من هذا؟ قال : آكل الربا .
في ليلة الإسراء والمعراج، رأى النبي
محمد ﷺ مشاهد لعذاب آكلي الربا، حيث كانوا يسبحون في نهر من دم ويُلْقَمون
الحجارة، وهو عقاب لهم على أخذ أموال الناس بالباطل، كما رأى عذاب فاعلي المعاصي
الأخرى مثل تاركي الصلاة، وخطباء الفتنة، والزناة. هذه المشاهد كانت تحذيراً
وتبييناً لعاقبة الربا وأكل الحرام في الدنيا والآخرة، حيث إن الربا يمحق الأموال
ويُغرق أصحابه في ظلمات الدنيا والآخرة
فيقول صلي الله عليه وسلم :"رَأَيتُ لَيلةَ أُسريَ بي رَجُلًا يَسبَحُ في نَهرٍ ويُلقَمُ الحِجارةَ، فسَأَلتُ: ما هذا؟ فقِيلَ لي: آكِلُ الرِّبا"(أحمد والحارث في المسند ، والروياني في المسند مطولاً).
لقدِ اهتَمَّ الإسْلامُ بتَنْظيمِ
المُعامَلاتِ التِّجاريَّةِ بينَ النَّاسِ؛ حِفاظًا على حُقوقِهم، وإقامةً
للعَدْلِ بينَهم، ومِن ذلك النهيُ الشَّديدُ عن الرِّبا، وبيانُ عَظيمِ خَطرِه في
الدُّنيا والآخِرَةِ.
وفي هذا الحَديثِ يقولُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "رأيْتُ ليلةَ أُسريَ بي" في رِحلةِ الإسْراءِ التي وقعَتْ في السَّنةِ الحاديةَ عَشْرةَ أو الثانيةِ مِنَ البَعثةِ قبلَ الهِجرةِ، وكان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قد أُسريَ به إلى السَّمَواتِ، فدخَلَ الجَنةَ ورَأى من نَعيمِها وصِفاتِ أصْحابِها، وأُطْلِعَ على بَعْضِ عَذاباتِ النّارِ وصِفاتِ أصْحابِها، ومِن ذلك أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رَأى "رجُلًا يَسبَحُ في نَهرٍ ويُلقَمُ الحِجارةَ" كان صورةُ عقابِه وتَعذيبِه أنْ تُوضَعَ الحِجارةُ في فمِه؛ ليَأكلَها وهو في ماءِ النهرِ، وفي رواية للبخاري هو "نهر أحْمَر مِثْل الدَّمِ" ولعلَّ هذا النهرَ من نارٍ وحَميمٍ كما هو حالُ النارِ وما تَشتَمِلُ عليه، "فسألْتُ: ما هذا؟ فقيلَ لي: آكِلُ الرِّبا"، وهو آخِذُه، وإنْ لم يأكُلْ وإنَّما خُصَّ بالأكلِ؛ لأنَّه أعظَمُ أنواعِ الانتفاعِ كما قال تعالى:"إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا"(النساء: 10)، وهذا منَ التحْذيرِ والتخْويفِ من عاقبةِ التعامُلِ بالرِّبا لِما يُؤدِّي إليه مِن ضَياعِ أمْوالِ الناسِ بغيرِ حقٍّ .
تفاصيل
المشاهد:
رأى النبي رجلاً يسبح في
نهر أحمر (كالدم) ويُلقم الحجارة، فقيل له: "هذا آكل الربا". وفي رواية
أخرى: رأى قوماً بطونهم كالبُيُوتِ (كالعمارات) وفيها حيات، وهم آكلو الربا.
وجه الشبه: تشبيه السباحة في الدم
بالسباحة في النهر كان سهلاً ظاهراً، لكنه في الحقيقة قذر وخسارة، كما أن أخذ
الربا فيه منفعة ظاهرة لكن ضرره في الباطن كبير.
مشاهد أخرى: رأى أيضاً قوماً تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد (خطباء الفتنة)، وقوماً تضرب رؤوسهم بالحجارة (متثاقلو الرؤوس عن الصلاة)، ورجالاً يأكلون لحماً خبيثاً (للزناة)، ونساءً معلقات من أثدائهن (لمن أدخلن على أزواجهن من ليس منهم قال : ثم رأيت رجالا لهم بطون لم أر مثلها قط بسبيل آل فرعون يمرون عليهم كالإبل المهيومة حين يعرضون على النار يطئونهم لا يقدرون على أن يتحولوا من مكانهم ذلك .قال : قلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء أكلة الربا . ورأى رجلا يسبح في نهر من دم ، يلقم الحجارة ، فقال :من هذا؟ قال : آكل الربا .
إنما رأى أكلة الربا منتفخة بطونهم لأن العقوبة مشاكلة للذنب ، فآكل الربا يربو بطنه كما أراد أن يربو ماله بأكل ما حرم عليه فمحقت البركة من ماله وجعلت نفخا في بطنه حتى يقوم كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس . وإنما جعلوا بطريق آل فرعون يمرون عليهم غدوا وعشيا ، لأن آل فرعون هم أشد الناس عذابا فضلا عن غيرهم من الكفار ، وهم لا يستطيعون القيام . ومعنى كونهم في طريق جهنم بحيث يمر بالكفار عليهم أن الله سبحانه وتعالى قد أوقف أمرهم بين أن ينتهوا فيكون خيرا لهم وبين أن يعودوا ويصروا فيدخلهم النار ، وهذه صفة من هو في طريق النار ، قال الله تعالى : فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [البقرة : 275] وفي بعض الأحاديث أنه رأى بطونهم كالبيوت يعني أكلة الربا ، وفيها حيات ترى من خارج البطون ).
الهدف من هذه الرؤية:
التحذير من الربا وبيان خطره العظيم
وعاقبته الوخيمة.
تمحيص صفوف المسلمين وتثبيت الإيمان
بالغيب.
إظهار فظاعة المعاصي وكشف عواقبها للتحذير منها.
فعن عبدالله بن سلام قال رسول الله صلي الله عليه وسلم:" إنَّ أبوابَ الربا اثنانِ و سبعونَ حوبًا ، أدناه كالذي يأتي أمَّه في الإسلامِ" (الطبراني والبيهقي في شعب الإيمان )
وعن
حرَّمَ اللهُ عزَّ وجلَّ الخَوضَ في
أعراضِ الناسِ، وجعَلَه ذنْبًا عَظيمًا؛ لِمَا يَترتَّبُ على ذلك مِن مَفاسِدَ
تعُمُّ المُجتمعاتِ.
وفي هذا الحَديثِ يَقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "الرِّبا ثلاثةٌ وسَبْعونَ بابًا"، أي: إثمُ الرِّبا على ثلاثةٍ وسبْعينَ درَجةً، "وأيسَرُها"، أي: أهوَنُ هذه الدَّرجاتِ وأدْناها في الإثمِ "مِثلُ أنْ يَنكِحَ الرَّجلُ أُمَّه"، أي: ذَنْبُه يكونُ مُساوِيًا لمَن وقَعَ على أُمِّه ووَطِئَها، ولا شَكَّ أنَّ هذا ذَنْبٌ عظيمٌ جدًّا؛ فدَلَّ على عِظَمِ ذَنبِ الرِّبا وعَظيمِ خَطرِه، ثم قال: "إنَّ أرْبى الرِّبا"، أي: إنَّ أشدَّ أنواعِ الرِّبا في الإثمِ وأعظَمَها ذنْبًا: "عِرْضُ الرَّجلِ المسلِمِ"، أي: احتِقارُه والتَّرفُّعُ عليه، والوقيعةُ فيه، وذِكْرُه بما يُؤذِيه أو يَكرَهُه بالغِيبةِ والنَّميمةِ. والرِّبا مِن الأسبابِ الأساسيَّةِ في انتشارِ الفسادِ وانهيارِ الاقتصادِ، وهو مِن أعظَمِ الكَبائرِ في كلِّ الشرائعِ، ويَترتَّبُ على تفشِّي الرِّبا في المُجتمَعاتِ قِلَّةُ المطَرِ، ومَحْقُ البركةِ، وقِصَرُ الأعمارِ.