ثلاثية الاحترام في الإسلام
احترام الإنسان والأكوان والأوطان
الحمد لله الـذي كرَّم الإنسان، وسخَّر
له الأكوان، وربط عمارة الأوطان بالإيمان، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله
إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبدُه ورسولُه، بُعث ليقيم ميزان
القيم، ويهدي البشـريَّة إلى حضارة الرحمة والعدل والعمران، فاللهم صلِّ وسلم
وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين، أمَّا بعد،
فمرحبًا بكم أيها المسلمون الكرام،
وأسأل الله تعالى لنا ولكم صَلاح الحال وحُسن المآل، ثمّ إنَّ المتأمل في عُمق
الشـريعة الإسلامية، وفي صفحات تاريخ هذه الأمة، يدرك أن الحضارة في ميزان الإسلام
ليست ترفًا ماديًّا، ولا مظاهر استهلاكية؛ بل هي ثمرة علاقة متوازنة بين ثلاثة
أركان كبرى:
إنسانٌ مكرَّم، وكونٌ محترَم، ووطنٌ
مصون
وهذه الثُّلاثيّة ليست شعاراتٍ
للاستهلاك الخطابي؛ بل هي دستور أخلاقي وحضاري، نحتاج إليه اليوم لنخرج من حالة
التيه، ونستعيد موقع الشهادة على الناس. ولاستعادة هذا الدور الحضاريّ إليك
العناصر التالية:
أولا: (احترام الإنسان) ... عمارة
الروح قبل عمارة الأرض
أيها المسلمون، إنَّما تبدأ النهضة
الحقيقية حين نُعيد الاعتبار للإنسان، فالله تعالى حين خلق آدم، وأسجد له ملائكته،
أعلن بوضوح أن كرامة الإنسان أصلٌ من أصول الدين، لا هامشٌ من هوامشه، فقال سبحانه:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ واحترام
الإنسان في الإسلام ليس نظريًّا؛ بل سلوكٌ عملي، وصورٌ ملموسة، منها: أن يأمن
الإنسان على دينه وعقله وعِرضه وماله، وأن يُحترم المختلف، ويُحفظ له حقه في
الكرامة، كما قام النبي ﷺ لجنازة يهودي، فقال: «أليست نفسًا؟»، وأن يتجسَّد
التكريم في تعليمٍ يحرّر العقول لا يبرمجها، وقضاءٍ ينصف المظلوم لا يُجامل القوي،
وبيئة عملٍ تحفظ للإنسان كرامته.
وقـد علّمنا تراثنا أن الحضارة
الإسلامية لم تُبدع إلا حين كان العقل محترمًا، والسؤال مشـروعًا، والاجتهاد
مطلوبًا، فازْدهرت العلوم، وتقدّم الطب، وازدهرت الفلسفة والفقه والعمران.
ولا نهضة -أيها الإخوة- في أمةٍ يُهان
فيها الإنسان، أو يُقصَى، أو يُختزل في رقمٍ أو أداة.
ولقد أثبتت التجارب الحضاريَّـة أن
الأمم التي تحترم الإنسان وتكرمه، تنبت فيها العلوم والفنون والتقنية. وليس من
قبيل الصُّدفة أن حضارات اليابان وكوريا وأوروبا الغربية، التي لا ترتبط بالإسلام،
وضعت احترام الإنسان والآخر حجر الأساس في حياتهم اليومية؛ فالتزامهم بالنظام،
واحترام القوانين، والحفاظ على حقوق الفرد في المجتمع، جعلهم شعوبًا متقدمة، رغم
أنهم غير مسلمين.
ثانيًا: (احترام الأكوان) ... التعايش
مع المحراب الكبير
عباد الله، حين يقرأ المسلم قول الله
تعالى: ﴿سَبَّحَ لِله مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يدرك أن الكون
كلَّه محراب تسبيح، وأن الإنسان ليس سيّدًا متجبرًا فيه، بل خليفةٌ مؤتمن.
واحترام الأكوان في الإسلام يعني:
ألا يتحول الكون إلى مخزنٍ للنهب، ولا
الطبيعة إلى ضحيةٍ للجشع، وأن يكون المسلم أمينًا في استهلاكه، رفيقًا في تعامله،
متوازنًا في عمرانه. وقد جسّد تراثنا هذا المعنى عمليًّا؛ فجعلوا الرفق بالحيوان
وقفًا، وحوّلوا العمارة إلى فنٍّ يحترم الطبيعة والبيئة، ونهوا عن الإسراف حتى في
الماء، ولو كان على نهرٍ جارٍ.
وفي واقعنا المعاصر، يتجلى احترام
الأكوان في: حماية البيئة، ومواجهة التلوث، وترشيد الطاقة، والحفاظ على الموارد
للأجيال القادمة.
إنَّ المسلم الحق لا يمكن أن يكون
مفسدًا في بيئته، ولا مدمّرًا لأرضه، بل هو الذي يغرس فسيلته، ولو قامت الساعة،
مؤمنًا أن الإصلاح في الكون عبادة. والأدهى من ذلك، أننا نرى شعوبًا غير مسلمة مثل
اليابان تحترم البيئة بشكل مذهل، فتجد مُدنهم وشوارعهم -في الغالب الأعمّ- نظيفة،
وغاباتهم مصانة، وحياة الإنسان والطبيعة متوازنة. وهذا يدل على أن احترام الأكوان
ليس قاصرًا على المسلمين، لكنه قيمة إنسانية عالمية، وعلينا أن نحتذي بها، مع أن
ديننا قد سبَقَ إليها بأكثر من ألف سنة.
ثالثًا: (احترام الأوطان) ... الوفاء
الذي يبني ولا يهدم
أيها المسلمون، الوطن في ميزان الإسلام
ليس معبودًا، ولا فكرةً مجردة، بل هو وعاء القيم، ومسرح الرسالة، وأرض الاستخلاف.
وقد عبّر النبي ﷺ عن هذا المعنى حين
قال لمكة: «والله إنكِ لأحـبُّ بلادِ الله إليَّ، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما
خرجت». واحترام الأوطان ليس هتافًا، بل سلوك: إتقان العمل، الحفاظ على الممتلكات
العامة، مقاومة الفساد، تعزيز الوحدة، وتقديم المصلحة العامة على الأهواء الشخصية.
وحين ازدهرت بغداد وقرطبة والقاهرة، لم
تزدهر بالشِّعـارات؛ بل بعلمائها، ومؤسساتها، وعدلها، واحترام الإنسان فيها، ولا
وطن قوي بلا عدل، ولا سيادة بلا وعي، ولا استقرار بلا مواطنة إيجابية.
نحو حضارة حقيقية
إن احترام الإنسان، واحترام الأكوان،
واحترام الأوطان، تحـت مرجعية العلم والعلماء، هو الطريق إلى حضارة حقيقية، توازن
بين الروح والمادة، توازن بين الأصالة والمعاصرة، وتوازن بين الثبات والتجديد.
ويجـب علينا اليوم، دعاة وعلماء
ومثقفين وآباء، أن نغرس هذه الثقافة في نفوس الناشئة؛ ليعرفوا أن التدين ليس
اعتزالًا للحياة، بل انخراط واعٍ في عمارة الأرض بكل احترام وتفانٍ.
اللهم أَحْيِ فينا معاني الاحترام،
واحفظ كرامة الإنسان، وأصلح لنا الأكوان، واحفظ أوطاننا من الفتن، ووفق علماءنا
للقيام بحق الأمانة..
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم،
فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم..