قيمة الإحترام
بدءًا بقصة من قصص الصحابة
الحمد لله الذى كرّم بني آدم وعلّمهم
بالاحترام والتوقير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً
عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه
أجمعين.
أما بعد: أيها المؤمنون،
اتقوا الله حق تقواه واعلموا أن
الاحترام قيمة إسلامية أصيلة، فهو ليس مجرد كلمات تقال، بل هو خلق يظهر في
المعاملة والقول والفعل.
قصة الصحابي
الذي علّمه النبي الاحترام العملي
أبدأ حديثي بقصة تُظهر كيف كان النبي ﷺ
يُربّي أصحابه على الاحترام العملي لا النظري. عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه
قال: كنت أضرب غلاماً لي بالسوط، فسمعت صوتاً من خلفي:
"اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، لَلَّهُ
أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ"، فالتفتُّ فإذا رسول الله ﷺ، فقلت:
يا رسول الله، هو حر لوجه الله، فقال: "أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ" [رواه مسلم].
تأملوا معي هذا الموقف التربوي العظيم،
كيف غيّر النبي ﷺ سلوك الصحابي بكلمة واحدة، فحوّلها من عقاب إلى عتق، ومن إهانة
إلى تكريم.
العناصر الرئيسية لموضوع الاحترام
ولنستعرض العناصر الرئيسية لخلق
الاحترام في الإسلام:
احترام الله تعالى وتوقيره -
وهو أصل كل احترام.
. احترام النبي ﷺ وتوقيره.
. احترام الوالدين.
. احترام العلماء وأولي الأمر.
احترام الناس جميعاً، مسلمهم وكافرهم.
أولاً: احترام الله تعالى (التوقير والتعظيم)
يقول تعالى عن نبيّه نوح: ﴿مَا لَكُمْ
لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: 13]، أي ما لكم لا تخشون لله عظمة وتوقيراً.
توقير الله يظهر في:
تعظيم أوامره ونواهيه.
· تعظيم دينه وشريعته.
· التخلق بالأخلاق التي أمر بها.
ثانياً: احترام النبي ﷺ (التعزير والتوقير)
قال تعالى:
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا
وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح:
8-9].
ومن مظاهر احترامه ﷺ:
خفض الصوت في حضرته:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: 2].
الأدب في مناداته:
نهى الله المسلمين أن ينادوا النبي ﷺ
مثل مناداتهم بعضهم بعضاً، وكان الصحابة ينادونه: "يا رسول الله"،
"يا نبي الله".
توقيره بعد وفاته كما في حياته:
قال القاضي عياض: "اعلم أن حرمة
النبي ﷺ بعد موته وتوقيره وتعظيمه لازم كما كان حال حياته".
قصة عمر بن الخطاب:
أنه سمع صوت رجلين في مسجد النبي ﷺ قد
ارتفعت أصواتهما، فقال: "أتدريان أين أنتما؟!" ثم قال: "لو كنتما
من أهل المدينة لأوجعتكما ضرباً".
ثالثاً: احترام الوالدين
قال تعالى:
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا
إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23].
من صور احترام الصحابة لوالديهم:
عثمان بن عفان رضي الله عنه:
كان يقول: "ما قدرت أتأمل وجه أمي
منذ أسلمتُ" إجلالاً لها.
حارثة بن النعمان:
كان يطعم أمه بيده، ولم يستفهمها
كلاماً تأمر به، بل يسأل من عندها بعد أن يخرج: ماذا قالت أمي؟.
· عمر بن ذر:
سُئل كيف كان برّ ابنك بك؟ فقال:
"ما مشيت نهاراً قط إلا مشى خلفي، ولا ليلاً إلا مشى أمامي، ولا رقي سطحاً
وأنا تحته".
رابعاً: احترام العلماء وأولي الأمر
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا
اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59].
قال ابن تيمية:
"أولو الأمر أصحاب الأمر وذووه، وهم
الذين يأمرون الناس، وهم الصنفان: العلماء والأمراء".
ومن الأدلة على احترامهم:
حديث النبي ﷺ:
"إن من إجلال الله إكرامَ ذي الشيبة
المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط"
[رواه أبو داود].
· تحذير الإسلام من انتقاص العلماء:
قال ﷺ:
"إن الله قال: من عادى لي ولياً، فقد
آذنته بالحرب" [رواه البخاري].
قال ابن حجر:
"المراد بولي الله العالم بالله،
المواظب على طاعته".
خامساً: احترام الناس جميعاً
الاحترام ليس للمسلمين فحسب، بل للناس
جميعاً:
1. احترام الإنسان لكونه إنساناً:
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي
آدَمَ﴾ [الإسراء: 70].
2. احترام غير المسلمين في المخاطبة
والدعوة: قال تعالى لموسى وهارون في شأن فرعون:
﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ
يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44].
3. من صور احترام النبي ﷺ للناس:
· قصة الأعرابي
الذي بال في المسجد: لما أراد الصحابة
أن ينهروه، قال ﷺ: "دعوه"، ثم دعاه وقال له بأدب: "إن هذه المساجد
لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله تعالى والصلاة وقراءة
القرآن".
· قصة المرأة السوداء
التي كانت تقم المسجد: لما ماتت ودفنها
الصحابة دون إعلام النبي ﷺ، قال لهم: "أفلا كنتم آذنتموني؟"، ثم ذهب
وصلى على قبرها وقال: "إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله تعالى
ينورها لهم بصلاتي عليهم" [رواه البخاري].
أيها الإخوة في الله:
الاحترام شجرة طيبة أصلها ثابت في
القلب، وفرعها ظاهر في اللسان والجوارح.
هو دليل على تقوى القلب، وعلامة على
طهارة النفس. والمسلم المحترم يعلي من شأن أمته، ويكسب محبة الناس.
فليكن احترامنا نابعاً من إيماننا، لا
من مصلحتنا. نحترم الكبير لعلمه أو سنه، ونحترم الصغير لبراءته وحقوقه.
نحترم من يوافقنا، ونحترم من يخالفنا
بالحكمة والموعظة الحسنة.
اللهم ارزقنا حسن الخلق، واجعل
الاحترام شعارنا، والتوقير ديدننا.
اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولمشايخنا
ولجميع المسلمين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم
فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، وأشهد أن لا إله
إلا الله تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى مرضاته، صلى الله
عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: أيها المؤمنون، أوصيكم ونفسي
بتقوى الله، وأحثكم على التخلق بخلق الاحترام.
الاحترام وقاية للمجتمع من التفكك،
وحصن للفرد من الذل والمهانة.
قال الإمام الشافعي رحمه الله:
"احترامي للغير يعني احترامي لنفسي".
واعلموا أن من أسباب قبول الدعاء إحسان
الخلق، ومن أسباب سعة الرزق صلة الرحم، ومن أسباب نيل محبة الله ومحبة الناس
التواضع والاحترام.
صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة
والسلام عليه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى
النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا
تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].