تضحيات لا تُنسى
الشهادةُ منحةٌ ربانيةٌ وصفقة إلهيةٌ .
نماذجُ للصحابة مشرقةٌ في الشهادةِ
في سبيلِ الله
.
كرامات ومنازل الشهداء عند الله .
فضل شهر شعبان.
الحمدُ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونتوبُ
إليهِ ونستغفرُهُ ونؤمنُ بهِ ونتوكلُ عليهِ ونعوذُ بهِ مِن شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ
أعمالِنَا، ونشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأنَّ سيِّدَنَا مُحمدًا
عبدُهُ ورسولُهُ ﷺ. أمَّا بعدُ:
أولاً : الشهادةُ منحةٌ ربانيةٌ وصفقة إلهيةٌ .
عباد الله:
إن الشهادة في سبيل الله من أعلي المنازل عند الله تعالى وهي الصفقة الرابحة
بين العبد وربه
.
قال تعالى: إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ
مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَ ٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ یُقَـٰتِلُونَ
فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ فَیَقۡتُلُونَ وَیُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَیۡهِ حَقࣰّا فِی ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِیلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ
وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُوا۟ بِبَیۡعِكُمُ ٱلَّذِی
بَایَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَ ٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِیمُ﴾ [التوبة
١١١]
فالمشتري هو الله، والثمن الجنة ،
يا لها من صفقة رابحة.
:{فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ} [التوبة:111]
ولهذا فلقد تمنى النبي ﷺ الشهادة مقسما فقال: ” وَالَّذِي نَفْسِي
بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ
ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ.” ( متفق عليه ).
ولهذا لقد كان الصحابة رضي الله عنهم يتمنون الشهادة في سبيله
لما لها من هذه المكانة العظيمة
.
ثانياً :نماذجُ للصحابة مشرقةٌ في الشهادةِ
في سبيلِ الله
وهذه نماذج مشرقة للصحابة :
قال تعالى﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا
اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا
بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾( الأحزاب:23)
* فهذا حنظلة تزوج حديثاً وقد جامع امرأته
في الوقت الذي دعا فيه الداعي للجهاد فيخرج وهو جنبٌ ليسقط شهيداً في سبيل الله، ليراه
النبي بيد الملائكة تغسله ليسمى بغسيل الملائكة. ( ابن حبان الحاكم وصححه) .
*وهذا مثال آخر لطلب الشهادة، ففي غزوة بدر
، قالَ صلى الله عليه وسلم لأصحابِهِ :
” قوموا إلى جنَّةٍ عرضُها السَّمَواتُ والأرضُ،
فقالَ عميرُ بنُ الحمامِ الأنصاريُّ: يا رسولَ اللهِ، جنَّةٌ عرضُها السَّمواتُ والأرضُ؟
قال: نعَم ، قال: بخٍ بخٍ ، فقالَ رسولُ اللهِ وما يحملُكَ علَى قولِ بخٍ بخٍ؟ قال:
لا واللهِ يا رسولَ اللهِ، إلَّا رجاءَ أن أَكونَ من أَهلِها ؟ قال: فإنَّكَ من أَهلِها
. . . فأخرجَ تمراتٍ من قرنِهِ، فجعلَ يأْكلُ منْهنَّ. ثمَّ قال: لئِن أنا حييتُ حتَّى
آكلَ تمراتي هذِهِ إنَّها حياةٌ طويلةٌ ، فرمى ما كانَ معَهُ منَ التَّمرِ ثم قاتَلَهم
حتَّى قُتلَ َ ” ( مسلم
).
*وهذا أَنَسَ بْنَ النَّضْرِ تَغَيَّبَ عَنْ
قِتَالِ بَدْرٍ وَقَالَ:
تَغَيَّبْتُ عَنْ أَوَّلِ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ
النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – ، وَاللَّهِ لَئِنْ أَرَانِي اللَّهُ قِتَالًا لَيَرَيَنَّ
مَا أَصْنَعُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ – صلى
الله عليه وسلم – وَأَقْبَلَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ يَقُولُ: أَيْنَ؟! أَيْنَ؟! فَوَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ دُونَ أُحُدٍ قَالَ: فَحَمَلَ فَقَاتَلَ
, فقُتِلَ فَقَالَ سَعْدٌ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَطَقْتُ ما أطاق فقالت
أخته: والله ما عرفت أَخِي إِلَّا بِحُسْنِ بَنَانِهِ فَوُجِدَ فِيهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ
جِرَاحَةً ضَرْبَةُ سَيْفٍ وَرَمْيَةُ سَهْمٍ وَطَعْنَةُ رُمْحٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ:
{ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ
مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب:
23] (صحيح ابن حبان
).
* وهذا مثال لصحابي أعرج:
رخص له في عدم الخروج ومع ذلك خرج لطلب
الشهادة، ألا وهو عمرو بن الجموح رضي الله عنه كان شيخاً من الأنصار أعرج، فلما خرج
النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى غزوة بدر قال لبنيه : أخرجوني ( أي للقتال ) فذُكر
للنبي – صلى الله عليه وسلم – عرجه ، فأذن له في البقاء وعدم الخروج للقتال ، فلما
كان يوم أحد خرج الناس للجهاد ، فقال لبنيه أخرجوني !! فقالوا له :
قد رخص لك رسول الله – صلى الله عليه وسلم
– في عدم الخروج للقتال ، فقال لهم هيهات هيهات !! منعتموني الجنة يوم بدر والآن تمنعونيها
يوم أحد !! فأبى إلا الخروج للقتال ، فأخرجه أبناؤه معهم ، فجَاءَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ
إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ مَنْ قُتِلَ الْيَوْمَ دَخَلَ الْجَنَّةَ؟ قَالَ:(نَعَمْ) قَالَ: فَوَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أرجعُ إِلَى أَهْلِي حَتَّى أَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَقَالَ لَهُ
عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا عَمْرُو! لَا تَألَّ عَلَى اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
– صلى الله عليه وسلم – : ” مَهْلًا يَا عُمَرُ! فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ
عَلَى اللَّهِ لأَبَّره، مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ يَخُوضُ فِي الجنة بعرجته”
(صحيح ابن حبان
) .
وأخرج البخاري من حديث أنس رضي الله عنه
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ
يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا الشَّهِيدُ
يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى
مِنْ الْكَرَامَةِ .” أي من فضل الشهادة
*ولذلك تمنى عبدالله – والد جابر رضي الله
عنهما والذي استشهد في غزوة أحد – الرجوع إلى الدنيا ليقتل في سبيل الله مرة أخرى؛
لما يراه من النعيم! فعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ : ” لَمَّا قُتِلَ عَبْدُ
اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ يَوْمَ أُحُدٍ ، لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله
عَليْهِ وسَلَّمَ فَقَالَ : يَا جَابِرُ ، مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا ؟ قَالَ :
يَا رَسُولَ اللهِ ، اسْتُشْهِدَ أَبِي
، وَتَرَكَ عِيَالاً وَدَيْنًا ، قَالَ : أَفَلاَ أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ
بِهِ أَبَاكَ ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ ، قَالَ: مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا
قَطُّ إِلاَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ، وَكَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا ، فَقَالَ: يَا عَبْدِي
، تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ ، قَالَ: يَا رَبِّ تُحْيِينِي ، فَأُقْتَلُ فِيكَ ثَانِيَةً
، فَقَالَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ: إِنَّهُ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لاَ يَرْجِعُونَ،
قَالَ: يَا رَبِّ ، فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:
{وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ
عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}.( ابن ماجة والترمذي وحسنه).
من أروع ماقرأت
# وهذا جليبيب رضي الله عنه .
وَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ
- رضي الله عنه - أن رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال لِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ:
" زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ " , فَقَالَ: نِعِمَّ وَكَرَامَةٌ يَا رَسُولَ اللهِ
, وَنُعْمَ عَيْنِي , فَقَالَ: " إِنِّي لَسْتُ أُرِيدُهَا لِنَفْسِي "
, قَالَ: فَلِمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ , قَالَ: " لِجُلَيْبِيبٍ " فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ , أُشَاوِرُ أُمَّهَا ,
فَأَتَى أُمَّهَا فَقَالَ: " رَسُولُ
اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَخْطُبُ ابْنَتَكِ " , فَقَالَتْ: نِعِمَّ وَنُعْمَةُ
عَيْنِي زَوِّجْ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ:
إِنَّهُ لَيْسَ يُرِيدُهَا لِنَفْسِهِ
, قَالَتْ: فَلِمَنْ؟ , قَالَ: لِجُلَيْبِيبٍ قالت , لَا, لَعَمْرُ اللهِ لَا أُزَوِّجُ
جُلَيْبِيبًا فَلَمَّا أَرَادَ أنْ يَقُومَ
لِيَأتِيَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لِيُخْبِرَهُ بِمَا قَالَتْ أُمُّهَا
, قَالَتْ الْجَارِيَةُ: مَنْ خَطَبَنِي إِلَيْكُمْ؟ , فَأَخْبَرَتْهَا أُمُّهَا ,
فَقَالَتْ: أَتَرُدُّونَ عَلَى رَسُولِ
اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَمْرَهُ؟ ادْفَعُونِي إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه
وسلم - فَإِنَّهُ لَا يُضَيِّعْنِي
فَانْطَلَقَ أَبُوهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ
- صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: شَأنَكَ بِهَا , " فَزَوَّجَهَا جُلَيْبِيبًا ,
فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه
وسلم - فِي غَزْوَةٍ لَهُ , فَلَمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْهِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ:
هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟ " قَالُوا:
نَعَمْ , فُلَانًا , وَفُلَانًا , وَفُلَانًا , ثُمَّ قَالَ: " هَلْ تَفْقِدُونَ
مِنْ أَحَدٍ؟ " , قَالُوا: نَعَمْ , فُلَانًا وَفُلَانًا , وَفُلَانًا , ثُمَّ
قَالَ: " هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟ " , قَالُوا: لَا فَقَالَ رَسُولُ
اللهِ - صلى الله عليه وسلم
-:
" لَكِنِّي أَفْقِدُ جُلَيْبِيبًا , فَاطْلُبُوهُ
" , فَطُلِبَ فِي الْقَتْلَى , فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ
, ثُمَّ قَتَلُوهُ
فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ , هَا هُوَ
ذَا إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ , قَدْ قَتَلَهُمْ ثُمَّ قَتَلُوهُ " فَأَتَى رَسُولُ
اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ: أَقَتَلَ سَبْعَةً ثُمَّ
قَتَلُوهُ؟ هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ , هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ , قَالَ:
فَوَضَعَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه
وسلم - عَلَى سَاعِدَيْهِ فَحُفِرَ لَهُ مَا
لَهُ سَرِيرٌ إِلَّا سَاعِدَا رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ وَضَعَهُ
فِي لَحْدِهِ
ما أكرم الشهيد وما أكرم جليبيب بتكريم النبي صلى الله عليه وسلم له
. أو كما في القصة
.
(رواها الإمام أحمد في مسنده و مسلم في صحيحه
كتاب فضائل الصحابة
)
*وعن شداد بن الهاد: أن رجلاً من الأعراب
جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه
ثم قال: أُهَاجِرُ معك. فأوصى به النبي
صل الله عليه وسلم بعضَ أصحابه،
فلمَّا كانت غزوةٌ غَنِمَ النبي صل الله
عليه وسلم سَبْيًا فَقَسَمَ، وقَسَمَ له، فأعطى أصحابه ما قَسَمَ له وكان يرعى ظهرهم،
فلمَّا جاء دفعوه إليه فقال: ما هذا؟
قالوا: قَسَمٌ قسمه لك النبي صل الله عليه
وسلم. فأخذه، فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم
فقال: ما هذا؟ قال: "قَسَمْتُهُ لَكَ".
قال: ما على هذا اتَّبَعْتُك، ولكني اتبعتك
على أن أرمى إلى ها هنا - وأشار إلى حلقه بسهم - فأموت فأدخل الجنة.
فقال صل الله عليه وسلم: "إِنْ تَصْدُقِ
اللهَ يَصْدُقْكَ". فلبثوا قليلاً ثم نهضوا في قتال العدو
فأُتِيَ به النبيُّ صل الله عليه وسلم يُحْمَلُ
قد أصابه سهم حيث أشار
فقال النبي صل الله عليه وسلم: "أَهُوَ
هُوَ". قالوا: نعم.
قال: "صَدَقَ اللهَ فَصَدَقَهُ".
ثم كفَّنه النبي صل الله عليه وسلم في جُبَّة النبي صل الله عليه وسلم، ثم قدَّمه فصلَّى
عليه
فكان فيما ظهر من صلاته: "اللَّهُمَّ
هَذَا عَبْدُكَ خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ فَقُتِلَ شَهِيدًا أَنَا شَهِيدٌ عَلَى
ذَلِكَ"
رواه النسائي وصححه الألباني .
والشهادةُ الحقيقيةُ :
ما كانت خالصةً لوجه اللهِ الكريم
لذا من سأل الله الشهادة بصدق وبنية خالصة
اعطيها
.
فعن سهل بن حنيف-رضي الله عنه- – قال النبى ﷺ " مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ
بِصِدْقٍ ؛ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ ؛ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ
” ( مسلم )، يقول الإمام النووي:
” معناه: أنه إذا سأل الشهادة بصدق أعطي من
ثواب الشهداء،
وكان عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ يقول في دعائه :
” اللهمَّ ارزقْنِي شهادَةً في سبيلِكَ ،
واجعلْ موتِي في بلَدِ رسولِكَ – صلى الله عليه وسلم -.” ( البخاري )،
واستجاب الله دعاءه ورزقه الله الشهادة ودفن بجوار المصطفي -صلى الله
عليه وسلم
-
فالشهادةُ منحةٌ ربانيةٌ وصفقة إلهيةٌ يختصُ اللهُ بها مَن يشاءُ مِن عبادهِ قال جلَّ وعلا :
( وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾(آل عمران:
140)
و الشهدَاء أرفعُ الناسِ درجةً بعدَ الأنبياءِ والصديقين،
قالَ تعالى : {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ
أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا (النساء:69 ).
ثالثاً : كرامات ومنازل الشهداء عند الله .
عباد الله:
إن ثمرات الشهادة وكرامات الشهداء كثيرة
في الدنيا والآخرة،
منها أن للشهيد النور يوم القيامة قال تعالى"
وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ۖ ﴾ الحديد
وقد جمع الرسول صلى الله عليه وسلم بعضاً
منها في حديثه النبوي الشريف؛
روى الترمذيٌّ بسندٍ صحيحٍ عَنِ الْمِقْدَامِ
بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ « لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ
يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَيُجَارُ
مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَيَأْمَنُ مِنَ الْفَزَعِ الأَكْبَرِ وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ
تَاجُ الْوَقَارِ الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَيُزَوَّجُ
اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الْحُورِ الْعِينِ وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ
مِنْ أَقَارِبِهِ
"
ومِن فضائلِ الشهادةِ :
أنّ الشهيدَ لا يفتنُ في قبرهِ فعَنْ رَاشِدِ
بْنِ سَعْدٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَجُلاً قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ
مَا بَالُ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ إِلاَّ الشَّهِيد قَالَ : كَفَى
بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً (( رواه النسائي.
ومِن فضائلِ الشهادةِ في سبيلِ اللهِ أنَّ
الشهيدَ لا يشعرُ بالألمِ عندَ موتهِ: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه
ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنْ مَسِّ الْقَتْلِ
إِلاَّ كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مِنْ مَسِّ الْقَرْصَة((رواه الترمذيُّ.
والشهداءُ لا يُصعقونَ مِن النفخِ في الصُّورِ:فعن
أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه عن النبيِّ ﷺ أنَّه سألَ جبريلَ عليه السلامُ عن هذه
الآيةِ: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ
إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ﴾ (الزمر: 68): ((مَن الذين لم يَشأ اللهُ أنْ يصعقَهُم؟
قال: هم شُهداءُ اللهِ))(رواه الحاكم)
ومن هذه الكرامات الحياة بعد الاستشهاد مباشرة .
قال تعالى:
{ وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ} ( البقرة: 154).
وقال تعالى:
{ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي
سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } ( آل عمران
: 169
) .
وهذه هي صفة الحياة الأولى فهم أحياء أولاً
بهذا الاعتبار الواقعي في دنيا الناس، ثم هم أحياء عند ربهم باعتبار آخر لا ندري عن
كنهه، وحسبنا إخبار الله تعالى به
( أحياء ولكن لا تشعرون )
لأن كنه هذه الحياة فوق إدراكنا البشرى
القاصر المحدود لكنهم أحياء، ومن ثم لا يغسلون كما يغسل الموتى، ويكفنون في ثيابهم
التي استشهدوا فيها فالغسل تطهير للجسد ؛ وهم أطهار بما فيهم من حياة، وثيابهم في الأرض
ثيابهم في القبر لأنهم بعد أحياء
.
والحياة ليست قاصرة على الروح فقط ؛ بل
تشمل حياة الأجساد وحفظها من التآكل والعفن؛
فقد روى مالك عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة
( أنه بلغه أن عمرو بن الجموح ، وعبد الله بن عمرو الأنصاريين ثم السلميين كانا قد
حفر السيل قبرهما ، وكان قبرهما مما يلي السيل وكانا في قبر واحد ، وهما ممن استشهد
يوم أحد فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس ، وكان أحدهما
قد جرح فوضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت
، وكان بين أحد وبين يوم حفر عنهما ست وأربعون سنة ) .
وروى الذهبي أن ( أبا طلحة رضي الله عنه
غزا في البحر فمات ، فطلبوا جزيرة يدفنونه فيها فلم يقدروا عليها إلا بعد سبعة أيام
وما تغير
).
ومن الكرامات :
أن من يكلم في سبيل الله يأتي يوم القيامة
اللون لون الدم والريح ريح المسك
:
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم:
” وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُكْلَمُ
أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ؛ إِلَّا
جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ.
" (البخاري).
ومن الكرامات : أن الشهيد في الفردوس الأعلى .
فقد أخرج البخاري في ( الصحيح ) أن أم حارثه
أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت:
” يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَلَا تُحَدِّثُنِي
عَنْ حَارِثَةَ؟ وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ؛ فَإِنْ كَانَ
فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ.
قَالَ: يَا أُمَّ حَارِثَةَ إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ؛ وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ
الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى.”
بل إن الشهيد هو أول من يدخل الجنة؛ روى
الترمذي عن أبي هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم:” عرض علي أول ثلاثة يدخلون الجنة،
وأول ثلاثة يدخلون النار، فأما أول ثلاثة يدخلون الجنة فالشهيد وعبد مملوك أحسن عبادة
ربه، ونصح لسيده، وعفيف متعفف ذو عيال. .”الحديث (وقال: حديث حسن).
ومن الكرامات : أن الملائكة تظل الشهيد
بأجنحتها
.
فعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
” جِيءَ بِأَبِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ وَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ فَذَهَبْتُ
أَكْشِفُ عَنْ وَجْهِهِ فَنَهَانِي قَوْمِي؛ فَسَمِعَ صَوْتَ صَائِحَةٍ فَقِيلَ: ابْنَةُ
عَمْرٍو أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو؛ فَقَالَ: لِمَ تَبْكِي أَوْ لَا تَبْكِي؛ مَا زَالَتْ
الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا.” ( البخاري ومسلم) .
ومن الكرامات : أن الشهداء لا يفتنون في
القبور
.
تقدم حديث المقدام بن معدي كرب وفيه ” ويجار
من عذاب القبر
.”،
وأخرج الحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله
عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأل جبريل عن هذه الآية : { وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ
وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ}، من الذين لم يشأ الله أن يصعقهم ؟ قال
: هم شهداء الله ” ، ( وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه) .
ومنها :
أن الشهيد لا يشعر بألم القتل وسكرات الموت :
روى الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة رضي
الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسم :
” ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة” (وقال: هذا حديث
حسن صحيح غريب)
،
ومنها :
أن أرواح الشهداء في جوف طير خضر :
روى مسلم في صحيحه من حديث مسروق قال :
سألنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن هذه الآية :
{ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي
سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } . قال :
أما أنا قد سألنا عن ذلك فقال :
( أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة
بالعرش ، تسرح من الجنة حيث شاءت ، ثم تأوي إلى تلك القناديل .. . الحديث.
قال ابن النحاس
:
” جعل الله أرواح الشهداء في ألطف الأجساد
وهو الطير ، الملون بألطف الألوان وهو الخضرة ، يأوي إلى ألطف الجمادات وهي القناديل
المنورة والمفرحة في ظل عرش اللطيف الرحيم لتكمل لها لذة النعيم في جوار الرب الكريم
، فكيف يظن أنها محصورة ، كلا والله إن هذا لهو الفوز العظيم لمثل هذا فليشمر المشمرون
وعليه فليجتهد المجاهدون.
“.
هذه هى كرامات الشهداء وفضائلهم، ونسأل
الله أن يرزقنا عيش السعداء، وميتة الشهداء، ومرافقة الأنبياء .
الخطبة الثانية
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على ما
لا نبى بعده
أيها الإخوة المسلمون:
إن دخول شهر شعبان لهو موسم عظيم لنا فيه
وقفات نتأمل فيها حال النبي صلى الله عليه وسلم؛ فنجد أنه كان يهتم به ما لم يهتم بغيره؛
فعن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال:
- ((قلت: يا رسول الله، لم أرَك تصوم شهرًا
من الشهور ما تصوم من شعبان؟قال:- ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان،وهو شهر تُرفَع
فيه الأعمال إلى رب العالمين،
فأُحب أن يُرفعَ عملي وأنا صائم))،رواه
النسائي وأحمد.
فإن الأعمال الصالحة تُرفع فيه إلى الله
عز وجل؛
كما قال تعالى:
﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ
الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾
[فاطر: 10].
وشهر شعبان فيه ليلة النصف منه ولها فضل
عظيم
فقد روى ابن ماجه من حديث أبي موسى الأشعري،
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
-
((إن الله تعالى لَيطلع في ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك
أو مشاحن)).
فإذا غفر الله تعالى للعبد في شهر شعبان
ظهرت آثار هذه المغفرة عليه، وهو يستقبل شهر رمضان بصفحة بيضاءَ، وفي أحسن الأحوال؛
فيزداد فيه من الاجتهاد بالطاعات والعبادات،
وتحصيل أسباب المغفرة والرحمات بإذن الله تعالى.
أسأل الله أن بوفقنا لمرضاته....
الدعاء....... واقم الصلاه......