تضحياتٌ لَا تُنْسى
ما معنى التضحية، وعلام تدل.
نماذج لتضحيات لا تنسى في القرآن والسنة.
وقفات مع ليلة النصف من
شعبان .
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين،
ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك،
وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله،
خيرً من ابتلي فصبر، وخير من رضي بالقضاء والقدر، وخير من جاد بنفسه وماله في سبيل
ربه حتى أتاه اليقين، فاللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأنصاره وأزواجه
وذريته، وعلى جميع إخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم جميعًا من المؤمنين، وبعد:
معنى التضحية، وعلام تدل
أيها الأحبة الكرام: فقد اقتضت حكمة المولى
سبحانه وتعالى أن يبتليَ عباده المؤمنين؛ ليمحصَهم ويظهرَ مدى ثباتهم على المبادئ،
والقيم الإيمانية، ويظهرَ مدى ثباتهم وصبرهم على الحق والدفاع عنه، ويظهرَ تضحيتهم
بالغالي والنفيس من أجله، قال تعالى: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ
قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ
الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ*وَلِيُمَحِّصَ
اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ*أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا
الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}[آل
عمران:140ـ142].
والتضحية هي: بذلُ (دفع وتقديم) كلِّ غالٍ
ونفيسٍ (كالنفس أو الوقت أو المال...الخ)؛ لأجل غايةٍ ساميةٍ، وهدفٍ نبيلٍ، ابتغاء
مرضات الله (عزّ وجلّ)، واحتسابًا للأجر والثواب عنده(سبحانه وتعالى).
والتضحية علامةٌ على: الطهارة من الأنانية
وحبِّ الذات، و دليلٌ على امتلاء القلب باليقين بوعد الله سبحانه وتعالى، ودليلٌ على
الرغبة فيما عنده (عزّ وجلّ)، والإعراض عما في أيدي الناس.
نماذج لتضحيات لا تنسى في القرآن والسنة
أيها الأخوة الأحباب: لقد أشار القرآن الكريم،
والسنة النبوية المطهرة إلى العديد من نماذج التضحية التي لا تنسى، منها:
1ـ تضحية سيدنا رسول الله (ص) في سبيل الدعوة،
وتبليغ الرسالة، فقد تحمل النبي صلى الله عليه وسلم ألوانًا من العذاب والاضطهاد، والأذى،
والتكذيب من قريش، وغيرهم كأهل الطائف، وفارق وطنه، وأهله، وفقد أحبائه وأصحابه وبني
عمومته، وعانى مع أهله وأصحابه ويلات الجوع والحصار، والإيذاء الجسدي والنفسي، طمعاً
في إعلاء كلمة الله وهداية الناس، مستكملًا رسالته رغم التحديات الكبيرة، ومن أراد
أن يقف على ذلك، فليطالع السيرة النبوية وأحداثها ومشاهدها، ومنها:
2ـ تضحية الصحابة الكرام (رضي الله عنهم)
في نصرة الدين، وعزة الإسلام، فعلى سبيل المثال لا الحصر يقول الله (عزّ وجلّ): {مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى
نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}[الأحزاب:23]، فقد
نزلت تلك الآية المباركة في سيدنا أنس بن النضر (رضي الله عنه) لما انكشف المسلمون
يوم أحد، قال: (اللهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤُلَاءِ)، يعني
المشركين، (وَأَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ)، يعني المسلمين، ثم مشى
بسيفه، فلقيه سعد بن معاذ، فقال: (أَيْ سَعْدُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَجِدُ
رِيحَ الْجَنَّةِ دُونَ أُحُدٍ، وَاهًا لِرِيحِ الْجَنَّةِ). قال سعد: (فَمَا اسْتَطَعْتُ
يَا رَسُولَ اللهِ مَا صَنَعَ). قال أنس: (فَوَجَدْنَاهُ بَيْنَ الْقَتْلَى بِهِ بِضْعٌ
وَثَمَانُونَ جِرَاحَةً، مِنْ ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ وَطَعْنَةٍ بِرُمْحٍ وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ،
قَدْ مَثَّلُوا بِهِ، قَالَ: فَمَا عَرَفْنَاهُ حَتَّى عَرَفَتْهُ أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ)(متفق
عليه واللفظ لحلية الأولياء).
وانظروا إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة فيقول صلى الله عليه وسلم: (مَنْ
يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ فَيَجْعَلَ دَلْوَهُ مَعَ دِلَاءِ المُسْلِمِينَ (يكون نصيبه
كنصيبهم) بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ)؟. فيشتريها سيدنا عثمان بن عفان (رضي
الله عنه) من حُرّ ماله، ويجعلها وقفًا للمسلمين، وانظروا إلى المسجد النبوي يضيق بالمصلين،
فيقول صلى الله عليه وسلم: (مَنْ يَشْتَرِي بُقْعَةَ آلِ فُلَانٍ فَيَزِيدَهَا فِي
المَسْجِدِ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الجَنَّةِ؟). فيشتريها عثمان بن عفان (رضي الله
عنه) من صلب ماله، ويجعلها توسعةً للمسجد النبوي. (رواه الترمذي).
وانظروا لعثمان بن عفان (رضي الله عنه)
مرة ثالثة حينما حثّ النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر على تجهيز جيش العسرة
(غزوة تبوك في العام التاسع الهجري؛ لأنها كانت في شدة الحر، وجدب البلاد)، فيقوم عثمان
(رضي الله عنه) ويقول: يا رسول الله عليّ مائة بعير بأحلاسها (كساء رقيق يجعل تحت البردعة)
وأقتابها (جمع قتب بفتحتين وهو رحل صغير على قدر سنام البعير وهو للجمل كالإكاف لغيره)
في سبيل الله، ثم يحض النبي على تجهيز الجيش مرة ثانية، فيقوم عثمان (رضي الله عنه)
ويقول: يا رسول الله علي مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم يحض النبي
على تجهيز الجيش مرة ثالثة، فيقوم عثمان (رضي الله عنه) ويقول: يا رسول الله علي ثلاث
مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، فيزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من على
المنبر وهو يقول: (مَا عَلَى عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ هَذِهِ، مَا عَلَى عُثْمَانَ
مَا عَمِلَ بَعْدَ هَذِهِ)(رواه الترمذي، وأحمد)، ومنها:
3ـ تضحية الوالدين، وبذلهما كل غال ونفيس
من أجل أولادهما، فإذا كان الله سبحانه وتعالى هو الذي كلأنا ورعانا، وبرزقه غذانا،
فالوالدان هما اللذان سعيا علينا وهما من باشر تلك التربية.
وإذا كان الله سبحانه وتعالى لا يطلب منا
أجرًا على نعمه، وآلائه فكذلك الوالدان لا يطلبان من جزاء ولا شكورًا نظير خدماتهما
لنا.
وإذا كان الله سبحانه وتعالى لا يقطع فضله
عن خلقه وعبيده حتى ولو كانوا مشركين كفرة فكذلك الوالدان لا يقطعان خيرهما وبرهما
عن ولدهما ولو كان عاقًا لهما.
وإذا كان الله سبحانه وتعالى لا يرضى لعباده
إلا كل خير فكذلك الوالدان لا يتمنيان لولدهما إلا كل خير بل يتمنيان أن يكون ولدهما
أفضل منها، ويبذلان في سبيل ذلك كل غال ونفيس، وصدق الله إذ يقول: {وَقَضَى رَبُّكَ
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ
عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا
تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا*وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ
مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}[الإسراء:24،23]،
ومنها:
4ـ تضحية الشهداء في العصر الحديث بأنفسهم
دفاعًا عن الوطن، وحماية لمقدراته، فمن أعلى مراتب التضحية؛ التضحيةُ بالنفس، وبذلُها
لتكونَ كلمة الله هي العليا، بذلُها دفاعًا عن الحرمات والمقدسات، والأوطان، بذلُها
نصرة للحق وقيامًا به، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ
وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ
وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ
وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ
بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}[التوبة:111]، وقال (صلى الله عليه وسلم):
(مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ لَهُمْ، رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ
اللهِ، يَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ، كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً أَوْ فَزْعَةً طَارَ عَلَيْهِ،
يَبْتَغِي الْقَتْلَ وَالْمَوْتَ مَظَانَّهُ (من مواطنه التي يرجى فيها لشدة رغبته
في الشهادة)...)(رواه مسلم).
فالتضحية بمراتبها وأنواعها المتعددة من
شيم الصالحين الأوفياء الشرفاء، ولا سيما إذا كانت التضحية في سبيل الله (عزّ وجلّ)،
ومن أجل الوطن ومن أجل إعلاء منزلته ومكانته، كما رأينا من الصحابة (رضي الله عنهم)،
فقد ضحوا بكل غال ونفيس، في سبيل الله، وفي سبيل الوطن وإعلاء منزلته ومكانته، كما
تعلموا من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الوطن ما هو إلا أرضٌ وعرضٌ ومالٌ
وحرماتٌ ومقدساتٌ، وكل ذلك أُمرنا بالدفاع عنه، مع الدفاع عن الدين، قال (صلى الله
عليه وسلم): (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ
أَوْ دُونَ دَمِهِ أَوْ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)(رواه أبو داود).
عباد الله: البر لا يبلى، والذنب لا ينسى،
والدّيّان لا يموت، اعمل ما شئت كما تدين تدان، فادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة،
فالتائب من الذنب كمَنْ لا ذنب له.
الخطبة الثانية
وقفات مع ليلة النصف من شعبان
الحمد لله رب العالمين، أعدّ لمَنْ أطاعه
جنات النعيم، وسعرّ لمَنْ عصاه نار الجحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين،
وأصلي وأسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله
وصحبه أجمعين، وبعد:
أيها الأحبة الكرام: من مكانة شهر شعبان
اشتمالُه على ليلة عظيمة مباركة ألا وهي ليلة النصف من شهر شعبان، وهي الليلة التي
تأتي بعد اليوم الرابع عشر منه سواء أكان الشهر تسعة وعشرين يومًا أم ثلاثين يومًا،
فمن المعلوم شرعًا أن الليل سابق النهار.
((مكانتها، وفضلها من خلال الأحاديث والآثار))
وليلة النصف من شعبان ليلة عظيمة مباركة،
ولله في أيام دهره نفحاتٌ ورحماتٌ وبركات ـ ففضلها ومكانتها غير مستبعد عقلًا، كما
أنه واقعٌ شرعًا يدلنا على ذلك ما جاء في فضلها ومكانتها من أحاديث وآثار عن النبي
صلى الله عليه وسلم، وصحابته (رضوان الله عليهم)، والسلف الصالح من بعدهم، كالآتي:
1ـ ليلة الرحمة يصبُّ الحق تبارك وتعالى
فيها الرحمات، وهذا مستفادٌ من اطلاعه (نظره) سبحانه وتعالى لخلقه، والاطلاع منه سبحانه
وتعالى اطلاع رحمة، قال (صلى الله عليه وسلم): (إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ
النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ)(رواه
ابن ماجه)، والتعبير بالشرك والشحناء يقاس عليه بقية الكبائر.
2ـ ليلة غفران الذنوب وستر العيوب، لمن خلط
عملا صالحا وآخر سيئًا، إلا لأصحاب الكبائر المصرين عليها، ولعل ذلك فرعٌ من فروع الرحمة
الربانية في تلك الليلة المباركة، قال تعالى: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا
يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ
الْغَفُورُ}[سبأ:2]، وقال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْزِلُ
لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَغْفِرُ لِأَكْثَرَ
مِنْ عَدَدِ شَعْرِ غَنَمِ كَلْبٍ)(رواه الترمذي)، والتعبير بعدد شعر غتم بني كلب مرادًا
به الكثرة، كقول العرب: عدد النجوم، وعدد الحصى، وعدد الرمال، والحديث وإن كان ضعيفًا
سندًا إلا أن معناه متعضد بأحاديث أخرى كما سيتضح لنا.
3ـ الليلة التي لا يردّ فيها الدعاء، قال
صلى الله عليه وسلم: (إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَقُومُوا
لَيْلَهَا وَصُومُوا نَهَارَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ فِيهَا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ
إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: أَلَا مِنْ مُسْتَغْفِرٍ لِي فَأَغْفِرَ لَهُ
أَلَا مُسْتَرْزِقٌ فَأَرْزُقَهُ أَلَا مُبْتَلًى فَأُعَافِيَهُ أَلَا كَذَا أَلَا
كَذَا، حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ)(رواه ابن ماجه)، وهذا الحديث وإن كان فيه مقال فإنه
يتعضد بما جاء من نزول ربنا كل ليلة في الثلث الأخير من الليل كما في صحيح الإمام مسلم.
فزيادة في الرحمة الربانية، ومن فروع الاطلاع
الرباني فيه تنزل رحمته أو ملائكته من غروب الشمس في تلك الليلة المباركة، وعن ابن
عمر (رضي الله عنهما): (خَمْسُ لَيَالٍ لَا يُرَدُّ فِيهِنَّ الدُّعَاءُ: لَيْلَةُ
الْجُمُعَةِ، وَأَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبَ، وَلَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ،
وَلَيْلَةُ الْعِيدِ وَلَيْلَةُ النَّحْرِ)(شعب الإيمان).
4ـ ليلة مقادير العام، ففيها تنسخ الملائكة
في صحفها مقادير العام من اللوح المحفوظ، فعن عطاء بن يسار ت (94هـ): (تُنْسَخُ فِي
النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ الْآجَالُ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ ليَخْرُجُ مُسَافِرًا،
وَقَدْ نُسِخَ مِنَ الْأَحْيَاءِ إِلَى الْأَمْوَاتِ، وَيَتَزَوَّجُ وَقَدْ نُسِخَ
مِنَ الْأَحْيَاءِ إِلَى الْأَمْوَاتِ)(مصنف عبد الرزاق).
((كيفية إحياء تلك الليلة المباركة))
فهذه الليلة العظيمة المباركة من شهر شعبان،
وشهر شعبان يستحب فيه ما يستحب في أيام وليالي رمضان من العبادة والطاعة استدلالًا
بكثرة صيام النبي صلى الله عليه وسلم لأيامه، وهدي السلف الصالح إذا رأوا هلال شعبان.
وتلك الليلة لا شك أنها من جملة الأيام
البيض (القمرية) فيستحب في يومها الصيام ويستحب فيها القيام، والدعاء، والصلاة، والتوبة
والأوبة والرجوع إلى (عزّ وجلّ)، وجميع ألوان العبادة والطاعة، وهذا هو الإحياء الأمثل
لها، وما ذكر في فضلها ومكانتها من أحاديث يدل على ذلك، وكل هذه العبادات مرغبٌ فيها
طوال أيام العام، فلا مانع أن نخصص تلك الليلة بمزيدٍ منها تحريًا لفضلها.
(يجوز إحياء تلك الليلة في جماعة))
والجماعة في العبادة عمومًا مستحبة ومطلوبة،
ولها فضل وأجر عظيم، وأجر العبادة يزداد بها وخصوصًا في الصلاة كما هو معلوم من قول
النبي صلى الله عليه وسلم، كما أن جماعية الطاعة والعبادة فيها نوعٌ من سهولة أدائها
بخلاف التعبد منفردًا، والأحاديث الصحيحة تطالعنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان
يبدأ قيام الليل وإذا بأحد الصحابة يدخل معه في صلاته، ويأتم به كما كان من سيدنا ابن
عباس (رضي الله عنهما)، ومن سيدنا حذيفة بن اليمان (رضي الله عنهما)، وفضل الذكر في
جماعة معروف كما في حديث الملائكة السيارة وحديث الاجتماع في بيوت الله لمدارسة القرآن
الكريم.
ومن هنا أقول: لا مانع شرعًا من الاجتماع
على العبادة والطاعة في تلك الليلة المباركة، لما تقدم من أدلة عقلية ونقلية على ذلك،
كما أن هذا هو عمل السلف الصالح (رضوان الله عليهم) في مكة وغيرها، يقول الإمام الفاكهي
مسند مكة، وشيخ الإمامين الدار قطني والحاكم ت(353هـ): (ذِكْرُ عَمَلِ أَهْلِ مَكَّةَ
لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَاجْتِهَادِهِمْ فِيهَا لِفَضْلِهَا وَأَهْلُ مَكَّةَ
فِيمَا مَضَى إِلَى الْيَوْمِ إِذَا كَانَ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، خَرَجَ
عَامَّةُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَصَلَّوْا، وَطَافُوا، وَأَحْيَوْا
لَيْلَتَهُمْ حَتَّى الصَّبَاحَ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، حَتَّى
يَخْتِمُوا الْقُرْآنَ كُلَّهُ، وَيُصَلُّوا....وَأَخَذُوا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ تِلْكَ
اللَّيْلَةَ، فَشَرِبُوهُ، وَاغْتَسَلُوا بِهِ، وَخَبَّؤُوهُ عِنْدَهُمْ لِلْمَرْضَى،
يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ الْبَرَكَةَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَيُرْوَى فِيهِ أَحَادِيثُ
كَثِيرَةٌ)(أخبار مكة).
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: (وليلة النصف
من شعبان كان التابعون من أهل الشام كخالد بن معدان ومكحول ولقمان بن عامر وغيرهم يعظمونها
ويجتهدون فيها في العبادة وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها... واختلف علماء أهل الشام
في صفة إحيائها على قولين:
أحدهما: أنه يستحب إحياؤها جماعة في المساجد
كان خالد بن معدان ولقمان بن عامر وغيرهما يلبسون فيها أحسن ثيابهم ويتبخرون ويكتحلون
ويقومون في المسجد ليلتهم تلك ووافقهم إسحاق بن راهوية على ذلك وقال في قيامها في المساجد
جماعة: ليس ببدعة نقله عنه حرب الكرماني في مسائله.
والثاني: أنه يكره الاجتماع فيها في المساجد
للصلاة والقصص والدعاء ولا يكره أن يصلي الرجل فيها لخاصة نفسه وهذا قول الأوزاعي إمام
أهل الشام وفقيههم وعالمهم)(لطائف المعارف).
قلت (ابن الشايب): وتقليد من أجاز إحيائها
في جماعة جائز وهو الأرجح عندي كما تقدم.
((دعاء ليلة النصف والصلاة المئوية فيها))
ليلة النصف من شعبان هي ليلة إجابة الدعاء
كما تقدم، ومن هنا أقول: الدعاء في ليلة النصف من شعبان مستحبٌ ومندوب، وهو أحد العبادات
التي ينبغي أن نحيي بها تلك الليلة المباركة.
ولا يؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم دعاءٌ
في تلك الليلة، فللمؤمن أن يدعو بأي دعاء يتأتى له، والدعاء المبدوء بقولهم: (اللهم
يا ذا المن...) دعاءٌ طيب وجميل ملئ بالتضرع إلى الله والثناء عليه بما هو أهله، وقد
روي قريب منه عن عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) كما في مصنف بن أبي شيبة وغيره،
فلا مانع منه.
أما عن الصلاة المئوية فيها، وإن نقل الإمامان
الغزالي والفاكهي كيفيتها وصلاتها إلا أن الحقيقة العلمية أنها لم تنقل بسندٍ لا صحيح
ولا ضعيف عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو أحد صحابته أو التابعين، وهو تخصيص بعدد
ركعات لا دليل عليه، وقراءة معينة فيها لا دليل عليها، فالأولى والأرجح عدم صلاتها.
ولا مانع عندي: من إحياء هذه الليلة بصلاة
الحاجة ثلاث مرات فهي مسنونة، ويسأل الله تعالى البركة في العمر في أول مرة، ثم في
الثانية يسأل البركة في الرزق، ثم في الثالثة حسن الخاتمة، فالليلة ليلة الدعاء، ولا
مانع أن يقرأ سورة (يس) بعد كل مرة ويدعو بالدعاء المشهور، فسورة (يس) لما قرئت له،
ولا تقرأ على عسير إلا يسره الله (عزّ وجلّ).
فاللهمّ إنّا نسألك رضاك والْجَنَّةَ وَمَا
قَرَّبَ إِلَيْهَما مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، وَنعُوذُ بِكَ مِنَ سخطك ومن النَّارِ وَمَا
قَرَّبَ إِلَيْهَما مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ اللهم ارفع عنا الوباء والبلاء والغلاء، وأمدنا
بالدواء والغذاء والكساء، اللهم اصرف عنّا السوء بما شئت، وكيف شئت إنك على ما تشاء
قدير، وبالإجابة جدير، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنّا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منّا،
اللهمّ آمين، اللهمّ آمين.