بطولات لا تُنسى… ومعركة القلب في شعبان
أما بعد:
يقول ربنا تبارك وتعالى "وَلَا تَهِنُوا
وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ"
أيها المسلمون..
إننا لا نتحدث عن التاريخ لنبكي على الأطلال..
بل لنسحب "شرارة" العظمة من الماضي
لنحرق بها يأس الحاضر.
إن أمتكم ليست أمة "هامشية"،
بل هي أمةٌ جيناتها "البطولة"،
وتاريخها "المعجزات".
"انظروا يا عباد الله.. انقلوا أبصاركم وعقولكم
إلى أرض "مؤتة" ببلاد الشام..
ثلاثة آلاف من الصحابة، خرجوا ليؤدبوا إمبراطورية الروم التي تجبرت. وفجأة! يخرج
عليهم جيشٌ يسد الأفق، مائة ألف من الروم، ومائة ألف من قبائل العرب الموالية لهم..
مائتا ألف مقاتل ضد ثلاثة آلاف!
بالحسابات العسكرية المادية، هذه المعركة
لا تحتاج إلى وقت، بل هي إبادة في دقائق.. ولكن.. هل حسب الروم حساب "القلب"
الذي يسكنه الله؟
زيد بن حارثة (حب رسول الله ﷺ)
تقدم زيد بن حارثة، يحمل راية النبي ﷺ، وهو يعلم أن الموت ينتظره عند أول خطوة.
انطلق كالسهم في قلب مائتي ألف! لم ينظر خلفه ليرى كم بقي من أصحابه، بل كان ينظر أمامه
ليرى مقعده من الجنة.
يُطعن زيد، وتنهال عليه الرماح، والدماء تنزف من جسده دون توقف، وهو يشد على الراية كأنها روحه، حتى لقي الله شهيداً مُقبلاً غير مدبر. سقط زيد، لكن الراية.. الراية لا يجب أن تسقط!
هنا يتقدم جعفر بن أبي طالب، "جعفر الطيار"، الشاب الوسيم الذي يشبه النبي ﷺ خَلقاً وخُلقاً. أخذ الراية بيمينه وانغمس في لُجّة الجيش.
تخيلوا المشهد: الروم يحيطون به من كل جانب،
وسيوفهم تنهال عليه كالمطر.
ضُربت يمينه فبُترت! هل سقطت الراية؟ لا والله!
تلقفها بشماله فوراً، ولم يهتز له جفن.
ضُربت شماله فبُترت! هل استسلم؟ هل قال
"انتهى دوري"؟ لقد احتضن الراية بعضديه، بـ"ما تبقى من ذراعيه"،
وضمها إلى صدره بقوة، حتى لا يقال إن راية الإسلام سقطت في عهد جعفر. يقول الرواة:
"وجدنا في جبهة جعفر وبدنه أكثر من تسعين ضربة بين طعنة برمح وضربة بسيف، ليس
منها شيء في ظهره!".. كلها في الصدر، لأن الأبطال لا يفرون.
ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة، الشاعر
المؤمن. توقفت نفسه لحظة أمام هول المشهد، فعاتب نفسه بكلمات خلدها التاريخ:
"يا نفسُ إلا تُقتلي تَموتي.. هذا حِياضُ
الموتِ قد وَرَدتِ"
"إن تفعلي فعلهما رُضيتِ.. وإن تأخرتِ فقد
شقيتِ"
ثم اقتحم ولم يزل يقاتل حتى لحق الشهداء.
وهنا انتقلت الراية إلى "سيف الله
المسلول".
يا عباد الله.. تخيلوا ضراوة القتال! خالد
بن الوليد يقول بنفسه: "لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة سيوف ، فما بقي في يدي
إلا صفيحة يمانية".
تسعة أسياف تتكسر من قوة الضرب! أي سواعد
هذه؟ وأي إيمان هذا؟
خالد لم يكن يقاتل لينهي المعركة فحسب،
بل كان يخطط لإنقاذ ما تبقى من الجيش بعملية "انسحاب تكتيكي" تُدَرَّس اليوم
في أكبر الأكاديميات العسكرية بالعالم.
غير الميمنة مكان الميسرة، والمقدمة مكان
الساقة، وأمر الخيل أن تثير الغبار من بعيد، فظن الروم أن مدداً ضخماً جاء للمسلمين،
فدب الرعب في قلوب مائتي ألف مقاتل أمام "قليل " من المؤمنين!
هل تتخيلون رجلاً تتكسر في يده 9 سيوف في
يوم واحد؟ هذا والله ليس مجرد ضرب بالسلاح.
هذا غضبٌ لله انفجر في يد رجل!
️ومن مؤتة إلى القادسية..(الزلزال الذي كسر
عروش الأكاسرة)
تذكروا سعد بن أبي وقاص، القائد الذي منعه المرض
من الحركة، لكنه لم يمنعه من القيادة
فكان يدير المعركة من فوق القصر بقلبه وعقله
وتوكله على الله.
وفي ساحة القتال يعلو صوت القعقاع بن عمرو،
ذلك الصوت الذي قال عنه أبو بكر:
«صوت القعقاع في الجيش خيرٌ من ألف رجل».
وهنا يظهر معنى خطير…
أن أمةً كاملة قد يتغير مسارها بفرد واحد
إذا صدق مع الله.
هنا تظهر بطولة "الفرد" الذي
يغير مسار أمة. هل فينا اليوم من يزن صوته أو عمله ألف رجل؟
ثم ننتقل من ساحة القتال إلى ساحة الكرامة…
امرأةٌ واحدة أسيرة، مستضعفة، صرخت: وا
إسلاماه.
لم تكن قريبة المعتصم، ولا تملك مالًا،
ولا جيشًا،
لكنها كانت تملك شيئًا واحدًا: الانتماء.
فماذا فعل المعتصم؟
هل أرسل خطاب استنكار؟
هل اكتفى بالغضب الكلامي؟..........لا…
بل سير جيشًا أوله عند عمورية وآخره عند
بغداد!
لأن كرامة المسلم كانت عندهم أغلى من العروش
ثم نصل إلى مشهدٍ مختلف…
بطولة لا تقوم على الاندفاع، ولا على الحماسة
وحدها،
بل على التربية الطويلة.
محمد الفاتح…
لم يكن مجرد شابٍ في العشرين، بل كان مشروع
فتح
بدأ قبل أن يولد. ..أمٌّ تزرع في قلبه وهو
صغير:
أنت الأمير الذي سيفتح القسطنطينية
عندما كانت تأخذه وهو صغير، وتُشير له إلى
أسوار القسطنطينية العالية، وتقول له بكل يقين:
«شايف الأسوار دي؟
إنت اللي هتفتح القسطنطينية بإذن الله».
وعلماء يربّونه على أن الفتح لا يكون إلا
لمن جمع بين القرآن والعقل، وبين السجود والتخطيط.
كبر محمد الفاتح، ولم يكبر معه وهم المستحيل.
وقف أمام أسوار القسطنطينية، أسوارٍ قالت
عنها أوروبا:
لا تُفتح.
لكن الفاتح لم يرَ الأسوار، بل رأى الوعد.
لم يفتحها بالدعاء وحده، ولا بالجيش وحده،
بل بالعلم…
فصنع المدافع العملاقة، ونقل السفن فوق
الجبال بطريقة هندسية عملاقة
..
كان يعلم أن الله لا ينصر أمةً تتواكل،
بل أمةً تتوكل وتعمل.
وحين سقطت القسطنطينية لم يسقط حجر،
بل سقطت أسطورة المستحيل.
وهنا نفهم أن البطولة ليست لحظة حماس .بل
سنوات إعداد،
وأن النصر لا يولد في الميدان،
بل في المدرسة،
والمحراب،
وميدان العمل.
البطولة هنا هي (إلغاء كلمة مستحيل) من
قاموس المسلم.
قال سبحانه وتعالى "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا
فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
يا إخوة الإسلام.. هؤلاء هم أجدادكم. لم
يكونوا يملكون طائرات ولا دبابات، لكنهم كانوا يملكون "لا إله إلا الله".
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه...
الخُطبة الثانية:
شهر شعبان.. بطولة الانتصار على الذات
أيها الأخوة..
كل تلك البطولات التي ذكرناها في الخطبة
الأولى ما كانت لتحدث لو لم ينتصر هؤلاء الأبطال على أنفسهم أولاً.
والآن، نحن أمام معركة من نوع آخر.. معركة
القلب في شهر شعبان
.
لماذا شهر شعبان ؟
لأن شهر شعبان ليس مجرد يوميات قبل رمضان،
بل هو شهر إعداد القلوب للمعركة الكبرى
مع النفس.
فقد خص النبي ﷺ هذا الشهر بالصيام والذكر، كما جاء في
الحديث: عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال قلتُ: يا رسولَ اللهِ، لم أرَك تصومُ من
شهرٍ من الشُّهورِ ما تصومُ شعبانَ، قال: ذاك شهرٌ يغفَلُ النَّاسُ عنه بين رجب ورمضانَ،
وهو شهرٌ تُرفعُ فيه الأعمالُ إلى ربِّ العالمين، وأُحِبُّ أن يُرفعَ عملي وأنا صائمٌ
فالبطولة اليوم: ليست في حمل السيف، بل
في "حمل النفس" الطاعة .. في حمل النفس على الصفح والعفو والتسامح
البطولة اليوم: أن ترفع سماعة الهاتف لتكلم من
قطعك.
البطولة اليوم: أن تنزع الحقد من قلبك تجاه أخيك
المسلم لتستحق مغفرة الله.
قال سبحانه وتعالى "وَالْكَاظِمِينَ
الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ"
إن الأمة التي لا تستطيع أن تفتح صفحة بيضاء
بين أفرادها.، لن تستطيع أن تفتح القدس، ولن
تستطيع أن تعيد مجد القادسية ومؤتة.