا نَاسِيًا ذُنُوبَهُ
وَالصُّحُفُ لِلْمُنْسَى حَاوِيَةٌ! أَسَفًا لَكَ إِذَا جَاءَكَ الْمَوْتُ وَمَا أَنَبْتَ!
وَاحَسْرَةً لَكَ إِذَا دُعِيتَ إِلَى التَّوْبَةِ فَمَا أَجَبْتَ! كَيْفَ تَصْنَعُ
إِذَا نُودِيَ بِالرَّحِيلِ وَمَا تَأَهَّبْتَ؟!".
قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ: "يَا بُنَيَّ!
لا تُؤَخِّرِ التَّوْبَةَ، فَإِنَّ الْمَوْتَ يَأْتِي بَغْتَةً".
الخطبة الثانية:
أيها المسلم؛ جِدَّ فِي التَّوْبَةِ، وَسَارِعْ
إِلَيْهَا، وَلَا تُؤَخِّرْهَا، وَأَبْشِرْ بِفَرَحِ اللهِ إِذَا رَجَعْتَ وَتُبْتَ،
وَأَقْلَعْتَ وَنَدِمْتَ، وَلِيَسُرَّكَ حَدِيثُ الرَّسُولِ ﷺ: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ
عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ
فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ -أَيْ رَاحِلَتُهُ-، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ،
فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، وقَدْ أَيِسَ مِنْ
رَاحِلَتِهِ. فَبَيْنَما هُوَ كَذَلِكَ؛ إِذْ هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ
بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ لْفَرَحِ: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا
رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ
قال ابن الجوزي: "للَّهِ دَرُّ أَقْوَامٍ
بَادُروا الأَعْمَالَ وَاسْتَدْرَكُوهَا، وَجَاهَدُوا النُّفُوسَ حَتَّى مَلَكُوهَا،
وَتَأَهَّبُوا لِسَبِيلِ التَّوْبَةِ ثُمَّ سَلَكُوهَا، وَعَرَفُوا عُيُوبَ الْعَاجِلَةِ
فَتَرَكُوهَا".
نَبَّهَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنَ الغَفْلَةِ،
وأَيْقَظَنَا مِنَ الرَّقْدَةِ، وَذَكَّرَنَا وَإِيَّاكُمُ الْمَوْتَ وَمَا بَعْدَهُ.
يا ربِّ سِرْ بنا في سِرْبِ النَّجَابَةِ،
وَوَفِّقْنَا لِلتَّوْبَةِ وَالإِنَابَةِ، وَافْتَحْ لأَدْعِيَتِنَا أَبْوَابَ الإِجَابَةِ،
إِنَّكَ قَرِيبٌ مُجِيبٌ.
اللَّهمَّ اهدِنا فيمَنْ هدَيْتَ، وعافِنا
فيمَنْ عافَيْتَ، وتولَّنا فيمَنْ تولَّيْتَ، وبارِكْ لنا فيما أعطَيْتَ.
اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْنا، وَبِكَ آمَنا،
وَعَلَيْكَ تَوَكَّلنا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنا، وَبِكَ خَاصَمْنا، وَإِلَيْكَ حَاكَمْنا،
فَاغْفِرْ لنا مَا قَدَّمْنا وَمَا أَخَّرْنا، وَمَا أَسْرَرْنا وَمَا أَعْلَنا، أَنْتَ
الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ.
• اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى
آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ
بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ
إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.