الْفَائِزُونَ السَّابِقُونَ
فِي رَمَضَانَ
أهل الجود والإحسان وإطعام الطعام
و لقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم أجْوَدَ النَّاسِ، وكانَ أجوَدُ ما يَكونُ في رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وكانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِن رَمَضَانَ، فيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أجْوَدُ بالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ. وَعَنْ عبدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ بهذا الإسْنَادِ نَحْوَهُ، وَرَوَى أبو هُرَيْرَةَ، وفَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عنْهمَا، عَنِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أنَّ جِبْرِيلَ كانَ يُعَارِضُهُ القُرْآنَ."(البخاري).
وَرَوَى أبو هُرَيْرَةَ، وفَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عنْهمَا، عَنِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أنَّ جِبْرِيلَ كانَ يُعَارِضُهُ القُرْآنَ.(البخاريواللفظ له، ومسلم).
الجُودُ هو الكَرَمُ والبَذْلُ والإنفاقُ مِن غَيرِ سُؤالٍ، وقد كانَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن أبلَغِ النَّاسِ في العَطاءِ والإنفاقِ.
وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان أعظَمَ النَّاسِ وأكثَرَهم جُودًا على الإطلاقِ، وكان جُودُه يَبلُغُ الغايةَ في شَهرِ رَمَضانَ، والسَّببُ في زِيادةِ كَرَمِه ومُضاعَفةِ جُودِه، أمْرانِ؛ الأوَّلُ: التِقاؤُه بالرُّوحِ الأمينِ جِبريلَ عليه السَّلامُ، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بالوَحْيِ، والأمْرُ الآخَرُ: مُدارَسةُ القُرآنِ، وفي رِوايةٍ: «يُعارِضُه القُرآنَ»، والمُدارَسةُ والمُعارَضةُ بمَعنًى واحِدٍ، وهو المُقابَلةُ في القِراءةِ عن ظَهْرِ قَلبٍ، فيُدارِسُه جَميعَ ما نَزَلَ مِنَ القُرآنِ، يقول: فلَرَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أكرَمُ وأكثَرُ عَطاءً وفِعلًا لِلخَيرِ، وأعظَمُ نَفعًا لِلخَلقِ مِنَ الرِّيحِ الطَّيِّبةِ التييُرسِلُها اللهُ بالغَيثِ والرَّحمةِ.
وقد وَرَدَ في الصَّحيحَيْن أنَّ جِبريلَ عليه السَّلامُ كان يُعارِضُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالقُرآنِ مَرَّةً واحِدةً كُلَّ عامٍ، حتى إذا كان العامُ الذي ماتَ فيه عارَضَه مَرَّتَيْن.
وفي الحَديثِ: الحَثُّ على الجُودِ في كُلِّ الأوقاتِ.
وفيه: زِيارةُ الصُّلَحاءِ وأهلِ الفَضلِ ومُجالَسَتُهم؛ لِأنَّها سَبَبُ الخَيرِ والصَّلاحِ.
وفيه: الإكثارُ مِنَ البَذْلِ والعَطاءِ والإحسانِ وقِراءةِ القُرآنِ في شَهرِ رَمَضانَ.
وفيه: فَضلُ شَهرِ رَمَضانَ.
وفيه: الحَثُّ على مُدارَسةِ القُرآنِ.
فكم من رجلٌ وسع الله عليه بماله، فهو ينفق إنفاق من لا يخشى الفقر، ففي الوقت الذي انشغل أهل الأموال ببيعهم وشرائهم،
فرمضان موسمٌ تجاريٌ لا يعوض، تجد هذا الرجل في تجارة أخرى، تجارة مع الله،
:"إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ"( فاطر: 29).
فلم يكفه أن دفع المال لتفطير الصائمين لينال مثل أجرهم، بل وقف بنفسه ليعطي المساكين ويبحث عن الأرامل والمنكوبين ليمسح دمعة عن عيونهم، ويرسم بسمة على وجوههم، ويسدَّ قليلاً من جوعتهمعندما ترى مثل هؤلاء تذكر قول الله تبارك وتعالى: "وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا"(الإنسان/8-9).
وتذكرُ حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم:"ما تصدق أحد بصدقة من طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله"الفلو: المُهْر.
وقوله صلى الله عليه وسلم كما عند أحمد" والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار"(احمد)..
وقوله صلى الله عليه وسلم : (صلة الرحم تزيد في العمر وصدقة السر تطفئ غضب الرب) صحيح الجامع الصغير/3766
وقوله صلى الله عليه وسلم :"من فطر صائما كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئا"
أولئك هم الفائزون في رمضان، الذين نالوا رضى الرحمن، وليس أولئك الذين يكنزون الأموال، ويقبضون أيديهم! وإننا نقول لمثل هؤلاء قول الحبيب صلى الله عليه وسلم لـأسماء بنت أبي بكر : "لا توكي فيوكي الله عليك" أي: لا تمنعي ما في يديك فيقطع الله عليك مادة الرزق، ونذكره بقول النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما من صباح يوم إلا وملكان ينزلان ( فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً "(البخاري ومسلم).
وقول الحق عز وجل كما في الحديث القدسي: ( أنفق يا بن آدم ينفق عليك ) وهو متفق عليه،والموفق من وفقه الله.
وهناك من تذهب نفسه حسرات أن لو كان
يملك المال لينفق ويتصدق، ولكنه لا يجد سوى الدمعة تسيل على الخدين أن لو كان ذا مال فيتصدق، ولمثل هؤلاء نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نفرٍ: عبدٌ رزقَه اللَّهُ مَالا وعلماً فهوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ رَحِمَهُ وَيَعْمَلُ لِلَّهِ فِيهِ بِحَقِّهِ فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ. وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النيَّةِ وَيَقُول: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ فأجرُهما سواءٌ.."(أحمدوالترمذي).