بطولات لا تُنسى
حقيقة البطولة في الميزان الإسلامي
تطبيق البطولة في واقعنا
فضل ليلة النصف من شعبان والأحكام المتعلقة بها
الحمد لله رب العالمين، القائل في محكم
التنزيل: (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا
لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ
يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) [آل عمران:146]. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد،
أيها المؤمنون: إن الأمة التي لا تذكر بطولات
أسلافها، وتنسى تضحيات أبنائها، هي أمة مقطوعة الجذور، ضعيفة الهوية. ومن أعظم ما يحيي
في القلوب معاني العزة والهمة، أن نستذكر سير الأبطال الذين صنعوا المجد، ورفعوا الراية.
واليوم نستعرض معاً لمحات من بطولات لا
تُنسى، نستلهم منها الدروس، ونستمد منها العزم.
حقيقة البطولة في الميزان الإسلامي
ليست البطولة بالكثرة ولا بالعدة، ولا بالصولة
والجولة فحسب، وإنما هي تضحية بالغالي والنفيس في سبيل الحق والدفاع عن المقدسات. هي
ثبات على المبدأ حين تتزعزع الجبال.
قال تعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ
صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم
مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) [الأحزاب:23]. البطولة صدق مع الله، ثم
ثبات على هذا الصدق.
قصة بطولية خالدة
(سعد بن معاذ رضي الله عنه)
لنأخذ نموذجاً مشرقاً من صفحات الصحابة
الكرام: إنه سعد بن معاذ سيد الأوس.
في غزوة الخندق، خرجت قريش وحلفاؤها لاستئصال
المسلمين، وكان الموقف عصيباً. وافق سعد على أن يحكم في بني قريظة لما نقضوا عهدهم
مع الرسول صلى الله عليه وسلم. وعندما جاء ليحكم، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"قُمْ عَلَى قَوْمِكَ". فقام سعد -وقد أصيب بجرح في ذات الله- فحكم فيهم
بحكم الله ورسوله، حكماً شجاعاً قوياً، فكان حكم الله الذي نزل من السماء موافقاً لحكمه.
يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: "لما
حكم سعد في بني قريظة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: 'لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ
الْمَلِكِ'". فهذه بطولة في الحق، وثبات على حكم الشرع، ولو كان على الأقارب والأحباب.
عناصر البطولة المستفادة من القصة والسيرة
من هذه القصة وغيرها من البطولات نستخلص:
1. الإخلاص: أن يكون الباعث هو مرضاة الله،
لا طلب الشهرة أو المغنم. قال صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ"
(متفق عليه).
2. الشجاعة الأدبية: أن تقول الحق ولا تخاف
في الله لومة لائم. كما في حديث: "أَفْضَلَ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ
سُلْطَانٍ جَائِرٍ" (رواه أبو داود والترمذي).
3. التضحية والفداء: بذل الروح والمال والوقت
في سبيل الغاية. قال تعالى عن الأنصار: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ
بِهِمْ خَصَاصَةٌ) [الحشر:9].
4. الصبر والثبات: كما ثبت مصعب بن عمير وحنظلة وأمثالهما في أحد، ولم يولوًا الأدبار. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الأنفال:45].
تطبيق البطولة في واقعنا
أيها الأحبة: البطولة ليست حكراً على زمن
معين.
فأنت تبلغ مرتبة البطل بصبرك على طاعة الله،
وبصبرك عن معصية الله، وبصبرك على أقدار الله المؤلمة.
البطولة أن تكون قلعة إيمان في مجتمع تغزوه
الفتن، وأن تكون قدوة خير في وسط ينتشر فيه الشر، وأن تربي أبناءك على معاني الثبات
والتضحية.
قال صلى الله عليه وسلم: "الْمُؤْمِنُ
الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ
خَيْرٌ" (رواه مسلم).
والقوة هنا تشمل قوة الإيمان، وقوة الأخلاق،
وقوة العزيمة.
فاتقوا الله عباد الله، واجعلوا سير الأبطال
نبراساً لكم، وذكِّروا أنفسكم وأهليكم بتلك المواقف الخالدة؛ لتنهض الأمة من جديد.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية: ليلة النصف من شعبان
الحمد لله الذي جعل الليالي والنهاري تذاكراً
للمؤمنين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى
آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد،
عباد الله: ها نحن نعيش في رحاب شهر شعبان،
الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر فيه من الصيام، ويقول كما في الحديث الصحيح:
"ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ" (رواه
النسائي وأحمد).
ومن لياليه المباركة ليلة النصف من شعبان،
التي ورد في فضلها أحاديث وآثار.
ولنبدأ بقصة من قصص الصحابة:
كان بعض الصحابة والتابعين يخصون هذه الليلة
بالعبادة.
ويروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه
أنه قال: "إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَقُومُوا لَيْلَهَا،
وَصُومُوا نَهَارَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَنْزِلُ فِيهَا لِغُرُوبِ
الشَّمْسِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: أَلَا مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ
لَهُ، أَلَا مِنْ مُرْزُقٍ فَأَرْزُقَهُ، أَلَا مِنْ مُبْتَلًى فَأُعَافِيَهُ، أَلَا
كَذَا، أَلَا كَذَا؟ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ". (رواه ابن ماجه، وضعفه الألباني،
ولكن له شواهد يتقوى بها في فضل الليلة).
العناصر الإجمالية لليلة النصف من شعبان:
1. فضلها وأحكامها الشرعية.
2. ما ورد في قراءة سورة "يس" والدعاء
في هذه الليلة.
3. التحذير من البدع والمنكرات التي تُحدث
فيها.
4. كيفية استغلالها بالطاعات المشروعة.
الشرح مع الأدلة:
أولاً: فضل ليلة النصف من شعبان والأحكام
المتعلقة بها:
· ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"يَطَّلِعُ اللَّهُ إِلَى خَلْقِهِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَيَغْفِرُ
لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ" (رواه ابن حبان في صحيحه،
وحسنه الألباني). والمشاحن: الذي في قلبه بغض وعداوة لأخيه المسلم.
· فهي ليلة مغفرة ورحمة وعتق من النار، لكنها
لا تبلغ في الفضل قدر ليلة القدر. ولا تثبت لها صلاة أو عبادة مخصوصة عن النبي صلى
الله عليه وسلم كجماعة أو عدد معين من الركعات (صلاة الألفية أو صلاة البراءة)، فهذه
بدعة.
· يستحب فيها الإكثار من النوافل، والدعاء،
والاستغفار، وتلاوة القرآن، والصيام في نهارها، كما يفعل في أي يوم من أيام شعبان.
ثانياً: قراءة سورة "يس" والدعاء:
اشتهر بين الناس تخصيص ليلة النصف من شعبان بقراءة سورة يس والدعاء جماعة. وهذا لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه، فهو من البدع المحدثة.
· أما قراءة "يس" أو أي سورة أخرى
بنية التقرب إلى الله من غير اعتقاد تخصيصها بهذه الليلة، فجائزة كسائر الليالي.
· الدعاء مطلوب في كل وقت، وهو في هذه الليلة
أحرى لقوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر:60]. ولكن
دون تخصيص صيغة معينة للدعاء، أو جمعه بصورة جماعية في المسجد.
ثالثاً: التحذير من البدع والمنكرات:
· من البدع: تخصيص صلاة بذاتها، أو الاحتفال
بهذه الليلة كالعيد، أو إيقاد الشموع والمصابيح في المساجد، أو تخصيص زيارة القبور
فيها. كل هذا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة، وهم أحرص الناس على الخير.
· قال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَحْدَثَ
فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ" (متفق عليه). وقال:
"إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ
بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ" (رواه أبو داود والترمذي).
رابعاً: كيفية استغلال الليلة بالطاعات
المشروعة:
الإخلاص والتوبة: فتكون البداية نصوحاً.
قيام الليل: ولو بركعات قليلة. قال صلى
الله عليه وسلم: "أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ عَلَيْهِ
السَّلَامُ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ"
(متفق عليه).
· الدعاء والاستغفار: خاصة بما ورد في الحديث:
"اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني". وفي رواية: "يَغْفِرُ لِجَمِيعِ
خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ"، فينبغي تصفية القلوب من الأحقاد.
· الصدقة: فهي تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء
النار.
الصيام: فصيام اليوم الذي يليها (يوم النصف
من شعبان) مستحب، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث السابق عن علي
رضي الله عنه، وإن كان في إسناده ضعف، لكن الصيام في شعبان سنة ثابتة.
فاتقوا الله عباد الله، واغتنموا هذه المواسم
الفاضلة، ولكن على الوجه الذي شرعه الله ورسوله، دون إفراط ولا تفريط، ودون غلو ولا
ابتداع.
اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات،
وحب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا، وتتوب علينا، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك
غير مفتونين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك
والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل،
وثبتنا على الحق حتى نلقاك.
اللهم احفظ بلادنا وولاة أمرنا، وسددهم
لما تحب وترضى.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة
وقنا عذاب النار.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على
المرسلين، والحمد لله رب العالمين.