recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة خَصَائِصِ شَهْرِ رَمَضَانِ

 خَصَائِصِ شَهْرِ رَمَضَانِ  

 



إِنَّ الْحَـمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. صلى الله عليه وآله وسلم تسليمًا كثيرًا.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران:102].

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [سورة النساء :1].

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [سورة الأحزاب:70-71].

أَمَّا بَعْد:

فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كَلامُ اللهِ, وَخَيْرُ الْهَدْيِ, هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وَشَرّ الْأُمُور مُحْدَثَاتُهَا, وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ, وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

عباد الله؛ إن من نعمة الله سبحانه وتعالى العظيمة على عباده المسلمين أن أمدهم بالأعمار حتى أدركوا هذا الشهر المبارك، هذا الشهر المبارك الذي خصه الله سبحانه وتعالى بالبركات، وبالفضائل العظيمة، إنه لشهر عظيم مبارك، وإنها لنعمة عليك أيها المسلم أن يمد الله العمر حتى تدرك هذا الشهر وتدرك صيام وقيام هذا الشهر، والتقرب لله عز وجل في هذا الشهر العظيم، الشهر المبارك الذي خصه من بين سائر الشهور بالفضائل العظيمة والعديدة وخصه بأمور عظيمة تدل على بركة عظيمة في هذا الشهر المبارك.

فقد روى الإمام البخاري ومسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِذَا كَانَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ».

فالله سبحانه وتعالى يفتِّح أبواب الجنة ويُغلق أبواب النيران، ويسلسل الشياطين، وجاءت رواية عند النسائي وغيره: «وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ».

عباد الله نعمة عظيمة أن تُدرك هذا الشهر المبارك الذي فيه هذه الفضائل العظيمة، وهكذا أيضا شهرٌ خصَّه الله سبحانه وتعالى من بين سائر الأشهر بأن أنزل فيه القرآن وحيه وكلامه سبحانه وتعالى الذي فيه حياة القلوب وفيه النور وفيه الهدى إلى الصراط المستقيم، خصَّ الله هذا الشهر المبارك بأن أنزل فيه القرآن: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ [البقرة:185].

خصَّ الله هذا الشهر العظيم بليلة العبادة فيها خير من ألف شهر، أفضل من ثلاث وثمانين سنة، أجرها يتعاظم على عبادة ثلاث وثمانين سنة، وهي ليلة القدر: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ [القدر:1-3].

خصَّ الله هذا الشهر المبارك بهذه الليلة، وقد ذكر أهل العلم أن الله امتن بذلك على هذه الأمة حيث قصرت أعمارهم؛ فجعل الله لهم هذه الليلة المباركة يجتهدون فيها؛ فيبارك الله فيها أعمالهم في هذه الليلة المباركة التي الأعمال فيها خير من ألف شهر، فهذا الشهر المبارك خصه الله بهذه البركات، خصه الله عز وجل بأنه لا تخلو منه ليلة، إلا وفيه عتقاء من النار، كما روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي أمامة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ لِلهِ عز وجل عِنْدَ كُلِّ فِطْرٍ عُتَقَاءَ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ»، أي: عتقاء من النار في كل ليلة، يعتق الله رقابًا من النار في هذا الشهر المبارك.

وهكذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في &الصحيحين& من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قَالَ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ».

«وقَالَ اللهُ تعالى: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» متفق عليه عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه.

وفي الصحيحين عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَا مِنْ حَسَنَةٍ عَمِلَهَا ابْنُ آدَمَ إِلَّا كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ».

فبركات عظيمة في هذا الشهر ينبغي للمسلم أن يستشعر مثل هذه البركات العظيمة التي امتن الله بها على المؤمنين، وفي &الصحيحين& من حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَدْخُلُونَ مِنْهُ، فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُمْ، أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ».

خصَّ الله عز وجل هذا الشهر بباب في الجنة باب الريان إنها لنعمة عظيمة، هذا الشهر المبارك عمِّره يا عبد الله بطاعة الله سبحانه.

أدِّ ما أوجبه الله عليك من صيامه، فإياك أن تتساهل في إفطار يوم من هذا الشهر المبارك؛ فإنها كبيرة من كبائر الذنوب، روى الإمام الحاكم في مستدركه من حديث أبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يَقُولُ: «ثُمَّ انْطَلَقَ بِي فَإِذَا أَنَا بِقَوْمٍ مُعَلَّقِينَ بِعَرَاقِيبِهِمْ مُشَقَّقَةُ أَشْدَاقُهُمْ تَسِيلُ أَشْدَاقُهُمْ دَمًا، قَالَ: قُلْتُ: «مَنْ هَؤُلَاءِ؟

قال : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُفْطِرُونَ قَبْلَ تَحِلَّةِ صَوْمِهِمْ».

مُعَلَّقِينَ بِعَرَاقِيبِهِمْ مُشَقَّقَةُ أَشْدَاقُهُمْ تَسِيلُ أَشْدَاقُهُمْ دَمًا؛ هذا بسبب أنه أفطر قبل أن يكمل اليوم، فكيف بمن انتهك حرمة ذلك اليوم من أوله وأفطر، ولم يصم لله سبحانه وتعالى، مقترفا لذنب عظيم ولكبيرة من كبائر الذنوب، فعلى المسلم أن يحرص على صيام هذا الشهر محتسبًا الأجر من الله مؤمنا بفرضيته عليه ففي الصحيحين عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».

أين المذنبون الذين أسرفوا على أنفسهم؟ هذه نعمة الله قد حلت، وهذا الصيام قد أدركته فصم لله عز وجل هذا الشهر مؤمنا بفرضيته محتسبا الأجر تُغفر لك ذنوبك، تُغفر الذنوب التي اقترفتها هذه السنة إلا أن تكون كبيرة فعليك أن تستغفر الله منها، ففي صحيح مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ».

فهذه البركات قد حلت في هذا الشهر المبارك عليك بصيامه أيها المسلم محتسبا الأجر والمثوبة من الله سبحانه، روى الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا بَاعَدَ اللهُ، بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا».

انظر إلى فضيلة الصيام في يوم واحد، تتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى؛ فكيف بصيام هذا الشهر كله؛ فإن أجر الله عظيم، وإن فضل الله واسع، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول كما في الصحيحين عن أَبِي هُرَيْرَةَ: «الصيام جُنة».

وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عثمان بن أبي العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «الصِّيَامُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ كَجُنَّةِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْقِتَالِ».

الصيام حاجز بينك وبين عذاب الله، بينك وبين نار جهنم، الصيام عباد الله يُذهب عنك وساوس الشيطان وخطراته وأحقاد القلوب وضغائنه، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يَقُولُ: «صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ، وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، يُذْهِبْنَ وَحَرَ الصَّدْرِ».

هذا يُذهب الله به وحر القلوب ووحر الصدور، يتقرب الإنسان بالصوم إلى الله سبحانه وتعالى لا مُطلِّع عليه ولا رقيب، وإن أفطر فيما بينه وبين نفسه؛ فلن يطلع على ذلك الناس، ولكنه يراقب الله سبحانه وتعالى؛ فكانت عبادةً خالصةً لله سبحانه وتعالى لا رقيب ولا عتيد عليك إلا الله سبحانه وتعالى، المطلع عليك هو الله سبحانه وتعالى فعند ذلك أيها المسلم بإخلاصك لهذه العبادة خصك الله بالأجر العظيم الذي لم يخبرنا الله بمضاعفاته العظيمة، وأخبرنا بمضاعفة سائر الأعمال بأن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف إلا الصوم فخص الله المضاعفات، ولم يخبرنا بالمضاعفات لعظمها وعظم أجرها، فقال : «إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به».

ومعنى قوله: «فإنه لي» أي أن الإنسان إذا أخلص لله في هذه العبادة حيث أنه يستطيع أن يُفطر سرًّا من الناس، ولكنه أخلص لله وأراد الأجر من الله فكتم الله ذلك الأجر العظيم: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر:10].

فعلى المسلم عباد الله أن يحتسب الأجور العظيمة في صيامه، ويتقرب إلى الله بهذه العبادة العظيمة، وهكذا يتقرب إلى الله بقيام هذا الشهر المبارك الذي امتن الله به على المسلمين، وجعل قيام هذا الشهر مغفرة للذنوب، كما روى الإمام البخاري ومسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، إيمانا بشرعيته وإيمانا بأنها فضيلة من الفضائل، وعبادة من العبادات التي أمرنا الله تعالى بها، وشرعها الله لنا.

وهكذا احتسابا للأجور من الله، ومن وافق ليلة القدر وأقامها أيضا يُغفر له ما تقدم من ذنبه كما في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قَالَ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».

فاحرص أيها المسلم على قيام هذا الشهر، واحرص على أن لا يفوتك يوم من الأيام من قيام هذا الشهر المبارك، تصلي مع الإمام في الجماعة ففضلها عظيم، فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، كَتَبَ اللهُ لَهُ قِيَامَ لَيْلَةٍ»، رواه الإمام النسائي عن أبي ذر رضي الله عنه.

فاحرص أيها المسلم على قيام هذا الشهر المبارك، واحرص على التقرب إلى الله تعالى بالقيام، عبادة القيام التي هي أحب الصلوات إلى الله بعد الفريضة، روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ، بَعْدَ الْفَرِيضَةِ، صَلَاةُ اللَّيْلِ».

وهكذا احرص أيها المسلم أن تجتهد على قيام الليل؛ فإذا فاتك يوم فعليك أن تقضيه في النهار حتى لا يفوتك هذا الأجر العظيم، فقد روى الإمام مسلم ؒ في صحيحه عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم «كَانَ إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مِنَ اللَّيْلِ مِنْ وَجَعٍ، أَوْ غَيْرِهِ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً».

فعلينا أن نحرص على عبادة الصيام وعبادة القيام، وأن نحث من استطعنا من قرابتنا وإخواننا المسلمين، نحثهم على هذه البركات العظيمة في هذا الشهر المبارك، نسأل الله أن يعيننا على شكره، وذكره، وحسن عبادته.

 الخطبة الثانية 

إنَّ الْحَمْدَ لله، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بهِ مِنْ شُرُورِ أنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيئاتِ أعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ الله فَلَا مُضِل لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ، فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأشْهَدُ أنْ لَا إِلهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صلى الله عليه وسلم تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

أيها المسلم: قد منَّ الله عليك بإدراك الشهر العظيم، شهر رمضان، فعليك أن تتقرب في هذا الشهر المبارك بسائر القربات التي يحبها الله سبحانه وتعالى، ومن أعظم ذلك الصدقات.

ففي ”الصحيحين“ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَلْقَاهُ، فِي كُلِّ سَنَةٍ، فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ».

عليك أيها المسلم أن تنفق مما أعطاك الله سبحانه وتعالى في هذا الشهر المبارك، وأن تتفقد إخوانك المسلمين من الفقراء والمساكين واليتامى والأرامل، وأن تتفقد أقاربك، وأن تتفقد جيرانك.

عليك أيها المسلم أن تتفقدهم أجمعين بقدر استطاعتك، وبقدر ما يسره الله لك، فعلى المسلم أن لا ينظر إلى نفسه وحسب «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» متفق عليه عن أنس رضي الله عنه.

كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فعلى المسلمين أجمعين أن يحرصوا على هذه العبادة العظيمة الجليلة وهي الصدقات في سبيل الله التي تنطفئ بها الخطايا كما يطفئ الماء النار، كما روى الإمام الترمذي وغيره عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ».

فالصدقات أجورها عظيمة، ويكون الإنسان في ظل صدقته يوم القيامة الناس في غم وهم، وفي كرب لا يطاق من تلك الحرارة العظيمة في دنو الشمس من الخلائق، كما روى الإمام أحمد والحاكم وغيرهما من حديث عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يَقُولُ: «كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ - أَوْ قَالَ: يُحْكَمَ بَيْنَ النَّاسِ -». قَالَ يَزِيدُ: وَكَانَ أَبُو الْخَيْرِ لَا يُخْطِئُهُ يَوْمٌ إِلَّا تَصَدَّقَ فِيهِ بِشَيْءٍ وَلَوْ كَعْكَةً أَوْ بَصَلَةً. انظروا عباد الله: وَلَوْ بكَعْكَةً أَوْ بَصَلَةً بعد أن سمع هذا الحديث العظيم، «كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ - أَوْ قَالَ: يُحْكَمَ بَيْنَ النَّاسِ».

عبد الله؛ لا تحتقر صدقة، وإن كانت قليلة فقد ينفع الله بها ذلك المسلم المحتاج، وينفعك الله سبحانه، وتزيل عنه كربة، فيزيل الله عنك كربات يوم القيامة، ففي صحيح مسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ».

وفي  الصحيحين  عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: -وذكر منهم- وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ».

أيها المسلم؛ إن الصدقة لن تنقص عليك مالك، بل والله يبارك الله في المال، وتزداد فيه البركات العظيمة، ورى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ، إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ».

ويقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾ [سبأ:39].

هذا وعد من الله أن من أنفق في سبيل الله أن الله سيخلفه، وفي &الصحيحين& عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ، إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا».

أي: البخيل الممسك للمال يدعو عليه بتلف أمواله، وانظر إلى استجابة الله لهذين الملكين، فكم من أناس ينفقون أموالهم في سبيل الله، فيخلفهم الله ويبارك الله لهم في أموالهم، وكم من أناسٍ بخلاء يمسكون فيتلف الله أموالهم، يتلفها بالمصائب والأمراض يتلفها بالفتن والقتال، وفيما لا ينفعهم عند الله سبحانه؛ استجابة لهذين الملكين الذي ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وأحدهم يقول: «اللهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا».

ولذلك قال الله سبحانه: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة:261].

فلا تحتقر صدقة صغيرة كانت أو كبيرة بقدر ما تستطيع أيها المسلم، روى الإمام البخاري ومسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلاَ يَصْعَدُ إِلَى اللهِ إِلَّا الطَّيِّبُ، فَإِنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فُلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ».

انظر أيها المسلم وتدبر هذا الحديث بما يعادل تمرة من الكسب الطيب لا من الحرام ولا من الكسب الخبيث، هذه صدقة بعدل تمرة، فما بالكم بمن ينفق في سبيل الله الأموال الكثيرة!

ما بالكم بمن يتصدق ويكفل اليتامى والأرامل والمساكين والمحتاجين، في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَالَ: «السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ، كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ - وَأَحْسِبُهُ قَالَ - وَكَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ، وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ».

هذه فضيلة عظيمة شبهه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالمجاهد في سبيل الله، وفي الصحيحين عن سهل بن سعد وأَبِي هُرَيْرَةَ بألفاظ متقاربة أن رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَأَنَا وَكَافِلُ

اليَتِيمِ فِي الجَنَّةِ هَكَذَا» وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى، وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا.

فإن الصدقات عظيمة عباد الله، ويرفع صاحبها درجات عند الله يوم القيامة، ويفرج الله عنه الكربات الكثيرة بصدقته تلك، وإن قلت أو كثرت.

ولا ينبغي لمسلم أن يحتقر عملا صالحا وإن قل، فقد روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث أَبِي مَسْعُودٍ رضي الله عنه، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ، كُنَّا نُحَامِلُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ، فَقَالُوا: مُرَائِي، وَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ، فَقَالُوا: إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَاعِ هَذَا، فَنَزَلَتْ: ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [التوبة:79].

فأنفق مما يسره الله عليك مما قل أو كثر يبارك الله سبحانه وتعالى، تفقد جيرانك، وتفقد رحمك، «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ» «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ»، «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ». متفق عليه عن أَبِي هُرَيْرَةَ وعن أبي شريح الخزاعي رضي الله عنهما.

وروى الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللهُ».

وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»، متفق عليه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وهكذا قال النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ»، يَعْنِي: قَاطِعَ رَحِمٍ، متفق عليه من حديث جبير بن مُطعم.

تفقد جيرانك وأقاربك وعلى رأسهم والداك وأولادك لأنها أجور عظيمة، وهذا واجب من واجبات الدين أن يُكرم الإنسان والديه: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء:23-24].

والداك وأرحامك أحق بإحسانك، وهكذا جيرانك أحق بإحسانك، وهكذا جميع المسلمين هم الحق بإحسانك، لا سيما من نُكب بنكبة أو أصيب بمصيبة، فكم من المسلمين نُكبوا وأُخرجوا من ديارهم إلى خارج ديارهم وبيوتهم فعلى المسلمين أن يتعاونوا معهم: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [المائدة:2].

وفي صحيح مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»، فعلينا عباد الله أن نُقبل على العبادات والطاعات وأن نتقرب إلى الله عز وجل في هذا الشهر المبارك.

وهكذا أيضا نُكثر من تلاوة القرآن آناء الليل وآناء النهار، وهكذا أيضا نُكثر من ذكر الله عز وجل من تسبيح وتحميد وتهليل وتكبير، وأن نحتسب الأجر والثواب من الله تعالى ولا تكن همتنا في هذا الشهر إلا أن نخرج منه مغفورًا لنا.

روى الإمام ابن حبان عن أَبِي هُرَيْرَةَ وهكذا جاء عن أنس وعن غيره أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: «آمِينَ آمِينَ آمِينَ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ حِينَ صَعِدْتَ الْمِنْبَرَ قُلْتَ: «آمِينَ آمِينَ آمِينَ» قَالَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي، فَقَالَ: مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ وَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ، وَمَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يَبَرَّهُمَا، فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ، وَمَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ».

تدبر هذه الدعوات المباركة من الأمين جبريل عليه السلام وأمَّنَ عليها الأمين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

فمحروم من خرج من هذا الشهر المبارك وقد ضيَّعه بالمعاصي والملذات والمحرمات، سمر على المعاصي وعلى ما يُسخط الله تعالى، وهكذا ربما نام عن الصلاة المكتوبة، فلم يستفد من صيام ولا من قيام، ولم يستفد من صيامه إلا الجوع والعطش.

روى الإمام أحمد في مسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ».

وفي صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ».

فاحذر أيها المسلم على نفسك أن تقترف كبائر الذنوب وأن تصر على صغائر الذنوب فيذهب الله عز وجل عليك أجر الصيام، بل حافظ على طاعة الله سبحانه وتعالى، واجعل ليلك ونهارك في طاعة الله من ذكره وشكره، ومن العبادات التي تتقرب بها إلى الله تعالى.

وابتعد عن المعاصي والذنوب والسباب والشتام لإخوانك المسلمين، «إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، فَإِنِ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ».

فلا يخاصم المسلمين ولا يسبهم؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»، متفق عليه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

فعلينا عباد الله أن نُقبل على ما ينفعنا، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ».

علينا أن نُقبل على عبادة الله سبحانه وعلى ذكره وعلى دعائه، علينا أيضا أن لا نغفل عن الدعاء في هذه الليالي المباركة أن يمحق الله الظالمين وأن يمحق الكافرين الذين أفسدوا في أوساط المسلمين.

 

 

google-playkhamsatmostaqltradent