قيمة الاحترام.
الحمد لله الذي خلق الإنسان وكرمه،
ورفع قدره وعظمه، وجعل مكارم الأخلاق ميزاناً للتقى، ومناراً للهدى. وأشهد أن لا
إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الاحترام أصلاً في التعامل، وأساساً للتعايش.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، كان خلقه القرآن، وكان أشد الناس احتراماً للصغير
والكبير، وللصديق والعدو، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد، عباد الله:
أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فإن التقوى
هي زاد المؤمن، وجمال الروح. وإن من أعظم تجليات هذه التقوى أن يتأدب الإنسان مع
خلق الله، وأن يلبس رداء الاحترام.
إن الاحترام ليس مجرد كلمة تقال، أو
انحناءة ظهر، بل هو قيمة عليا، وعقيدة في التعامل، تعكس عمق الإيمان في القلب.
الاحترام هو الذي يحفظ للناس كرامتهم، ويصون للأفراد حقوقهم، وهو الجسر الذي تعبر
عليه المحبة لتستقر في الصدور. إذا فُقد الاحترام من مجتمع، حلت الجفوة، وانتشرت
الغلظة، وصار المجتمع غابة يأكل فيها القوي الضعيف بلسانه وفِعاله.
//الاحترام في مدرسة النبوة
لقد كان النبي ﷺ المعلم الأول في قيمة
الاحترام. لم يكن يرى الاحترام حقاً له وحده بوصفه نبياً وقائداً، بل كان يراه
حقاً لكل إنسان.
...إحترام كرامة الإنسان:
بينما كان النبي ﷺ جالساً مع أصحابه في
المدينة، مرت جنازة يحملها قوم. فما كان من النبي ﷺ إلا أن قطع حديثه وقام واقفاً
بكل إجلال ومهابة لهذه الجنازة. تعجب الصحابة رضي الله عنهم، فكأنهم رأوا أن الميت
ليس من المسلمين، فقالوا له يا رسول الله: "إنها جنازة يهودي!" (وفي
رواية: "إنه يهودي").
كان رده ﷺ درساً كونياً في الاحترام
يتجاوز حدود المعتقدات، فنظر إليهم وقال: "أليست نفساً؟". ثم أردف
قائلاً: "إن الموت فزع، فإذا رأيتم جنازة فقوموا".
لقد علمنا النبي ﷺ أن الموت له هيبة،
وأن الروح الإنسانية في حد ذاتها مكرمة لأن الله هو خالقها. لم ينظر إلى عداوة أو
اختلاف، بل احترم "الإنسان" في تلك اللحظة المهيبة.
...احترام الصغير وتطييب خاطره
كان لأنس بن مالك أخ صغير يُدعى
"أبو عمير". وكان هذا الغلام يملك عصفوراً صغيراً (نغير) يلعب به ويحبه
حباً شديداً. في أحد الأيام، دخل النبي ﷺ بيتهم كعادته في تفقد أهله وأصحابه، فوجد
أبا عمير حزيناً كئيباً، ولم تكن الابتسامة على وجهه كما اعتاد.
سأل النبي ﷺ: "ما لي أرى أبا عمير
حزيناً؟"، فقالوا: "يا رسول الله، مات نغيره الذي كان يلعب به".
هنا تظهر عظمة الاحترام؛ لم يقل النبي ﷺ
"إنه مجرد طفل" أو "إنه طائر لا قيمة له". بل جلس بجانب
الطفل، ووضع يده عليه، وراح يمازحه بلطف ليخفف عنه مصابه قائلاً: "يا أبا
عُمَيْر، ما فعل النُّغَيْر؟".
لقد احترم النبي ﷺ "عالم
الطفل"، وقدّر حزنه البسيط في نظر الكبار والكبير في نظر الصغار، مما جعل هذا
الموقف مدرسة في الذكاء العاطفي وتقدير الآخرين مهما صغر شأنهم.
وعن النبي ﷺ قال: "ليس منا من لم
يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا". فاحترام الشيبة المسلم هو إجلال لله تعالى.
... احترام الخصوصية والمشاعر
من سوء الأدب وقلة الاحترام اقتحام
خصوصيات الناس، أو السخرية من أحوالهم. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾.
الاحترام يقتضي ألا نتتبع العورات،
وألا نكسر القلوب بكلمة جارحة تحت مسمى "الصراحة".
...احترام العلماء :
يحكي الإمام الشافعي عن بدايات طلبه
للعلم على يد إمام دار الهجرة، الإمام مالك بن أنس. كان مالك مهيباً، وكان مجلسه
يملؤه الوقار والسكينة. يقول الشافعي: "كنتُ أتصفح الورق بين يدي الإمام مالك
تصفحاً رقيقاً، هيبةً له لئلا يسمع وقعها".
تخيل هذا الرقي في الاحترام! الشافعي
كان يخشى أن يزعج أستاذه بصوت "تقليب الورقة" في الكتاب. ولم يقتصر
الأمر على ذلك، بل قيل إن الشافعي كان لا يشرب الماء في وجود الإمام مالك هيبةً
واحتراماً له.
هذا الاحترام لم يكن خوفاً، بل كان
تقديراً لمكانة العلم وأهله. وبسبب هذا الأدب الجمّ، فتح الله على الشافعي من
العلم ما لم يفتحه على غيره، فكان يقول: "من لا يحترم العلم، لا يحترمه العلم".
....احترام كبار السن :
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخرج
في عسسه (دوريته الليلية) يتفقد أحوال الرعية. فرأى خيمة بعيدة في أطراف المدينة،
فاقترب منها فسمع أنيناً لامرأة عجوز. دخل عمر فإذا هي امرأة مقعدة وضريرة، ولا
تجد من يخدمها.
لم يخبر عمر المرأة بصفته "أمير
المؤمنين"، بل سألها عن حالها، فقالت: "أنا امرأة وحيدة وليس لي
أحد". فذهب عمر وأحضر دقيقاً وزيتاً، وجلس أمام النار ينفخ فيها حتى تخلل
الدخان لحيته الكثيفة، وطبخ لها الطعام بيده، ثم أطعمها حتى شبعت.
وعندما أراد الانصراف، قالت له العجوز
وهي لا تعرفه: "والله إنك لأولى بهذا الأمر من عمر بن الخطاب!". فبكى
عمر وقال: "يا أمة الله، اغفري لعمر".
احترم عمر "إنسانية" هذه
المرأة، ولم يترفع عليها بمنصبه، بل رأى أن من تمام احترامه لذاته ولخالقه أن يكون
خادماً لمن لا حول لهم ولا قوة.
..أيها الموحدون
.وعن احترام الصغير وحقوقه
يعلمنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
هذه القيمة الأخلاقية الرائعة
فقد دخل الأقرع بن حابس على النبي ﷺ،
فوجده يُقبّل سبطه الحسن بن علي (أو الحسين). فاستغرب الأقرع من هذا المشهد، وقال
متعجباً: "إن لي عشرة من الولد، ما قبلتُ واحداً منهم قط!".
فنظر إليه رسول الله ﷺ نظرةً ملؤها
التربية والاحترام للفطرة الإنسانية، ثم قال له: "من لا يرحم لا يُرحم".
وفي رواية أخرى قال له: "أو أملك
لك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟".
///كيف نعيد قيمة الاحترام لحياتنا؟
إننا اليوم في أمسّ الحاجة لاستعادة
هذه القيمة في بيوتنا، وشوارعنا، ومنصات تواصلنا الاجتماعي.
في البيوت: لابد أن يحترم الزوج زوجته،
والزوجة زوجها. الأبناء يتعلمون الاحترام بالقدوة لا بالموعظة فقط. إذا رأى الابن
والده يحترم أمه، نشأ محترماً لكل النساء.
في العمل: احترام المواعيد هو احترام
للآخرين. احترام المدير للموظف يزيد من إنتاجيته، واحترام الموظف لعمله أمانة يسأل
عنها.
في الطرقات: كف الأذى عن الطريق هو
صورة من صور احترام حق المجتمع في الأمن والراحة.
////ويعلمنا الامام الاعظم ابو حنيفة
النعمان احترام حق الجار
فقد كان للإمام أبي حنيفة جار
"إسكافي" (يصلح الأحذية)، وكان هذا الجار يشرب الخمر ويغني طوال الليل
ويزعج أبا حنيفة بصوته وهو يقول: "أضاعوني وأي فتى أضاعوا..". وكان أبو
حنيفة صابراً عليه، يحترم حق الجوار ولا يؤذيه.
في إحدى الليالي، افتقد أبو حنيفة صوت
جاره، فسأل عنه فقيل له: "أخذه الحرس وسجنوه".
فما كان من الإمام الوقور إلا أن ذهب
إلى دار الخلافة ليشفع لجاره. فلما رآه الخليفة، أكرمه وأطلق سراح الجار لأجله.
وعندما خرج الجار، قال له أبو حنيفة
بلطف واحترام: "يا فتى، هل أضعناك؟". فبكى الرجل خجلاً من كرم أخلاق
الإمام واحترامه له رغم معصيته، وتاب من يومها. لقد كان الاحترام هنا مفتاحاً
للهداية.
//عباد الله:
إن الاحترام لا يكلف شيئاً، لكنه يعني
الكثير. هو الرصيد الذي يبقى لك في قلوب الناس بعد رحيلك. تذكروا قول النبي ﷺ:
"إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً". ولا يكون الخلق حسناً بلا احترام.
اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي
لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت. اللهم اجعلنا ممن
يحترمون عبادك، ويقدرون خلقك، ويقومون بحق والديهم وأهليهم.
اللهم ألف بين قلوبنا، واجمع شملنا على
ما تحب وترضى.