زيارةُ المريض… موضع نظر الله
الحمدلله والصلاة والسلام علي رسول الله
أما بعد…
أيها الأحبة الكرام:
نعيش في هذه الأيام في مدرسة رمضان ،
مدرسة لا تعلّمنا كيف نجوع، ولكن كيف نحيا.
رمضان لا يريد منا بطونًا خاوية ، بل
يريد قلوبًا واعية، وألسنةً طاهرة، وسلوكًا صادقًا.
تكلّمنا في الدرس السابق عن اللسان…
كيف يهدم،
وكيف يبني.
ولماذا لا نتغير رغم كثرة العبادات
أحيانًا.
واليوم ننتقل خطوة أبعد…
إلى ثمرة اللسان الصالح، ودليل القلب
الحي.
ننتقل إلى عبادةٍ عظيمة، عبادةٍ يغفل
عنها كثير من الناس،
عبادةٍ لا تحتاج مالًا، ولا تحتاج
جهدًا كبيرًا، لكنها تحتاج قلبًا حيًّا.
حديثنا اليوم عن:
زيارة المريض… عبادة منسية وقربة عظيمة
أيها
الأحبة الكرام:
كثير من الناس يظن أن زيارة المريض:
عادة اجتماعية،
أو مجاملة، أو واجب ثقيل يؤديه على مضض.
لكن النبي ﷺ يرفعها إلى مقام عظيم،
فيقول كما في صحيح مسلم:
«مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ
الجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ»
قيل: يا رسول الله وما خُرفة الجنة؟
قال: «جناها».
يعني:
وأنت تمشي على قدميك إلى المريض، فأنت
في الحقيقة تمشي بين ثمار الجنة. ... أي فضل هذا؟ وأي كرم من الله؟
أيها
الأحبة الكرام:
زيارة المريض ليست عبادة جسدية فقط،
إنما هي اختبار حقيقي للقلب....
القلب الحي لا يكتفي بأن يصلّي ويصوم،
القلب الحي يشعر بالناس، يتوجّع
لآلامهم، ويحزن لحزنهم.
ولذلك جاء في الحديث القدسي العظيم:
«يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني» قال: يا رب، كيف
أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: «أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده؟ أما علمت
أنك لو عدته لوجدتني عنده؟»
تخيل…
الله مع المريض،
والله مع الزائر،
والله مع القلب الرحيم.
فمن زار المريض، فقد زار موضع رحمة
الله.
أيها
الصائمون…
رمضان هو الشهر الذي يُوقظ القلوب
النائمة.
وزيارة المريض في رمضان تربية عظيمة:
تعلّمك معنى النعمة، وتكسِر فيك الكِبر، وتذكّرك بحقيقة الدنيا.
كم من إنسان كان صحيحًا معافى، يضحك،
ويخطط، ويؤجّل التوبة… ثم دخل المستشفى، فعرف أن الدنيا لا أمان لها.
تأملوا معي : دخل أحد الصالحين على
مريض، فرآه لا يستطيع الحركة، ولا الكلام إلا بصعوبة.
فلما خرج، قال: “مشيت على قدميّ،
وبكيت… وقلت: يا رب،
كيف أعصيك بنعمة المشي، وهذا عبدك لا
يستطيع أن يتحرك؟”.
اعلموا
رحمكم الله أن زيارة المريض موعظة بلا كلام.
ومن هنا نفهم لماذا ربط النبي ﷺ
الإيمان بالرحمة،
فقال: «الراحمون يرحمهم الرحمن».
وزيارة المريض من أعظم صور الرحمة.
بل إن النبي ﷺ كان يعود المرضى بنفسه،
ويجلس عند رؤوسهم، ويدعو لهم، ويواسيهم.
دخل ﷺ على سعد بن أبي وقاص وهو مريض،
فوضع يده عليه، ودعا له.
ودخل على غلام يهودي مريض، فدعاه إلى
الإسلام، فأسلم الغلام.
هكذا هو الإسلام…
رحمة لا تفرّق بين الناس.
أيها
الأحبة…
وهنا نرجع لدرس اللسان في رمضان
لأن اللسان في زيارة المريض إمّا أن
يرفع معنوياته ،
أو يكسره ويجرحه دون قصد
ولذلك من آداب الزيارة: التخفيف وعدم الإطالة
المريض تعبان، مش مستعد يسمع خطبة.
والإسلام علّمنا: أن نُخفف ... وأن
نُبشّر ... وأن ندعو .. وأن نطيب خاطره .. وأن نعطيه الأمل .. ولا نغلق في وجهه
باب الرجاء
كما ثبت عند البخاري أنَّ رَسولَ
اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ دَخَلَ علَى رَجُلٍ يَعُودُهُ، فَقَالَ: لا
بَأْسَ طَهُورٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ
احرص على الكلمة الطيبة
“طهور إن شاء الله”
“ربنا يقومك بالسلامة”
“أجرك عظيم”
وابتعد عن التخويف و المقارنات
فكم من مريض خرج من زيارة الناس: أكثر
تعبًا من المرض نفسه، بسبب كلمات قاسية، أو نظرات يأس.
لا تقل : “فلان كان زيك ومات”
لاتقل “المرض ده خطير”
بل عليك بالدعاء الصادق
وخد بالك : الدعاء مش حفظ، الدعاء
إحساس.
ومن
آداب زيارة المريض:
لا تطِل الجلوس،
ولا تُكثر الكلام،
ولا تحوّل الزيارة إلى محكمة أو مجلس
تشاؤم.
فالمريض يحتاج قلبًا صادقًا
ودعوة خالصة
وكلمة طيبة
وقل كما قال النبي ﷺ:
«لا بأس، طَهورٌ إن شاء الله»
ثم اسمعوا هذا المعنى العظيم:
زيارة المريض ليست فقط أجرًا لك،
بل قد تكون سبب هدايته، أو ثباته، أو
صبره.
كم من مريض قال: “زيارتكم خففت عني
أكثر من الدواء”.
أيها
المسلمون…
من ثمار زيارة المريض:
تذكير بالنهاية
كسر الغفلة
إحياء القلب
ومن حُرم الرحمة، قسا قلبه، ولو صام
وقام.
عباد
الله…
رمضان ليس شهر العبادات الفردية فقط،
رمضان شهر القلوب الرحيمة.
فمن أراد قلبًا حيًّا، فليزر مريضًا.
ومن أراد أجرًا عظيمًا، فليواسي
مكسورًا.
ومن أراد القرب من الله، فليبحث عن
مواضع رحمته.
الدعاء...