معنى الاحترام
الاحترام في القرآن
صور من الاحترام
بعض الأمور التي لا تتنافى مع
الاحترام، ولا تعارض الأدب
الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ،
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ
أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا
اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آلِ
عِمْرَانَ: 102]؛ أَمَّا بَعْدُ:
فَالِاحْتِرَامُ قِيمَةٌ مِنْ قِيَمِ
الإِسْلَامِ، وَالِاحْتِرَامُ يَنْبَعُ مِنْ قَلْبٍ طَيِّبٍ، وَنَفْسٍ
مُطْمَئِنَّةٍ.
وَالِاحْتِرَامُ دَلِيلٌ عَلَى
احْتِرَامِ الشَّخْصِ لِنَفْسِهِ؛ فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ:
((إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ
يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ
الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ
أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ))؛
[صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ
الأَدَبِ، بَابُ: «لَا يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ»]
معنى الاحترام
• الِاحْتِرَامُ يَعْنِي الْكَلِمَةَ
الطَّيِّبَةَ، وَتَجَنُّبَ الْكَلِمَةِ الْجَارِحَةِ.
• الِاحْتِرَامُ يَعْنِي نَظْرَةَ
التَّوْقِيرِ، وَتَجَنُّبَ نَظَرَاتِ الِاحْتِقَارِ، وَعَدَمَ الْهَمْزِ
وَاللَّمْزِ.
• الِاحْتِرَامُ يَعْنِي أَنْ تُحْتَرِمَ
عُقُولَ النَّاسِ، وَتُرَاعِيَ الْفُرُوقَ الْفَرْدِيَّةَ فِي الْفَهْمِ.
• الِاحْتِرَامُ يَعْنِي أَنْ تُحْتَرِمَ
عَقَائِدَ النَّاسِ، وَهَذَا مِنْ صَمِيمِ الْأَخْلَاقِ الْإِسْلَامِيَّةِ، مَعَ
الْحِرْصِ عَلَى دَعْوَتِهِمْ.
• وَالِاحْتِرَامُ يَعْنِي أَنْ
تُحْتَرِمَ النَّاسَ عَلَى أَسَاسِ الْإِنْسَانِيَّةِ، ((أَلَيْسَتْ نَفْسًا))؛
جُمْلَةٌ يَحْتَاجُهَا كُلُّ فَرْدٍ فِي الْمُجْتَمَعِ.
• الِاحْتِرَامُ مَعْنَاهُ أَنْ
تُحْتَرِمَ كُلَّ النَّاسِ، فَقِيرَهُمْ وَغَنِيَّهُمْ.
• مِنَ الِاحْتِرَامِ أَنْ تَتَعَامَلَ
مَعَ السَّائِلِينَ بِكُلِّ احْتِرَامٍ، ثُمَّ يَتْبَعُ هَذَا الْإِرْشَادُ
وَالتَّوْجِيهُ.
• الِاحْتِرَامُ مَعْنَاهُ أَنْ
تُقَدِّرَ تَعَبَ النَّاسِ، وَتُقَدِّرَ عَرَقَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ.
• الِاحْتِرَامُ مَعْنَاهُ أَنْ
تُحْتَرِمَ الْمَرِيضَ وَالضَّعِيفَ، وَتُرَاعِيَ حَالَهُ؛ فَتَتَعَامَلَ مَعَهُ
بِمَا يَرْفَعُ عَنْهُ الْحَرَجَ، فَلَا تُشِقَّ عَلَيْهِ.
• الِاحْتِرَامُ مَعْنَاهُ أَنْ
تُحْتَرِمَ الْأُمِّيَّ وَالْمُخْطِئَ، وَتَرْفُقَ بِهِ، وَتُعَلِّمَهُ دُونَ أَنْ
تَجْرَحَ مَشَاعِرَهُ.
• الِاحْتِرَامُ مَعْنَاهُ أَنْ
تُحْتَرِمَ الْفَرْدَ كَمَا تُحْتَرِمَ الْجَمَاعَةَ، وَلَا تَسْخَرَ مِنْ أَحَدٍ.
• مِنَ الِاحْتِرَامِ أَنْ تُحْتَرِمَ
عَادَاتِ النَّاسِ الَّتِي لَا تَتَعَارَضُ مَعَ الشَّرْعِ الْحَنِيفِ.
الاحترام في القرآن
وَقَدْ أَكْثَرَ اللَّهُ ـ تَعَالَى ـ
فِي الْقُرْآنِ فِي بَيَانِ ذَلِكَ الِاحْتِرَامِ، وَالْحَثِّ عَلَيْهِ،
وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ، وَالْأَمْرِ بِهِ، وَالتَّحَلِّي بِحِلْيَتِهِ،
وَالتَّزَيُّنِ بِزِينَتِهِ؛ فَجَاءَ الِاحْتِرَامُ فِي الْإِسْلَامِ فِي
الْمُخَاطَبَةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [الْبَقَرَةِ:
83]،
وَفِيمَا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ
أَنْفُسِهِمْ كَقَوْلِهِ:
﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ
أَحْسَنُ﴾ [الْإِسْرَاءِ: 53]،
أَوْ فِي دَعْوَةِ النَّاسِ إِلَى
الْإِسْلَامِ حَتَّى وَهُمْ كُفَّارٌ مُلْحِدُونَ أَوْ مَارِقُونَ؛ يَقُولُ
تَعَالَى:
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النَّحْلِ:
125]،
وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ:
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: 46]،
وَقَالَ تَعَالَى لِمُوسَى وَهَارُونَ
ـ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ـ:
﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ
يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طـه: 44]،
وَفِي الْخُصُومَةِ:
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا
الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فُصِّلَتْ: 34]،
وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِمَا
لِلِاحْتِرَامِ مِنَ النَّتَائِجِ الْإِيجَابِيَّةِ، وَالثَّمَرَاتِ الطَّيِّبَةِ،
وَلِمَا لِلْإِهَانَةِ مِنَ النَّتَائِجِ السَّلْبِيَّةِ الْمُؤْسِفَةِ، وَإِنَّهُ
إِذَا أَرَادَ اللَّهُ ـ تَعَالَى ـ بِعَبْدٍ خَيْرًا زَيَّنَهُ بِخُلُقِ
الِاحْتِرَامِ وَاحْتِرَامِ النَّاسِ، فَتَحَلَّى بِهِ حَتَّى اشْتُهِرَ بِهِ،
وَلَبِسَ ثَوْبَهُ الْجَمِيلَ، وَتَدَثَّرَ بِدِثَارِهِ الْأَنِيقِ.
• صور من الاحترام
من صور الاحترام الكلمة الطيبة
• الِاحْتِرَامُ لَا يَعْنِي فَقَطْ
تَجَنُّبَ الْكَلَامِ الْجَارِحِ لِلْمَشَاعِرِ؛ بَلْ وَالْحِرْصَ عَلَى
الْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ:
((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ))،
وَلَا عَجَبَ، فَقَدْ جَعَلَ
النَّبِيُّ ﷺ ((الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ صَدَقَةً)).
وَحَتَّى إِنْ لَمْ تَقْصِدْ إِهَانَةَ
الشَّخْصِ، فَلَا يَصِحُّ التَّكَلُّمُ بِكَلَامٍ يُنْقِصُ مِنْ قَدْرِهِ؛ فَعَنْ
السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ:
((فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ
صَفِيَّةَ امْرَأَةٌ، وَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا، كَأَنَّهَا تَعْنِي قَصِيرَةً،
فَقَالَ: لَقَدْ مَزَحْتِ بِكَلِمَةٍ لَوْ مُزِجَتْ بِهَا مَاءُ الْبَحْرِ
لَمُزِجَ)).
من صور الاحترام تجنب نظرات الاحتقار
• الِاحْتِرَامُ يَعْنِي تَجَنُّبَ
نَظَرَاتِ الِاحْتِقَارِ، وَعَدَمَ الْهَمْزِ وَاللَّمْزِ:
﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾
[الْهُمَزَةِ: 1]؛ قَالَ مُجَاهِدٌ: «الْهُمَزَةُ بِالْيَدَيْنِ وَالْعَيْنِ،
وَاللُّمَزَةُ بِاللِّسَانِ».
فَلَا لِلْكَلَامِ الْجَارِحِ، حَتَّى
وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ صَاحِبُهُ؛ فَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ:
«الْهُمَزَةُ: يَهْمِزُهُ فِي وَجْهِهِ، وَاللُّمَزَةُ: مِنْ خَلْفِهِ».
فَالِاحْتِرَامُ أَنْ تُرَاعِيَ كُلَّ
شَيْءٍ، حَتَّى النَّظَرَاتِ، وَهُوَ مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ:
((إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ
تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ))؛ [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ].
• فَلْتَكُنْ حَرِيصًا عَلَى نَظَرَاتِ
التَّوْقِيرِ؛ وَلِنَتَعَلَّمْ ذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمِنْهُمْ سَيِّدُنَا
عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذْ يَقُولُ:
((وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ
مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا أَجَلَّ فِي
عَيْنِي مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلَالًا
لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ؛ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ
عَيْنَيَّ مِنْهُ، وَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ
مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ)).
من صور الاحترام احترام العقول
وَنَبِيُّنَا الَّذِي عَلَّمَ
الدُّنْيَا الْأَخْلَاقَ وَالِاحْتِرَامَ، يَنْهَاكَ عَنِ الِاسْتِخْفَافِ
بِعُقُولِ الْآخَرِينَ، وَيُعَلِّمُنَا كَيْفِيَّةَ احْتِرَامِ عُقُولِ النَّاسِ؛
فَيُخَاطِبُ عُقُولَهُمْ حَتَّى يَصِلُوا إِلَى الْحَقِّ؛ كَمَا فِي قِصَّةِ الشَّابِّ
الَّذِي أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:
((يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي
بِالزِّنَا))، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ، وَقَالُوا: مَهْ مَهْ،
فَقَالَ: ((ادْنُهُ))، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا، قَالَ: فَجَلَسَ، قَالَ:
((أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟)) قَالَ: لَا
وَاللَّهِ، جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: ((وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ
لِأُمَّهَاتِهِمْ))، قَالَ:
((أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟)) قَالَ:
لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: ((وَلَا
النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ))، قَالَ:
((أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟)) قَالَ:
لَا وَاللَّهِ، جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: ((وَلَا النَّاسُ
يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ))، قَالَ:
((أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟)) قَالَ:
لَا وَاللَّهِ، جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: ((وَلَا النَّاسُ
يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ))، قَالَ:
((أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟)) قَالَ:
لَا وَاللَّهِ، جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: ((وَلَا النَّاسُ
يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ))،
قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ،
وَقَالَ:
((اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ،
وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ))،
فَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ ذَلِكَ الْفَتَى
يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ؛
[رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ].
وَمِنَ الِاحْتِرَامِ لِعُقُولِ
النَّاسِ مُرَاعَاةُ الْفُرُوقِ الْفَرْدِيَّةِ فِي الْفَهْمِ:
قَالَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ:
((حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ؛
أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟))؛
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
من صور الاحترام احترام عقائد الناس
• وَلَا شَكَّ أَنَّ احْتِرَامَ
عَقَائِدِ النَّاسِ مِنْ صَمِيمِ الْأَخْلَاقِ الْإِسْلَامِيَّةِ؛ مَعَ الْحِرْصِ
عَلَى دَعْوَتِهِمْ، أَمَّا احْتِرَامُ عَقِيدَتِهِمْ فَـ
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [الْبَقَرَةِ:
256]،
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ
وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التَّغَابُنِ: 2].
وَأَمَّا الْحِرْصُ عَلَى
دَعْوَتِهِمْ؛ فَيَكُونُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَانْظُرْ كَيْفَ يُصْنَعُ
الِاحْتِرَامُ وَالْإِكْرَامُ، كَمَا فِي قِصَّةِ ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ؛ رَوَى
الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ، يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ:
((بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي
حَنِيفَةَ، يُقَالُ لَهُ: «ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ» سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ،
فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟
فَقَالَ: عِنْدِي خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ؛ إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ،
وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ
تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ، فَقَالَ: مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟
قَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ؛ إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ تَقْتُلْ
تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا
شِئْتَ. فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى
كَانَ مِنَ الْغَدِ، فَقَالَ: مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ فَقَالَ: عِنْدِي
مَا قُلْتُ لَكَ؛ إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ
ذَا دَمٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَطْلِقُوا
ثُمَامَةَ. فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ،
ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ،
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ مَا
كَانَ عَلَى الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ
وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ
إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ إِلَيَّ،
وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ
بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ كُلِّهَا إِلَيَّ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا
أُرِيدُ الْعُمْرَةَ، فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ. فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ
لَهُ قَائِلٌ: أَصَبَوْتَ؟ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ: قَالَ: لَا،
وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
وَلَا وَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ، حَتَّى
يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)).
وَهَذِهِ الْقِصَّةُ تُؤَكِّدُ أَنَّ
الِاحْتِرَامَ يَكُونُ عَلَى أَسَاسِ الْإِنْسَانِيَّةِ:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾
[الْإِسْرَاءِ: 70]؛
فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يُكْرِمُ ثُمَامَةَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ، وَيُطْعِمُهُ، وَيَعْرِضُ
عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ دُونَ إِكْرَاهٍ.
أليست نفساً
=وَهَا هُوَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ لِجِنَازَةِ يَهُودِيٍّ؛ يَقُومُ لِأَنَّ الْمَوْتَ
فَزَعٌ، وَيَقُومُ لِلْمَلَكِ كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَاتِ؛ وَمِنْهَا مَا جَاءَ
فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ:
((كَانَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَقَيْسُ
بْنُ سَعْدٍ قَاعِدَيْنِ بِالْقَادِسِيَّةِ، فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا بِجَنَازَةٍ،
فَقَامَا، فَقِيلَ لَهُمَا: إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ ـ أَيْ: مِنْ أَهْلِ
الذِّمَّةِ ـ فَقَالَا: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ، فَقَامَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ،
فَقَالَ: ((أَلَيْسَتْ نَفْسًا)))).
جُمْلَةٌ يَحْتَاجُهَا كُلُّ فَرْدٍ
فِي الْمُجْتَمَعِ:
يَحْتَاجُهَا الْقَاضِي حَتَّى لَا
يَسْجُنَ الضَّعِيفَ، وَيَصْفَحَ عَنِ الشَّرِيفِ.
وَيَحْتَاجُهَا الطَّبِيبُ حَتَّى
يُعَالِجَ الْفَقِيرَ وَالْغَنِيَّ بِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ.
وَيَحْتَاجُهَا الْأُسْتَاذُ حَتَّى
لَا يُمَيِّزَ بَيْنَ التَّلَامِيذِ.
من صور الاحترام احترام الغني والفقير
وَفَقْرُ الْإِنْسَانِ أَوْ غِنَاهُ
لَا يُقَلِّلُ مِنِ احْتِرَامِهِ؛ نَقُولُ هَذَا لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَنْظُرُ
دَائِمًا لِلْغَنِيِّ نَظْرَةَ اتِّهَامٍ، وَكَأَنَّ الزُّهْدَ يَقْتَضِي مِنْهُ
أَنْ يَنْخَلِعَ مِنْ مَالِهِ.
فَيَحْتَرِمُ الْإِسْلَامُ الْغَنِيَّ،
وَيُثْنِي عَلَيْهِ لِبَلَائِهِ فِي فِعْلِ الْخَيْرِ:
((مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا صَنَعَ بَعْدَ
الْيَوْمِ)).
جَاءَ عُثْمَانُ إِلَى النَّبِيِّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَلْفِ دِينَارٍ فِي كُمِّهِ ـ حِينََ
جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ ـ فَنَثَرَهَا فِي حِجْرِهِ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَلِّبُهَا فِي حِجْرِهِ وَيَقُولُ:
((مَا ضَرَّ عُثْمَانُ مَا عَمِلَ بَعْدَ
الْيَوْمِ))؛ مَرَّتَيْنِ.
وَيَحْتَرِمُ الْفَقِيرَ، وَيُثَمِّنُ
عَمَلَهُ مَهْمَا كَانَ قَلِيلًا؛ وَلِهَذَا أَنْكَرَ الْقُرْآنُ عَلَى
الْمُنَافِقِينَ لَمْزَهُمْ لِلْفُقَرَاءِ:
﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا
جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ﴾ [التَّوْبَةِ: 79].
وَهَا هُوَ الْقُرْآنُ يُثْنِي عَلَى
الْفُقَرَاءِ قَائِلًا:
﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ
أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ
وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾
[الْحَشْرِ: 8].
لَيْسَ هَذَا فَحَسْبُ، بَلْ
يَتَعَامَلُ مَعَ الْفُقَرَاءِ السَّائِلِينَ بِكُلِّ احْتِرَامٍ، ثُمَّ يَتْبَعُ
هَذَا بِالْإِرْشَادِ وَالتَّوْجِيهِ؛ فَعِنْدَمَا جَاءَ بَعْضُ الْفُقَرَاءِ
يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ الصَّدَقَةَ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ،
ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ؛ فَقَالَ:
((إِنْ يَكُنْ عِنْدِي مِنْ شَيْءٍ،
فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ)).
يَا اللَّهُ! قِمَّةُ الِاحْتِرَامِ،
ثُمَّ أَرْشَدَهُمْ لِمَا فِيهِ صَلَاحُ شُؤُونِهِمْ بِالسَّعْيِ وَالْعَمَلِ
طَلَبًا لِلْعِفَّةِ فَقَالَ:
((وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ
اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ))،
ثُمَّ نَصَحَهُمْ بِمَا يُعِينُهُمْ
عَلَى حَيَاتِهِمْ:
((وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا
وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ))؛ [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
👈 وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ كَانَ يَهْتَمُّ بِالْفُقَرَاءِ فِي حَيَاتِهِمْ وَبَعْدَ مَوْتِهِمْ؛
وَهَا هِيَ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ
تَمُوتُ، وَقَدْ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ وَتُنَظِّفُهُ، فَدَفَنَهَا
الصَّحَابَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا، وَلَمْ يُعْلِمُوهُ، فَلَمْ يَرَوْا
إِشْعَارَ رَسُولِ اللَّهِ بِمَوْتِهَا ـ أَوْ كَمَا رَأَوْا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
ـ، فَيَعْلَمُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ
بِمَوْتِهَا، فَيَقُولُ لَهُمْ:
«أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟»
فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا،
فَقَالَ:
«دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهَا»،
فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ:
«إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ
ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي
عَلَيْهِمْ»
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ بِالرِّفْقِ بِالْخَدَمِ وَالْعَبِيدِ؛
فَهَا هُوَ أَبُو مَسْعُودٍ
الْبَدْرِيُّ كَانَ لَهُ غُلَامٌ عَبْدٌ، فَيُنَادِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَعِيدٍ، مُذَكِّرًا إِيَّاهُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ
عَلَيْهِ، وَأَخْذِهِ لَهُ عَلَى مَا يَفْعَلُ بِالْعَبْدِ، فَيَقُولُ لَهُ:
«اعْلَمْ يَا أَبَا مَسْعُودٍ أَنَّ
اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ».
يَقُولُ أَبُو مَسْعُودٍ: فَسَقَطَ
السَّوْطُ مِنْ يَدِي مِنْ هَيْبَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
مُتَأَثِّرًا بِمَا ذَكَّرَنِي بِهِ، فَقُلْتُ: هُوَ حُرٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ،
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ
النَّارُ»
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
وَيَقُولُ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ:
«خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ، وَاللَّهِ مَا قَالَ لِي قَطُّ:
أُفٍّ، وَلَا قَالَ لِشَيْءٍ فَعَلْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَ؟ وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ
أَفْعَلْهُ: أَلَّا فَعَلْتَ كَذَا؟»
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
من صور الاحترام احترام تعب الناس
وأموالهم
وَيَحْتَرِمُ الإِسْلَامُ تَعَبَ
النَّاسِ وَيُقَدِّرُ عَرَقَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، مَعَ مُعَامَلَةِ الْمُعْتَدِي
مِنْ جِنْسِ عَمَلِهِ:
((جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ
جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟
قَالَ: فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ.
قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟
قَالَ: قَاتِلْهُ.
قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟
قَالَ: فَأَنْتَ شَهِيدٌ.
قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟
قَالَ: هُوَ فِي النَّارِ))؛ [رَوَاهُ
مُسْلِمٌ].
وَيُؤَكِّدُ لَنَا هَذَا الْحَدِيثُ
قَيْدًا هَامًّا؛ وَهُوَ أَنَّ الِاحْتِرَامَ لَا يَعْنِي ضَيَاعَ الْحُقُوقِ؛
فَمَنْ يَحْتَرِمْ نَفْسَهُ وَغَيْرَهُ، فَهُوَ جَدِيرٌ بِالِاحْتِرَامِ؛ أَمَّا
الْمُعْتَدِي فَلْيَرْدَعْهُ الْحَدُّ وَالْعُقُوبَةُ، وَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا
نَفْسَهُ؛
﴿ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ
ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ [الطَّلَاقِ: 1].
من صور الاحترام احترام المريض والضعيف
وَيَحْتَرِمُ الْمَرِيضَ وَالضَّعِيفَ
وَيُرَاعِي حَالَهُ؛ فَيَتَعَامَلُ مَعَهُ بِمَا يَرْفَعُ عَنْهُ الْحَرَجَ، فَلَا
يُشْقُ عَلَيْهِ؛ فَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، قَالَ:
((يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْنِي
إِمَامَ قَوْمِي، قَالَ: أَنْتَ إِمَامُهُمْ وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ))؛ [رَوَاهُ
مُسْلِمٌ].
وَنَقُولُ لِلْطَبِيبِ وَالْمُفْتِي:
اعْلَمْ أَنَّ الْمُسَلَّمَاتِ لَدَيْكَ مُشْكِلَاتٌ عِنْدَ الْمَرِيضِ
وَالْمُسْتَفْتِي كَذَلِكَ، فَإِنْ أَرَادَ تَوْضِيحًا أَوْ مَزِيدَ شَرْحٍ
وَبَيَانٍ، فَلَا تَتَعَجَّبْ؛ فَهُوَ لَمْ يَدْرُسْ مَا دَرَسْتَ، فَالْرِّفْقُ رِفْقٌ.
من صور الاحترام احترام أصحاب الهمم
احْتِرَامُ أَصْحَابِ الْهِمَمِ هُوَ
احْتِرَامٌ لِخَلْقِ اللَّهِ، فَلَا يُسْلَبُهُ حَقُّهُ فِي الْاحْتِرَامِ مَهْمَا
كَانَ شَكْلُهُ؛ وَإِنْ لَمْ تَقْصِدْ إِهَانَتَهُ فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ؛ فَعَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
((أَنَّهُ كَانَ يَجْتَنِي سَوَاكًا مِنَ
الأَرَاكِ، وَكَانَ دَقِيقَ السَّاقَيْنِ، فَجَعَلَتِ الرِّيحُ تَكْفُؤُهُ،
فَضَحِكَ الْقَوْمُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: مِمَّ تَضْحَكُونَ؟ قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مِنْ دِقَّةِ
سَاقَيْهِ، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهُمَا أَثْقَلُ فِي
الْمِيزَانِ مِنْ أُحُد))؛ [رَوَاهُ أَحْمَدُ].
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى:
((فَنَظَرَ أَصْحَابُهُ إِلَى حَمُوشَةِ
سَاقَيْهِ فَضَحِكُوا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا
يُضْحِكُكُمْ؟ لَرِجْلِ عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ أُحُد))؛
[رَوَاهُ الطُّبَرَانِيُّ].
من صور الاحترام احترام الأمي والمخطيء
دِينُنَا يَحْتَرِمُ الأُمِّيَّ
وَالْمُخْطِئَ، وَيَرْفُقُ بِهِ وَيُعَلِّمُهُ دُونَ أَنْ يَجْرَحَ مَشَاعِرَهُ.
👈 وَلَقَدْ تَزَيَّنَ بِاحْتِرَامِ
النَّاسِ سَيِّدُ الْخَلْقِ مُحَمَّدٌ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- فَكَانَ
مُضْرِبَ الْأَمْثَالِ فِي احْتِرَامِهِ لِلْنَّاسِ حَتَّى أُعْجِبَ بِهِ
أَعْدَاؤُهُ قَبْلَ أَصْحَابِهِ: يَتَبَوَّلُ أَعْرَابِيٌّ فِي الْمَسْجِدِ،
فَيُمْنَعُهُ الصَّحَابَةُ بِالضَّرْبِ، فَيَمْنَعُهُمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
وَالسَّلَامُ، وَيَأْمُرُهُمْ بِتَرْكِهِ حَتَّى يَتِمَّ بُولُهُ، ثُمَّ
يُنَادِيهِ وَيُعَلِّمُهُ مَكَانَةَ الْمَسْجِدِ وَمَقَامَهُ؛ بِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ
إِلَّا لِلصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَلَا يَصْلُحُ لِمِثْلِ
هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ، فَيُعْجِبُ الْأَعْرَابِيُّ مِنْ خُلُقِ هَذَا النَّبِيِّ
الْكَرِيمِ وَيَتَوَجَّهُ إِلَى اللَّهِ دَاعِيًا أَنْ يَرْحَمَهُ وَمُحَمَّدًا،
وَلَا يَرْحَمُ مَعَهُمَا أَحَدًا.
وَهَا هُوَ سَيِّدُنَا مُعَاوِيَةُ
السُّلَمِيُّ -وَكَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالإِسْلَامِ– يَقُولُ:
((بَيْنَمَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ،
فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ:
وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ، مَا شَأْنُكُمْ؟ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ، فَجَعَلُوا
يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ
يُصَمِّتُونِي لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ
وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللَّهِ، مَا كَهَرَنِي وَلَا
ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا
شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ
وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ)).
من صور الاحترام عدم تجريح الآخرين في
مشاعرهم بالتناجي
احْتِرَامُ الشَّخْصِ إِنْ كَانَ
فَرْدًا مَعَ جَمَاعَةٍ بِعَدَمِ التَّنَاجِي سِرًّا دُونَهُ: فَعَنْ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً، فَلَا
يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ صَاحِبِهِمَا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ))؛ [رَوَاهُ
مُسْلِمٌ].
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا
يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ، إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ
يُحْزِنُهُ))؛ [رَوَاهُ أَحْمَدُ].
من صور الاحترام عدم السخرية
وَكَمَا يَحْتَرِمُ الإِسْلَامُ
الْفَرْدَ يَحْتَرِمُ الْجَمَاعَةَ وَيَنْهَى عَنِ السُّخْرِيَةِ وَعَنِ
التَّنَابُزِ بِالْأَلْقَابِ:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا
يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ
مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ
وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الْاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ
وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ᄒ [الحجرات: 11].
من صور الاحترام احترام عادات الناس
احْتِرَامُ عَادَاتِ النَّاسِ الَّتِي
لَا تَتَعَارَضُ مَعَ الشَّرْعِ الْحَنِيفِ: يَقُولُ تَعَالَى:
﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ
وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأَعْرَاف: 199].
ومن صور الاحترام، مراعاة آداب وحق
المجلس:
((لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ
مَقْعَدِهِ، ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا))؛ [رَوَاهُ
مُسْلِمٌ]
وَالْحِرْصُ عَلَى جُلُوسِ الْقَادِمِ
رَفْعًا لِلْحَرَجِ عَنْهُ:
﴿ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي
الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا ﴾ [الْمُجَادَلَة: 11]؛ قَالَ السَّعْدِيُّ فِي
تَفْسِيرِهِ: "هَذَا تَأْدِيبٌ مِنَ اللَّهِ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ،
إِذَا اجْتَمَعُوا فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ مُجْتَمَعَاتِهِمْ، وَاحْتَاجَ بَعْضُهُمْ
أَوْ بَعْضُ الْقَادِمِينَ عَلَيْهِمْ لِلتَّفَسُّحِ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ،
فَإِنَّ مِنَ الْأَدَبِ أَنْ يَفْسَحُوا لَهُ تَحْصِيلًا لِهَذَا الْمَقْصُودِ،
وَلَيْسَ ذَلِكَ بِضَارٍّ لِلْجَالِسِ شَيْئًا، فَيَحْصُلُ مَقْصُودُ أَخِيهِ مِنْ
غَيْرِ ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ هُوَ، وَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، فَإِنْ مَنْ
فَسَحَ فَسَحَ اللَّهُ لَهُ، وَمَنْ وَسَعَ لِأَخِيهِ، وَسَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ".
من صور الاحترام يسلم الراكب على
الماشي
وَمِنْ صُوَرِ الاحْتِرَامِ هَذَا
الْمَشْهَدُ الَّذِي يُنَظِّمُ فِيهِ النَّبِيُّ آدَابَ السَّلَامِ: فَيَقُولُ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((يُسَلِّمُ الْرَّاكِبُ عَلَى
الْمَاشِي، وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ))؛
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ:
((وَيُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى
الْكَبِيرِ)).
احترام الوالدين
الاحْتِرَامُ لِلْوَالِدَيْنِ وَشَيْءٌ
مِنْ مَظَاهِرِهِ:
((أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ وَمَعَهُ شَيْخٌ، فَقَالَ لَهُ: يَا فُلَانُ، مَنْ
هَذَا مَعَكَ؟ قَالَ: أَبِي، قَالَ: فَلَا تَمْشِ أَمَامَهُ، وَلَا تَجْلِسْ
قَبْلَهُ، وَلَا تَدَعُهُ بِاسْمِهِ، وَلَا تَسْتَسِبَّ لَهُ))؛ [مُجْمَعُ
الزَّوَائِدِ، وَأَخْرَجَهُ الطُّبْرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْأَوْسَطِ].
من صور الاحترام الاحترام للعلماء وأهل
القرآن:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ
تَعَالَى: إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرَ
الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ))؛
[حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ
صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبِيرِنَا))؛ [رَوَاهُ أَحْمَدُ].
هَكَذَا أَمَرَنَا أَنْ نَفْعَلَ
بِعُلَمَائِنَا:
سَيِّدُنَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي
جِنَازَةٍ، فَلَمَّا انْتَهَتْ رَكِبَ دَابَّتَهُ، فَجَاءَ سَيِّدُنَا عَبْدُ
اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ لِيَمْسِكَ بِزِمَامِ الدَّابَّةِ لِيَسُوقَهَا، فَقَالَ
لَهُ سَيِّدُنَا زَيْد: "دَعْ عَنْكَ هَذَا يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ"،
فَقَالَ سَيِّدُنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: "هَكَذَا أَمَرَنَا أَنْ
نَفْعَلَ بِعُلَمَائِنَا"، فَقَالَ سَيِّدُنَا زَيْد: "أَعْطِنِي
يَدَكَ"، فَقَبِلَ سَيِّدُنَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَدَ سَيِّدُنَا عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ لَهُ: "هَكَذَا أَمَرَنَا أَنْ نَفْعَلَ
حُبًّا بِآلِ بَيْتِ نَبِينَا".
عِبَادَ اللَّهِ:
يَرْتَفِعُ الْمَرْءُ عَالِيًا فِي
عُيُونِ النَّاسِ وَيُحِبُّونَهُ وَيُوقِرُونَهُ لِاحْتِرَامِهِ لَهُمْ،
وَيَدْعُونَ اللَّهَ لَهُ بِالتَّوْفِيقِ وَالْقَبُولِ.
إِنَّهُ بِاحْتِرَامِهِ لَهُمْ قَدِ
اشْتَرَى قُلُوبَهُمْ كَمَا اشْتَرَى مُودَّتَهُمْ وَحُبَّهُمْ وَمَوَدَّةَ
اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَ ذَلِكَ:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ﴾ [مَرْيَم: 96].
عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
قَالَ: "أَتَى اللَّهُ تَعَالَى بِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ، آتَاهُ اللَّهُ
مَالًا، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا عَمِلْتَ فِي الدُّنْيَا؟ قَالَ: وَلَا يَكْتُمُونَ
اللَّهَ حَدِيثًا، قَالَ: يَا رَبِّ، آتَيْتَنِي مَالَك فَكُنْتُ أُبَايِعُ
النَّاسَ وَكَانَ مِنْ خَلْقِي الْجَوَازُ (التَّجَاوُزُ عَنِ الْعِبَادِ)
فَكُنْتُ أَيَسِّرُ عَلَى الْمُوَسِرِ وَأَنْظُرُ الْمُعْسِرَ، فَقَالَ تَعَالَى:
"أَنَا أَحَقُّ بِذَا مِنْكَ، تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي"))؛ [رَوَاهُ
مُسْلِمٌ].
بعض الأمور التي لا تتنافى مع
الاحترام، ولا تعارض الأدب:
1ـ طَلَبُ الرُّجُوعِ عِنْدَ
الزِّيَارَةِ:
رُبَّمَا تُرِيدُ أَنْ تَزُورَ
صَدِيقًا أَوْ غَيْرَهُ وَعِنْدَ الاسْتِئْذَانِ يَعْتَذِرُ عَنْ اسْتِقْبَالِكَ،
فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَيْكَ، فَهُوَ أَعْلَمُ بِظُرُوفِ بَيْتِهِ
وَأَهْلِهِ؛ قَالَ تَعَالَى:
﴿ وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا
هُوَ أَزْكَى لَكُمْ ﴾ [النُّور: 28]، كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ السُّنَّةُ
الْمُطَهَّرَةُ:
فَهَا هُوَ سَيِّدُنَا أَبُو مُوسَى
الأَشْعَرِيُّ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَاسْتَأْذَنَ
ثَلَاثًا ثُمَّ رَجَعَ، فَأَرْسَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي أَثَرِهِ،
فَقَالَ: "مَا لَكَ لَمْ تَدْخُلْ؟" فَقَالَ أَبُو مُوسَى: "سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((الاسْتِئْذَانُ
ثَلَاثًا، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ فَادْخُلْ، وَإِلَّا فَارْجِعْ))".
2ـ قَوْلُكَ (لَا) بِلُطْفٍ لِشَيْءٍ
لَا تَسْتَطِيعُهُ، وَخَاصَّةً مَعَ الشَّخْصِ الْفَضُولِيِّ، لَا حَرَجَ عَلَيْكَ
إِنْ قَطَعْتَ أَسْئِلَتَهُ الَّتِي لَا تَعْنِيهِ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا
يَعْنِيهِ))، فَهُوَ يُنْهِي عَنْ التَّدَخُّلِ فِيمَا لَا يُعْنِيهِ، وَيُؤَكِّدُ
أَنَّ مِنْ آدَابِ الْإِسْلَامِ تَرْكُ الْمُسْلِمِ لِمَا لَا يَخُصُّهُ.
بَلْ نُنْصَحُ الشَّخْصَ الْفَضُولِيَّ
أَنْ يَحْتَرِمَ خُصُوصِيَّاتِ النَّاسِ.
3ـ كَلَامُ الصَّغِيرِ بِمَا يَعْلَمُ
فِي حَضْرَةِ الْكَبِيرِ:
يُخَيَّلُ لِلْبَعْضِ أَنَّ كَلَامَ
الصَّغِيرِ فِي حَضْرَةِ الْكَبِيرِ يَتَنَافَى مَعَ الْأَدَبِ وَالاحْتِرَامِ،
وَهَذَا خَطَأٌ؛ بَلِ الصَّوَابُ أَنْ يَحْرِصَ الْكَبِيرُ عَلَى تَكَلُّمِ
الصَّغِيرِ لِيُثَمِّنَ لَهُ صَوَابَهُ وَيُصَحِّحَ لَهُ خَطَأَهُ، وَإِلَّا
فَمَتَى يَتَعَلَّمُ الصَّغِيرُ.
وَالْدَلِيلُ قَوْلُ سَيِّدِنَا عُمَرَ
لِابْنِهِ: ((لِأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي
كَذَا وَكَذَا))؛ فَهَا هُوَ سَيِّدُنَا عُمَرُ يُرْشِدُ وَلَدَهُ لِلْكَلَامِ،
وَإِنْ كَانَ فِي حَضْرَةِ الْكِبَارِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَعَارَضُ مَعَ
الاحْتِرَامِ، وَالْقِصَّةُ بِكَامِلِهَا:
يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ مِنَ الشَّجَرَةِ شَجَرَةٌ لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا
وَهِيَ مَثَلُ الْمُؤْمِنِ، حَدِّثُونِي: مَا هِيَ؟)) قَالَ عَبْدُ اللَّهِ:
فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا
النَّخْلَةُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هِيَ
النَّخْلَةُ"، فَاسْتَحْيَيْتُ — يَعْنِي أَنْ أَقُولَ — قَالَ عَبْدُ
اللَّهِ: فَحَدَّثْتُ عُمَرَ بِالَّذِي وَقَعَ فِي نَفْسِي، فَقَالَ: ((لِأَنْ
تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا)).
إِنَّنَا مَدْعُوُّونَ — مَعْشَرَ
الْمُسْلِمِينَ — لِاحْتِرَامِ بَعْضِنَا بَعْضًا، وَاحْتِرَامِ الْآخَرِينَ
حَتَّى وَلَوْ كَانُوا غَيْرَ مُسْلِمِينَ، فَكَثِيرًا مَا يَدْخُلُونَ فِي دِينِ
اللَّهِ الْإِسْلَامِ بِسَبَبِ احْتِرَامِهِمْ وَأَخْذِهِم بِالَّتِي هِيَ
أَحْسَنُ، فَأَحْسِنُوا — رَحِمَكُمُ اللَّهُ — إِلَى عِبَادِ اللَّهِ
بِاحْتِرَامِهِمْ وَتَوْقِيرِهِمْ، وَتَحَلَّوْا بِهَذَا الْخُلُقِ النَّبِيلِ
وَغَيْرِهِ مِنْ أَخْلَاقِ الإِسْلَامِ، فَإِنَّ صَلَاتَنَا وَسَائِرَ
عِبَادَاتِنَا لِرَبِّنَا — عَزَّ وَجَلَّ — تَدْعُونَا إِلَى مِثْلِ هَذِهِ
الْأَخْلَاقِ، وَلَنَا فِي رَسُولِنَا أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، وَفِي أَصْحَابِهِ
الْكِرَامِ الَّذِينَ ضَرَبُوا لَنَا أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ فِي الْأَخْلَاقِ،
وَإِنَّ الْمَرْءَ لَيَصْغُرُ فِي عُيُونِ النَّاسِ وَتَهْبِطُ دَرَجَتُهُ إِذَا
فَقَدَ هَذَا الْخُلُقَ بِالذَّاتِ، فَإِنَّكَ تَرَى الرَّجُلَ يَحْمِلُ مِنَ
الْمَعَانِي الْكَثِيرَ، وَلَكِنَّهُ لَا يَعْرِفُ تَوْقِيرَ النَّاسِ
وَاحْتِرَامَهُمْ، وَالْعَطْفَ عَلَيْهِمْ فَتَهْبِطُ سُمْعَتُهُ وَتَذْهَبُ
مَعَانِيُهُ الْكَثِيرَةُ كَأَنَّهُ لَا يُسَاوِي شَيْئًا.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا.