رمضان شهر الارادة والجود
رمضان شهر الإرادة ( يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ )
رمضان شهر الجود والكرم
الصوم حكمه وفضله
الحمد لله الذي خلق الشهور والأزمان نحمده أن بلغنا شهر رمضان وجعلنا ممن شهد الشهر فحزنا شرف الزمان ونسأله ان يصفد عنا الشيطان وان يغلق في وجوهنا أبواب النيران وأن يفتح لنا ابواب الجنان وان يعتق فيه رقابنا ويمحنا الأمان والرضوان وأن يدخلنا من باب الريان
وأشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ الكبيرُ وأشهد
أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الرحيم الرحمن , علم القرآن؛ خلق الإنسان علمه
البيان فهوالْكَرِيمِ الْمَنَّانِ؛ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ فِي رَمَضَانَ هُدًى لِّلنَّاسِ
وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ
وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، رسول
الملك الديان خيرُ مَن صام رمضان «كَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ
فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ
رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ» سيدنا رسول الله سيّد
الأنام عظيمُ الشأن رقيق الجنان، قامَ راغباً فصَلَّى لربِّه بإتقانٍ وقرأَ ودرس القرآن
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد النبي الامي
سيد ولد عدنان عظيم القدر والشان صلاة تعم الأكوان وتنصرنا بها على أهل الظلم والطغيان
وتعافي بها الأرواح والابدان وتدخلنا بها فردوسك أعلي الجنان وعلى آله وصحبه ومن تبعهم
بإحسان صلاة مفتوقة بعبير المسك والريحان، دائمة بدوام ملك الله الكريم المنان
أما بعد
ففقد دخلنا في أوئل ايام شهر رمضان وهو
شهر فريضة الصيام وسن لنا فيه رسول الله صلاة القيام وهو شهر تعتق فيه الرقاب من النار
وتتزين فيه الجنة من ادي الصيام وتغفر فيه الذنوب والآثام
قال تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ
فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ
شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ
مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ[البقرة:185].
عباد الله : رمضان خمسة أحرف
وقال أهل الأثر الراء: رضوان الله، والميم:
محاباة الله عن العصاة، والضاد: ضمان الله، والألف: ألفة الله، والنون: نور الله، فهو
شهر رضوان ومحاباة وضمان وألفة ونوال وكرامة للأولياء والأبرار
وقيل الراء رحمة والميم مغفرة والضاد ضمان
الجنة لمن صام والألف أمان من النار لأهل الصيام والقيام والنور نور لعباده اذا جاء
العيد
فمثل شهر رمضان في الشهور كمثل القلب في
الصدور، وكالأنبياء في الأنام، وكالحرم في البلاد، فالحرم يمنع منه الدجال اللعين،
وشهر رمضان تصفد فيه مردة الشياطين، والأنبياء شفعاء للمجرمين، وشهر رمضان شفيع للصائمين،
والقلب مزين بنور المعرفة والإيمان، وشهر رمضان مزين بنور تلاوة القرآن، فمن لم يغفر
له في شهر رمضان ففي أي شهر يغفر له، وليبك قبل أن يقضي وقت البكاء والرحمة.
أولاً : رمضان شهر الإرادة ( يَا بَاغِيَ
الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ )
ان رمضان شهر الارادة والصب روي الإمام
الحاكم في المستدرك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله
عليه وسلم: «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ،
وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ،
وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجِنَانِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَنَادَى مُنَادٍ
يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ
مِنَ النَّارِ» هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ورواه الترمذيُ وابنُ
ماجه والنسائيُ
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((نادى
فيه ملك: يا باغي الخير أبشر، ويا باغي الشر أقصر)): يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ هَلُمَّ
وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ انصرف
((نادى منادٍ)): أَي: ملك ينادى من قبل الله
وان كنا نسمع صوته الا أننا نلمس أثره في قلب كل من باغيا للخير وأراد الله به الخير .
وقال الحافظ السيوطي رحمه الله ((يا بَاغي
الخير))؛ أي: طالبه، ومريده ((أقبل)): أي: فهذا وقت تَيَسُّرِ العبادة، وحَبْسِ الشياطين،
وَكَثْرَةِ الإعتاق من النَّار، فاغتنِمه. ومن دُعي فأجاب ومن أجاب دعاءه تعيّن عليه
الثواب
وقوله: ((ويَا باغي الشَّر أقصر)): فهذا
زمن قبول التوبة والتوفيق للعمل الصَّالح اهـ.
عباد الله : إِنَّنَا بَيْنَ يَدَيْ مَوْسِمٍ
مِنْ مَوَاسِمِ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ، اخْتَصَّهُ اللهُ بِمَا شَاءَ مِنْ فَضْلِهِ
وَكَرَمِهِ، فَأَنْزَلَ فِيهِ خَيْرَ كُتُبِهِ عَلَى أَفْضَلِ رُسُلِهِ.
فعلينا عَقْدُ الْعَزْمِ الصَّادِقِ عَلَى
اغْتِنَامِهِ وَعِمَارَةِ أَوْقَاتِهِ بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فَمَنْ صَدَقَ اللهَ
صَدَقَهُ وَأَعَانَهُ عَلَى الطَّاعَةِ وَيَسَّرَ لَهُ سُبُلَ الْخَيْرِ، قَالَ اللهُ
-عز وجل-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ)
[التوبة: 119].
فَأَضْمِرْ فِي نَفْسِكِ النِّيَّةَ الصَّادِقَةَ،
وَالْعَزِيمَةَ الْمَاضِيَةَ لِاسْتِغْلَالِ رَمَضَانَ، ثُمَّ خَطَّطْ وَابْدَأْ مِنْ
أَوِّلِ رَمَضَانَ وَأَبْشِرْ بِالْخَيْرِ.
ولا تجهد نفسك في أوله فتفتر في آخره واخره
خير من أوله فنكون كالمَنْبَتَ المُنْقَطِعَ المُتَخَلِّفَ عَن رِفْقَتِهِ لِكَوْنِهِ
أَجْهَدَ دَابَّتَهُ في أول الطريق حَتَّى أَعْيَاهَا أَو عَطِبَتْ، وَلَم يَقْضِ وَطْرَهُ،
لا هُوَ قَطَعَ الأَرْضَ التي قَصَدَهَا، ولا هُوَ أَبْقَى ظَهْرَهُ يَنْفَعُهُ أي
لم تبقي دابته أو سيارته سليمه
وعلَيْنَا أَنْ نَسْتَقِبَلَهُ بالإرادة وبِالْعَزْمِ عَلَى تَرْكِ الآثَامِ وَالسَّيِّئَاتِ وَالتَّوْبَةِ الصَّادِقَةِ مِنْ
جَمِيعِ الذُّنُوبِ، وَالإِقْلَاعِ عَنْهَا وَعَدَمِ الْعَوْدَةِ إِلَيْهَا، فَهُوَ
شَهْرُ التَّوْبَةِ فَمَنْ لَمْ يَتُبْ فِيهِ فَمَتَى يَتُوبُ؟ قَالَ اللهُ -تعالى-:
(وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)
[النــور: 31].
فَأَكْثِرواْ مِنْ هَذَا الدُّعَاءِ: اَللَّهُمَّ
أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، فَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ
- رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لَهُ:
"أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ: لَا تَدَعَنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولُ: اَللَّهُمَّ
أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ"[رَوَاهُ أَحْمَدُ،
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِسَنَدٍ قَوِيٍّ].
وان من ابتغاء الخير في شهر رمضان الحرص
علي الدعاء وقد توسطت ايه الأمر بالدعاء ايات الصيام الأربعة
وإن لكل عبد صَائِم دَعْوَة مستجابة عِنْد
إفطاره اعطيها فِي الدُّنْيَا أَو ذخر لَهُ فِي الْآخِرَة
أخرج ابن ماجه في السنن عن عبد الله بن
عمرو رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ لَلصَّائِمِ
دَعْوَةً مَا تُرَدُّ» فَكَانَ ابْن عمر رضي الله عنهما يَقُول عِنْد إفطاره يَا وَاسع
الْمَغْفِرَة اغْفِر لي
روي الطبراني في الدعاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ
مُسْتَجَابَاتٌ: دَعْوَةُ الصَّائِمِ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ
" البزَّارُ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ أُمَّتِي لَنْ تُخْزَى أَبَدًا مَا أَقَامُوا
شَهْرَ رَمَضَانَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا خِزْيُهُمْ
مِنْ إِضَاعَةِ شَهْرِ رَمَضَانَ؟ ، قَالَ: انْتِهَاكُ الْمَحَارِمِ فِيهِ ، فَمَنْ
عَمِلَ سُوءًا، أَوْ زَنَى أَوْ شَرِبَ خَمْرًا، لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنْهُ شَهْرَ
رَمَضَانَ، وَلَعَنَهُ الرَّبُّ وَمَلَائِكَةُ السَّمَاءِ إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الْحَوْلِ،
فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَلْيُبَشَّرُ بِالنَّارِ، فَأَقِيمُوا
شَهْرَ رَمَضَانَ، فَإِنَّ الْحَسَنَاتِ تُضَاعِفُ فِيهِ مَا لَا يُضَاعَفُ فِيمَا
سِوَاهُ، وَكَذَلِكَ السَّيِّئَاتُ " المعجم الأوسط للطبراني
قيل: إن سيد البشر آدم عليه السلام، وسيد
العرب محمد صلى الله عليه وسلم، وسيد الفرس سلمان، وسيد الروم صهيب، وسيد الحبش بلال،
وسيد القرى مكة، وسيد الأودية وادي بيت المقدس، وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الليالي
ليلة القدر، وسيد الكتب القرآن، وسيد القرآن البقرة آية الكرسي، وسيد الأحجار الحجر
الأسود، وسيد الآبار زمزم، وسيد العصى عصا موسى، وسيد الحيتان الحوت الذي كان يونس
عليه السلام -في بطنه، وسيد النوق ناقة صالح، وسيد الأفراس البراق، وسيد الخواتم خاتم
سليمان عليه السلام، وسيد الشهور شهر رمضان
يقول الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله:
" إذا دعوت الله أن يبلغك رمضان فلا تنس أن تدعوه أن يبارك لك فيه, فليس الشأن
في بلوغه! وإنما الشأن ماذا ستعمل فيه؟!!! لأنك إذا وُفِّقت فيه لعمل صالح فإنك تسبق
الجميع إلى الجنة حتى الشهيد
.
روي الإمام أحمد في مسنده عن طلحة بن عبيد
الله رضي الله عنه ( أنَّ رَجُلَيْنِ من بَلِيٍّ قَدِما على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ
عليه وسلَّمَ، وكان إسلامُهما جَميعًا، وكان أحَدُهما أشَدَّ اجتِهادًا مِن صاحِبِه،
فغَزا المُجتَهِدُ منهما، فاستُشهِدَ، ثم مَكَثَ الآخَرُ بَعدَه سَنةً، ثم تُوُفِّيَ،
قال طَلحةُ: فرأيتُ فيما يَرى النَّائِمُ كأنِّي عِندَ بابِ الجَنَّةِ إذا أنا بهما
وقد خرَجَ خارِجٌ مِنَ الجَنَّةِ، فأذِنَ للذي تُوُفِّيَ الآخِرَ منهما، ثم خَرَجَ
فأذِنَ للذي استُشهِدَ، ثم رَجَعا إليَّ فقالا لي: ارجِعْ؛ فإنَّه لم يَأْنِ لكَ بَعدُ.
فأصبَحَ طَلحةُ يُحدِّثُ به الناسَ، فعَجِبوا لذلك، فبلَغَ ذلك رَسولَ اللهِ صلَّى
اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال: مِن أيِّ ذلك تَعجَبونَ؟ قالوا: يا رَسولَ اللهِ، هذا كان
أشَدَّ اجتِهادًا، ثم استُشهِدَ في سَبيلِ اللهِ، ودخَلَ هذا الجَنَّةَ قَبلَه. فقال:
أليس قد مَكَثَ هذا بَعدَه سَنةً؟ قالوا: بلى. وأدرَكَ رَمَضانَ فصامَه؟ قالوا: بلى.
وصلَّى كذا وكذا سَجدةً في السَّنةِ؟ قالوا: بلى قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه
وسلَّمَ: فلَمَا بَينَهما أبعَدُ ما بَينَ السَّماءِ والأرضِ"(أحمد بسند حسن)
فمع أنهما أسلما في يوم واحد ومات الأول
شهيداً ، إلا أن تأخير موت الآخر سنة جعله سابقا للشهيد إلى الجنة لأنه أدرك شهرا من
رمضان زيادة على صاحبه وبارك الله له فيه.
التزموا فيه بصلاة الجماعة فقد روي أن رجلا
دخل مسجد رسول الله –صلى الله عليه وسلم – على حين كان الناس يخرجون منه، فتسائل الرجل:
لماذا يخرج الناس قبل أن أصلى؟ فقال له أحد المصلين: قد أقيمت صلاة الجماعة وفرغنا
منها، فقال: لقد جئت متأخرا!!! عند ذلك انطلقت من الرجل آهة تمزقت منها روحه، وحملت
رائحة من دم قلبه، فقال له رجل: يا أخي هون عليك، هب لي تلك الآهة وصلاتي لك، فقال
وهبتها لك وقبلت الصلاة، فلما جاء الليل قال له هاتف في الرؤيا: لقد اشتريت جوهر الحياة
وشفاء الروح، فبحرقة هذه الآهة، وبصدق هذا الندم، قبلت صلاة الناس كافة.
فعلينا أن نفتح صفحة بيضاء مع الرسول صلى
الله عليه وسلم بطاعته فيما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر. علينا أن نفتح صفحة بيضاء
مع الوالدين والأقارب، والأرحام والزوجة والأولاد بالبر والصلة.
عباد الله علينا أن نفتح صفحة بيضاء مع
المجتمع الذي نعيش فيه
علينا أن نعمل على سلامة الصدر مع المسلمين
قبل رمضان
روي الامام احمد الطبراني في الكبير عن
أبي أمامة وجابر- رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن لله عند
كل فطر عتقاء وذلك في كل ليلة.
فينبغي لمن يؤمن بأن رمضان شهر العتق من
النيران أن يأتي بأسباب توجب العتق من النار، وهي متيسرة في هذا الشهر الكريم.
فالمغفرة والعتق من النار كل منهما مرتبًا
على صيام رمضان وقيامه.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ ﷺ: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا
غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ . رواه البخاري
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ ﷺ: مَن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر
له ما تقدَّم من ذنبه. متَّفق عليه
فهذا عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- يستعد
لرمضان فأنار المساجد بالقناديل، فكان أول من أدخل إنارة المساجد، وأول من جمع الناس
على صلاة التراويح في رمضان، فأنارها بالأنوار وبتلاوة القرآن، حتى دعا له الإمام علي
-رضي الله عنه –بسبب ذلك.
عن أبى إسحاق الهمداني قال : خرج على بن
أبى طالب في أول ليلة من رمضان والقناديل تزهر وكتاب الله يتلى في المساجد، فقال:”
نور الله لك يا ابن الخطاب في قبرك كما نورت مساجد الله بالقرآن”
هذه هي فرصة رمضان، فأيُ رمضانٍ يكونُ رمضانك؟!
وتلك هي نعمة رمضان، فماذا أنت فاعل؟! وماذا أنت صانع؟!
ولله در القائل
أتى رمضانُ مزرعةُ العبادِ… لتطهيرِ القلوبِ
من الفسادِ
فأدِّ حقوقَهُ قولاً وفعلاً … وزادكَ فاتَّخذهُ
للمَعَادِ
فمن زَرَع الحبوبَ وما سَقَاها…تأوَّهَ
نادِما يومَ الحصَادِ
ان الصيامُ يُصلِح النفوسَ، ويدفع إلى اكتساب
المحامد والبُعد عن المفاسد. به تُغفر الذنوبُ، وتُكفَّر السيئات، وتزدادُ الحسنات
نعم يا عبد الله، رمضانُ سببٌ لتكفير الذنوب
والسيئات إلا الكبائر، وعن أَبي هُريرة أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الصَّلواتُ الخَمْسُ، والجُمُعةُ
إِلى الجُمُعَةِ، كفَّارةٌ لِمَا بَيْنهُنَّ، مَا لَمْ تُغش الكبَائِرُ رواه مسلم.
رواه مسلم
عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال قالَ
عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عنْه: أيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
عليه وسلَّمَ عَنِ الفِتْنَةِ؟ قالَ: قُلتُ: أنا أحْفَظُهُ كما قالَ، قالَ: إنَّكَ
عليه لَجَرِيءٌ، فَكيفَ؟ قالَ: قُلتُ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ في أهْلِهِ، ووَلَدِهِ، وجارِهِ،
تُكَفِّرُها الصَّلاةُ، والصَّدَقَةُ والمَعْرُوفُ. متفق عليه
ثانيا : رمضان شهر الكرم والجود
عباد الله: يأتي شهر رمضان ليعلمنا كيف
نتغلب على خصلة ذميمة، إن تأصلت فى النفس كانت مصيبة على صاحبها، ذلك هو البخل والشح،
فيأتى رمضان بالكرم، كرم النفس وكرم الطبائع، وكرم المال
تعريف الجود: هو سعة العطاء وكثرته.
أولا: الله جواد كريم
وهو صفة من صفات الله تعالى، فهو الموصوف
بالجود الكامل عن تمام غنىً. ففي حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن النبي - صلى
الله عليه وسلم - : (إن الله جواد يحب الجود، كريم يحب الكرم) رواه الترمذي.
وروى الترمذي أيضًا من حديث أبي ذرٍ رضي
الله عنه: (... وَلَوْ أَنّ أَوّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَحَيّكُمْ وَمَيّتَكُمْ وَرطْبَكُمْ
وَيَابِسَكُمْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَشْقَى قَلْبِ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي مَا نَقَصَ ذَلِكَ
مِنْ مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَلَوْ أَنّ أَوّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَحَيّكُمْ وَمَيّتَكُمْ
وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمْ اجْتَمَعُوا في صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلَ كلّ إِنْسَانٍ
مِنْكُمْ مَا بَلَغَتْ أُمْنِيّتُهُ، فَأَعْطَيْتُ كلّ سَائِلٍ مِنْكُمْ، مَا نَقَصَ
ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي إِلاَ كَمَا لَوْ أَنّ أَحَدَكُمْ مَرّ بِالبَحْرِ فَغَمَسَ فِيهِ
إِبْرَةً ثُمّ رَفَعَهَا إِلَيْهِ ذَلِكَ بِأَنّي جَوَادٌ وَاجِدٌ مَاجِدٌ أَفْعَلُ
مَا أُرِيدُ، عَطَائي كلامٌ وَعَذَابِي كلامٌ، إِنّمَا أَمْرِي لِشَيءٍ إِذَا أَرَدْتُه
أَنْ أَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وروى الفضيل بن عياض، أن الله تعالى يقول
كل ليلة: "أنا الجواد ومني الجود، أنا الكريم ومني الكرم".
فالله سبحانه هو أكرم الأكرمين وأجود الأجودين..
وقد ذكر أهل العلم أنه سبحانه يضاعف جوده على عباده في الأوقات الفاضلة، كما في يوم
عرفة ويوم النحر، وعشر ذي الحجة وغيرها من مواسم الخيرات والتي من أخصها شهر رمضان
الذي أنزل فيه: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ
الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)(البقرة:186).
ثانياً: جود رسول الله صلى الله عليه وسلم
روى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله
عنهما قال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجْوَدَ
النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ،
وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ
اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ".
وفي رواية أحمد زيادة "لا يسأل عن شيء إلاَّ أعطاه".
واذا كان الجود والكرم من الصفات المحمودة
فى الناس فإن النبى صلى الله عليه وسلم قد بلغ غايتها، حتى ما سُئِلَ رسولُ الله -
صلَّى الله عليه وسلَّم - على الإسلام شيئًا إلا أعطاه،
روي مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: (مَا
سُئِلَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَىَ الإِسْلاَمِ شَيْئاً
إِلاَّ أَعْطَاهُ، قَالَ: فَجَاءهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَماً بَيْنَ جَبَلَيْنِ،
فَرَجَعَ إِلَىَ قَوْمِهِ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا، فَإِنَّ مُحَمَّداً يُعْطِي
عَطَاءً لاَ يَخْشَى الْفَاقَةَ)..
قال الشافعيُّ - رحمه اللّه - : أحبُّ للرّجل
الزّيادة بالجود فى رمضان، اقتداءً برسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم -، ولحاجة
النّاس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثيرٍ منهم بالصّوم والصّلاة عن مكاسبهم.
ثالثاً: الجود مطلوب للصائم
إن الصّائم ببذله وعطائه إنما يُقرض ربَّه
ليوم فقره وحاجته، يوم الفقر والمسكنة.
ولا يعنى الأمر بالكرم والبذل أن يبذل الإنسان
كل ماله، أو أن يتكلف فى إكرام غيره بما يأتى على ماله كله، إن الامر بالإكرام تدريب
على الجود والكرم الذى لم يتعود عليه بعض فشربة ماء، ومزقة لبن، وتمرات يسيرات، وقليل
من الطّعام والمال، يُسديها الصائم إلى محتاج قد تكون الطريق إلى الجنّة، فضلا عما
يعود على المنفق الكريم من نفع فى الدنيا، فلا يحفظ المال مثل الصّدقة، ولا يزكى المال
مثل الزكاة، ولا يبارك فى العمر كالعطاء، وكم من الناس من ضمتهم القبور، وقد خلفوا
وراءهم الأموال والقصور فلم تفدهم أموالهم إلا الحسرة والندامة لما بخلوا بها على خلق
الله.
يقول رجل للنبى صلى الله عليه وسلم . ليس
كلنا يجد ما يفطر الصائم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعطى الله تعالى هذا
الثواب من فطر صائما على تمرة أو شربة ماء أو مزقة لبن. ففى هذا التيسير دعوة مؤكدة
للتدريب على إكرام والجود والإحسان إلى الغير ولو بأقل القليل.
إنّ رمضان يدعو الصائمين للبذل والعطاء،
ورحمة الفقراء والمساكين، وهى دعوة فى ذات الوقت لينفع نفسه ليُقرض ربَّه فى الدّنيا
فيُكرم بقرضه يوم يلقاه: { إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ
وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ}.
والجود والكرم يكون فى القلب قبل اليد،
كما أن الغنى والفقر يكون فى النفس قبل اليد، ليس الغنى عن كثرة العرض لكن الغنى غنى
النفس.
وإذا كان الكريم يرفع درجات عند الله تعالى،
فإن حظه فى الدنيا موفور كذلك، وكم من رجال كرماء حماهم الله وصانهم عن الشرور والآثام
بكرمهم، فصنائع المعروف تقى مصارع السوء.
سمع الشِبلى رجلاً يناجي ربه ويقول: يا
جواد، فقال: بلى يا جواد، فإنك أوجدت تلك الجوارح، وبسطت تلك الهمم، فأنت الجواد، كلُّ
الجواد، فإنهم يعطون عن محدود، وعطاؤك لا صفة له ولا حدود، فأنت الجواد الذي يعلو كل
جواد، وبه جاد كل من جاد. روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: (يَدُ اللَّهِ مَلأَى لا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ
وَالنَّهَارَ وَقَالَ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ
فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ)..
نسأل الله تعالى أن يرزقنا غنى النفوس قبل
غنى الفلوس.
اقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ ذِي الملكوتِ والجَبروتِ والكبرياءِ
والعَظَمَة، وصلواتُه على عبدِه ورسولِه محمدٍ خاتَمِ أنبيائِه، وأفضلُ خليقتِه، وعلى
آلِه وأصحابِه الأخيارِ الأبرار، وسَلَّم تسليمًا كثيرًا.
أمَّا بعد
عباد الله : للصيام ركنان
الأول: النية، بأن يبيت النيه وينوي المسلم
الصيام قبل الفجر وتكفي نية واحدةٌ لصومِ الشهرِ كلِّه على الصحيحِ الراجح.
روي البخاري عَنْ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ
رَضيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:
«إنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ
هِجْرَتُهُ إلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أوْ إلَى امْرَأةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إلَى
مَا هَاجَرَ إلَيْهِ». متفق عليه
.
الثاني: الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر
الصادق إلى غروب الشمس.
قال الله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ
الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ
عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا
عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ
الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ
عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ
اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)} [البقرة:187].
لا يجوز لأحد تقدم رمضان بصيام يوم أو يومين
من أجل الاحتياط لرمضان لما يلي:
حكم من ترك صيام رمضان:
من ترك صيام رمضان جاحداً لوجوبه كفر والعياذ
بالله ومن ترك صيام رمضان تهاوناً وكسلاً فليس بكافر، لكنه آثم إثماً عظيماً، فتجب
عليه التوبة، وقضاء ما ترك من الصيام الواجب.
عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما
قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «بُنِيَ الإسْلامُ عَلَى خَمْسٍ:
شَهَادَةِ أنْ لا إلَهَ إلا اللهُ وَأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإقَامِ الصَّلاةِ،
وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ، والحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ». متفق عليه.
هذا وصلوا وسلموا على سيدنا محمد وعلى اله
وصحبه اجمعين
·