اسْتِقْبَالُ شَهْرِ رَمَضَانَ
الفرحُ والابتهاجُ بطاعةِ اللهِ.
الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ .
التخليةّ قبلَ التحليةِ.
القرآن والتوبة في رمضان
الصيام والدعاء
شهرُ رمضانَ وكثرة الاستهلاك.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
ﷺ أمـا بـعد
الأدلة من القرآن والسنة :- {يَاأَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ
قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ
مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ
فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا
خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ
فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ
شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ
مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ (185) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ
الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ
(186)} البقرة
1) الفرحُ برمضانَ يكونُ بالطاعةِ والعبادةِ
والقرآنِ: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ
مِمَّا يَجْمَعُونَ} ( يونس: 58)، وقدْ كان سلفُنَا الصالحُ يهتمونَ بشهرِ رمضانَ،
ويفرحونَ بقدومِهِ، وأيُّ فرحٍ أعظمُ مِن الإخبارِ بقربِ رمضانَ موسمِ الخيراتِ، وتنزلِ
الرحماتِ. وقد صورَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هذه الفرحةَ بقولهِ" لِلصَّائِمِ
فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ
فَرِحَ بِصَوْمِهِ" (متفق عليه).
سَيَأْتِي رَمَضَانُ وَيَفْرَحُ مَنْ يَصُومُونَ
بِصَوْمِهِمْ آخِرَ النَّهَارِ، وَنَنْتَظِرُ الْفَرْحَةَ الْكُبْرَى عِنْدَ لِقَاءِ
رَبِّنَا. يَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا:
إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ» الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
فَرِحَ بِفِطْرِهِ: لِأَنَّهُ حَصَلَ عَلَى
حُرِّيَّتِهِ، أُبِيحَ لَهُ مَا كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ، وَفَرِحَ بِصَوْمِهِ: لِأَنَّهُ
وُفِّقَ إِلَى أَدَاءِ وَاجِبِهِ نَحْوَ رَبِّهِ
وهذا عمرُ بنُ الخطابِ -رضي اللهُ عنه-
يستعدُّ لرمضانَ فأنارَ المساجدَ بالقناديلِ، فكانَ أولَ مَن أدخلَ إنارةَ المساجدِ،
وأولَ مَن جمعَ الناسَ على صلاةِ التراويحِ في رمضانَ، فأنارَهَا بالأنوارِ وبتلاوةِ
القرآنِ، وقد خرجَ علىٌّ بنُ أبِى طالبٍ – رضي اللهُ عنه - في أولِ ليلةٍ مِن رمضانَ
والقناديلُ تزهرُ وكتابُ اللهِ يُتلَى في المساجدِ، فقالَ:" نورَ اللهُ لكَ يا
ابنَ الخطابِ في قبرِكَ، كما نورتَ مساجدَ اللهِ بالقرآنِ".
نفرح وندعوا عند رؤية هلال الشهر كما كان
يدعو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كما في مسند أحمد أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَأَى الْهِلاَلَ قَالَ:
« اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْيُمْنِ وَالإِيمَانِ وَالسَّلاَمَةِ وَالإِسْلاَمِ
رَبِّى وَرَبُّكَ اللَّهُ
» ،
ونستقبل شهر رمضان : بالفرح والابتهاج ،
وقد ثبت عن رسول الله أنه كان يُبَشِّرُ
أَصْحَابَهُ بمجيء شهر رمضان : فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
ﷺ: - « قَدْ جَاءَكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ
شَهْرٌ مُبَارَكٌ افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ يُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ
الْجَنَّةِ وَيُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ فِيهِ
لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ ». [أخرجه
أحمد].
2) سَيَأْتِي رَمَضَانُ إِمَّا شَاهِدًا لَنَا
وَإِمَّا شَاهِدًا عَلَيْنَا.
سَيَأْتِي رَمَضَانُ شَفِيعًا فِي قَوْمٍ
أَحْسَنُوا الصِّيَامَ، وَأَحْسَنُوا الْقِيَامَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، فَغُفِرَ
لَهُمْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ، لَكِنَّهُ سَيَشْهَدُ عَلَى أُنَاسٍ لَمْ يُحْسِنُوا
الصِّيَامَ، وَلَمْ يُحْسِنُوا الْقِيَامَ، فَلَيْسَ لَهُمْ مِنْ صِيَامِهِمْ إِلَّا
الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَلَيْسَ لَهُمْ مِنْ قِيَامِهِمْ إِلَّا التَّعَبُ وَالسَّهَرُ.
فَمَا بَالُكُمْ بِأُنَاسٍ لَمْ يَصُومُوا
وَلَمْ يَقُومُوا وَهُمْ فِي دِيَارِ الْإِسْلَامِ وَيَنْتَسِبُونَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ.
رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ
إِلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ. النَّسَائِيُّ.
سَيَأْتِي رَمَضَانُ إِمَّا شَاهِدًا لَنَا
وَإِمَّا شَاهِدًا عَلَيْنَا، وَإِنَّا لَنَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُشَفِّعَ
لَنَا الصِّيَامَ، وَأَنْ يُشَفِّعَ لَنَا الْقُرْآنَ. يَقُولُ الْمُصْطَفَى صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ، يَقُولُ
الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ! إِنِّي مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ،
فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِي
فِيهِ؛ فَيَشْفَعَانِ» أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ.
سَيَأْتِي رَمَضَانُ، وَسَتَمْضِي الشُّهُورُ
كُلُّهَا، وَسَتَمْضِي الْأَعْوَامُ كُلُّهَا. يَفْرَحُ النَّاسُ بِانْقِضَاءِ شَهْرٍ
مَضَى، وَلَا يَدْرُونَ أَنَّ هَذَا الشَّهْرَ إِنَّمَا هُوَ صَفَحَاتٌ مِنْ كِتَابِ
حَيَاتِهِمْ طُوِيَتْ، إِنَّمَا هِيَ أَوْرَاقٌ ذَبُلَتْ مِنْ شَجَرَةِ الْعُمُرِ.
3) فالقلوبُ مملوءةٌ بالسوادِ والظلمةِ طوالَ
العامِ مِن أثرِ الذنوبِ والمعاصِي، سبٌّ وشتمٌ وغيبةٌ ونميمةٌ ونظرٌ إلى حرامٍ وشربُ
محرم وغلٌّ وحقدٌ وحسدٌ ونفاقٌ وشقاقٌ وسوءُ أخلاقٍ وأكلُ حرامٍ وفعلُ المنكراتِ.....إلخ،
وكلُّ ذلك سببٌ في سوادِ القلوبِ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ:" إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ
خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ
وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ وَهُوَ
الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ:{ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا
يَكْسِبُونَ }(الترمذي وصححه)، فتخيلْ كيفَ حالُ قلبِكَ بعدَ أحدَ عشرَ شهرًا مِن المعاصِي
والآثامِ؟!! فيجبْ أنْ نُخلِىَ القلبَ ونُجلِيَهُ ونطهرهُ مِن هذه الآثامِ والظلماتِ،
قبلَ أنْ نُحليهُ بالعبادةِ والطاعةِ، فلا يجوزُ إدخالُ القرآنِ والصلاةِ والذكرِ على
مثلِ هذه القاذوراتِ، حتى نطهرَ القلبَ منها.
هبْ أنَّك عندك قطعةُ أرضِ فضاءٍ مملوءةٌ
بالقمامةِ تريدُ بناءَها وتشييدهَا، هل ستحليهَا بالبنيانِ على ما هي عليهِ مِن قمامةٍ
أم تطهرهُا ؟!! فهكذا القلبُ يحتاجُ إلى تخليةٍ قبلَ التحليةِ.
فعلينَا أنْ نعملَ على سلامةِ الصدرِ قبلَ
رمضانَ، رُوى عن ابنِ مسعودٍ أنَّهُ سُئلُ: كيفَ كنتُم تستقبلونَ شهرَ رمضانَ؟ فقالَ:
ما كان أحدُنَا يجرؤُ أنْ يستقبلَ الهلالَ وفي قلبهِ مثقالُ ذرة ِحقدٍ على أخيهِ المسلمِ.
4) مِنْ أَحَبِّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ
تَعَالَى فِي شَهْرِ رَمَضَانَ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَكَمَا قَالَ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ
شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ» الْإِمَامُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ أَيْضًا: «يُقَالُ لِصَاحِبِ
الْقُرْآنِ اقْرَأْ وَارْقَ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ
مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا» الْإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ.
وإِذَا كَانَ رَسُولُنَا ﷺ قَدْ قَالَ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ
فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ
جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ» التِّرْمِذِيُّ.
فَهَذَا يَعْنِي أَنَّنَا سَنُسْأَلُ عَنْ
شَهْرِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ يُمَثِّلُ جُزْءًا مِنْ أَعْمَارِنَا.
كَذَلِكَ مِنْ أَحَبِّ الْأَعْمَالِ إِلَى
اللَّهِ تَعَالَى فِي رَمَضَانَ: التَّوْبَةُ الصَّادِقَةُ وَالْعَوْدَةُ إِلَيْهِ.
قِيلَ لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَحِمَهُ
اللَّهُ: الرَّجُلُ يُذْنِبُ ثُمَّ يَتُوبُ، ثُمَّ يُذْنِبُ ثُمَّ يَتُوبُ، ثُمَّ يُذْنِبُ
ثُمَّ يَتُوبُ، حَتَّى مَتَى؟ فَقَالَ: مَا أَعْلَمُ هَذَا إِلَّا مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ.
الزُّهْدُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.
وَلِذَلِكَ يَقُولُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ:
مَاتَ ابْنُ أَخِي، فَرَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ، وَسَأَلْتُهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ
بِكَ؟ فَقَالَ: كُلُّ ذَنْبٍ اسْتَغْفَرْتُ اللَّهَ مِنْهُ غُفِرَ لِي.
وَلِذَلِكَ يَقُولُ رَبُّنَا: ﴿غَافِرِ
الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ أَيْ: يَغْفِرُ مَا سَلَفَ مِنَ الذَّنْبِ، وَيَقْبَلُ
التَّوْبَةَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِمَنْ تَابَ إِلَيْهِ وَخَضَعَ لَدَيْهِ. ابْنُ كَثِيرٍ.
5) الدعاء وإن كان سُنة مشروعة مندوبا إليها
في كل وقت وحين، إلا أنه في أوقات مخصوصة وأماكن معلومة يكون آكد سنيَّة، وأشد طلباً،
وأرجى قبولا.. ومن الأوقات التي يُلتمس فيها الدعاء ويُطلب أيام رمضان ولياليه؛ فقد
أخبر النبي ﷺ أن دعاء الصائم مقبول وأن دعوته لا ترد.
فقد روى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه
من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا تُرد دعوتهم: الإمام العادل،
والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم)(صححه الألباني). وكلام العلماء في تفسير الحديث يدل
على أن الدعاء يكون قبل الإفطار ووقت الإفطار وبعده. ورجح بعضهم أنه وقت الفطر أدعى
للقبول والله تعالى أعلم.
وفي كتاب الله تعالى ما يدل على الترغيب
في الدعاء للصائمين، فقد ذكر الله في وسط أيات الصيام قوله سبحانه: {وَإِذَا سَأَلَكَ
عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا
لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}[البقرة:186]..
وهذه الآية في وسط آيات الصيام إشارة إلى
أن الدعاء في هذا الشهر من أجل العبادات، وأن الصائمين المتضرعين أرجى للقبول .
قال البيضاوي: "اعلم أنه تعالى، لما
أمرهم بصوم الشهر، ومراعاة العدة على القيام بوظائف التكبير والشكر، عقَّبه بهذه الآية
الدالّة على أنه خبير بأحوالهم، سميع لأقوالهم مجيب لدعائهم، مجازيهم على أعمالهم،
تأكيداً وحثّاً عليه" [تفسير البيضاوي: 1/221].
وقال ابن عاشور: "نظم الآية مؤذن بأن
الله تعالى بعد أن أمرهم بما يجب له عليهم أكرمهم فقال: وإذا سألوا عن حقهم علي فإني
قريب منهم أجيب دعوتهم... ثم قال رحمه الله: وفي هذه الآية إيماء إلى أن الصائم مرجو
الإجابة، وإلى أن شهر رمضان مرجوة دعواته، وإلى مشروعية الدعاء عند انتهاء كل يوم من
رمضان.
فالصيام هو من أحب الأعمال إلى الله كما
قال الله عزوجل في حديثٍ قدسي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل:
كل عمل ابن آدم له إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به..” رواه البخاري ومسلم. ودعاء
الصائم عند الإفطار مستجاب كما وعد رسول الله –صلي- حين قال: ثلاثةٌ لا تُرَد دعوتهم
.. والصائم حتى يُفطِر..” رواه بن ماجة. والدعاء من أوجب أفعال الإيمان والطلب من الله
وتحقيق لمعنى العبودية.
ودعاء الصائم عند الإفطارهو واحد من أفضل
أوقات الدعاء، خاصةً في شهر رمضان ، وذلك لأنها عبادة جمعت بين فضل الزمان وفضل العبادة.
فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله
عنه، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة»
فكان عبد الله بن عمرو إذا أفطر، دعا أهله وولده ودعا بهم.
ولكن الله عز وجل يحب الدعاء ويحب من يدعوه
والإكثار، خاصةً في أوقات السجود وفي الثلث الأخير من الليل في رمضان وخارج رمضان.
ويستحب للصائم أن يدعو الله في كل الأوقات متى ما تيسر له ذلك.
6) منَ العاداتِ السيئةِ والمفاهيمِ المغلوطةِ
عندَ البعضِ الإسرافُ في الطعامِ والشرابِ في ليالي رمضانَ، وهذا يتنافى معَ الحكمةِ
منَ الصيامِ، والتي هي كبحُ جماحِ الشهواتِ وكسرُها. لذلك أمرَنا اللهُ بعدمِ الإسرافِ
في الطعامِ والشرابِ فقالَ تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ
لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ}( الأعرافِ:31). قالَ القرطبيُّ: "منَ الإسرافِ الأكلُ
بعدَ الشبعِ، وكلُّ ذلكَ محظورٌ. وقالَ لقمانُ لابنهِ: يا بني لا تأكلْ شبعًا فوقَ
شبعٍ، فإنكَ أنْ تنبذَهُ للكلبِ خيرٌ منْ أنْ تأكلَهُ" . وفي ذلكَ يقولُ النبيُّ
ﷺ: “ما مَلأَ آدميٌّ وِعاءً شرًّا مِنْ بطنِهِ،
بحسْبِ ابنِ آدمَ أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فإنْ كانَ لا محالةَ، فثُلُثٌ لطعامِهِ،
وثُلُثٌ لِشَرابِهِ، وثُلُثٌ لِنَفَسِهِ” (الترمذيِّ بسندٍ صحيحٍ). وعنِ ابنِ عباسٍ
– رضيَ اللهُ عنهُ – أنَّهُ قالَ: “كُلْ ما شئتَ، والْبَسْ ما شئتَ، ما أخطأَتْكَ اثنتانِ:
سَرفٌ أو مَخِيلَةٌ”. ( البخاريِّ).
وقد قالَ بعضُ السلفِ: جمعَ اللهُ الطبَّ
كلَّهُ في نصفِ آيةٍ: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا}.
وقد قالتِ العربُ قديمًا : المعدةُ بيتُ
الداءِ ، والحميةُ رأسُ الدواءِ ، (حكمة شهيرة تُنسب للحارث بن كلدة)
المعدة بيت الداء: إشارة إلى أن الإفراط
في الطعام وتناول غير المناسب هو المسبب الرئيسي لمعظم الأمراض (البطنة أصل الداء)
الحمية: هي نوع من التداوي بخلو المعدة
أو الامتناع عن أطعمة محددة تزيد المرض، وهي نوعان: حمية للأصحاء للوقاية، وحمية للمرضى
للعلاج.
رأس الدواء: تعني أنها الأهم، والأعلى شأناً،
والأساس في الشفاء، حيث أن الامتناع عن أسباب المرض يُعد أفضل علاج.
تؤكد هذه الحكمة على أهمية الاعتدال في
الأكل والالتزام بنظام غذائي متوازن، كما جاء في الحديث الشريف الذي يوافق هذا المعنى:
"ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطن". واعلمْ أنَّ جسدَ الإنسانِ لا يستفيدُ إلا
بجراماتٍ معدودةٍ فقط مما يأكلُ ومما يشربُ ويتخلصُ منَ الباقي.
لذلك ينبغي على العبدِ أنْ يتوسطَ في الإنفاقِ
فقد قالَ – تعالى – مادحًا عبادَهُ المقتصدينَ: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ
يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقانِ: 67]. قالَ
ابنُ كثيرٍ – رحمهُ اللهُ -: “{وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ
يَقْتُرُوا}؛ أي: ليسوا بمبذِّرينَ في إنفاقِهِمْ، فيصرفونَ فوقَ الحاجةِ، ولا بخلاءَ
على أهليهِمْ، فيقصِّرونَ في حقِّهِمْ، فلا يكفونَهُمْ؛ بل عدلًا خيارًا، وخيرُ الأمورِ
أوسطُها، لا هذا ولا هذا ”.اهـ.
واعلمْ يا عبداللهُ أنكَ ستُسألُ عنْ هذا
النعيمِ في الآخرةِ قالَ تعالى: { ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ
} [التكاثرِ: 8]، قالَ ابنُ القيمِ – رحمهُ اللهُ -: “والنعيمُ المسئولُ عنهُ نوعانِ:
نوعٌ أُخذَ منْ حلِّهِ، وصُرفَ في حقِّهِ، فيسألُهُ عنْ شكرِهِ، ونوعٌ أُخذَ بغيرِ
حلِّهِ، وصُرفَ في غيرِ حقِّهِ، فيُسألُ عنْ مستخرجِهِ ومصرفِهِ” اهـ.( إغاثةِ اللهفانِ
منْ مصايدِ الشيطانِ).
فعليكَ بالوسطِ في طعامِكَ وشرابِكَ، حفاظًا
على سلامتِكَ وصحتِكَ، واستجابةً لنداءِ القرآنِ والسنةِ، فتفوزَ بسعادةِ العاجلِ والآجلِ،
وهكذا لوالتزمنا بكلِّ ما سمعناهُ، نكونُ منَ الفائزينَ في رمضانَ، الفرحينَ في الدنيا
والآخرةِ.
ما المستفاد ؟ {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ (183)}البقرة
عملياً:- {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)} البقرة