تحويل
القبلة ترسيخ الهوية الإسلامية ووحدة الصف
️ أحداث السَّيرَةَ وَحَسَدِ اليَهُود
متى وقع تحويل القبلة؟
الحكمة من تحويل القبلة
وقفات مع هذا الحديث العظيم
الحمدلله والصلاة والسلام علي رسول الله وبعد
أحداث السَّيرَةَ وَحَسَدِ اليَهُود
عباد الله :" وقعت في سيرة الرسول ﷺ حوادث فارقة في توجيه مسيرة الأمة المسلمة،
وحادثة تحويل القبلة من الحوادث الفارقة في تاريخ الدَّعوة الإسلاميَّة ومسيرةِ بناء
الدولة المسلِمة وتميُّز الصفِّ المسلم، وهتْكِ سرائر الحاقدين والمرجفين،
روي الامام أحمد عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
قَالَ ﷺ (إِنَّ الْيَهُود قَوْمٌ حُسَّدٌ وَإِنَّهُمْ
لَا يَحْسُدُونَا عَلَى شَيْءٍ كَمَا يَحْسُدُونَا عَلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ الَّتِي
هَدَانَا اللهُ لَهَا وَضَلُّوا عَنْهَا، لأنَّهم عَدَلوا عنه، واخْتاروا يومَ السَّبتِ،
وَعَلَى الْقِبْلَةِ الَّتِي هَدَانَا اللهُ لَهَا وَضَلُّوا عَنْهَا، يَعني الكعبةَ؛
لأنَّهم جَعَلوا بيتَ المَقدِسِ قِبلةً لهم، والكعبةُ أفضَلُ وَعَلَى قَوْلِنَا خَلْفَ
الْإمَامِ: آمِينَ، لِمَا فيه منَ الفَضلِ العَظيمِ، والثوابِ الجَزيلِ، وغُفْرانِ
الذُّنوبِ، والتأمينِ على ما قرَأَه الإمامُ من سورةِ الفاتحةِ. وَعَلَى السَّلَامِ
أي إفشاءِ السَّلامِ فيما بينَكم؛ وذلك لِما فيه مِن إظهارِ المحبَّةِ والوُدِّ بين
المسلِمين بعضِهم البعضِ، والرِّفقِ فيما بينَهم،). المسند
️ متى وقع تحويل القبلة؟
عباد الله:" عندما قدم ﷺ من مكة إلى المدينة كان يستقبل بيت المقدس،
وبقي على ذلك ستة - أو سبعة - عشر شهراً، كما ثبت في الصحيحين من حديث البَرَاءِ بن
عازب قال: "إنَّ النبي ﷺ كان أوَّل ما قدم المدينة نزل على أجداده
- أو قال: أخواله - من الأنصار، وإنه ﷺ صلَّى قِبَلَ بيت المقدس ستة عشر شهرًا
أو سبعة عشر شهرًا، وكان يُعجبه أن تكون قبلتُه قِبَل البَيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها
- صلاة العصر - وصلَّى معه قوم، فخرَج رجلٌ ممَّن صلى معه، فمرَّ على أهل مسجد وهم
راكعون، فقال: أشهد بالله، لقد صلَّيتُ مع رسول الله ﷺ قِبَلَ مكة، فدارُوا كما هم قِبَلَ البيت،
وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قِبَل بيت المقدس، وأهل الكتاب، فلما ولى وجهَه
قِبَل البيت، أنكروا ذلك"؛ متفق عليه
وذلك في قوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] ومن ذلك الوقت
صارت الكعبة قبلته ﷺ وقبلة أمته مِن بعده.
الحكمة من تحويل القبلة
أ- محنة وابتلاء ليتميز الصف:
- فعندما تُبتلى النفوس يتبين مَنْ يعبد الله
ممنْ يعبد هواه،
- وعندما تُبتلى النفوس يظهر مَن يعبد الله
على حرفٍ ممن رسخت أقدامه في الإيمان، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ
عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ
انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ
الْمُبِينُ}[الحج: 11]
- وعندما تُبتلى النفوس يتبين مَن يعبد الله
رجاءَ ما عند الله، ممن لا يريد إلا الدنيا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ
يَقْدَمُ المَدِينَةَ، فَإِنْ وَلَدَتِ امْرَأَتُهُ غُلاَمًا، وَنُتِجَتْ خَيْلُهُ،
قَالَ: هَذَا دِينٌ صَالِحٌ، وَإِنْ لَمْ تَلِدِ امْرَأَتُهُ وَلَمْ تُنْتَجْ خَيْلُهُ،
قَالَ: هَذَا دِينُ سُوءٍ؟.
الفارق بين مَن يعبد الله ومَن يعبد هواه،
سرعة الاستجابة والامتثال لأوامر الشرع ولو تعارضتْ مع أهواء النفس، وتصادمت مع آراء
الناس،
وتحويل القبلة فتنة كبيرة وامتحان عظيم
لكل الطوائف:
فأما المسلمون فقالوا:سمعنا وأطعنا وقالوا:
{آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7] وهم الذين هدى الله، ولم
تكن كبيرةً عليهم.{وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ }
وأما المشركون فقالوا: كما رجع إلى قبلتنا،
يوشك أن يرجع إلى ديننا، وما رجع إليها إلا لأنها الحق.
وأما اليهود فقالوا: خالف قبلةَ الأنبياء
قبله، ولو كان نبيا لكان يصلي إلى قبلة الأنبياء.
وأما المنافقون فقالوا: ما يدري محمد أين
يتوجه، إن كانت الأولى حقا فقد تركها، وإن كانت الثانية هي الحق فقد كان على باطل،
وكثرت أقاويل السفهاء من الناس، وكانت كما قال الله تعالى: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً
إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} [البقرة: 143] وكانت محنة من الله امتحن بها عباده ليرى من يتبع
الرسول منهم ممن ينقلب على عقبيه.
ب- لتحويل القبلة أبعادٌ كثيرة
فبُعْدها السياسي: أنها جعلت الجزيرة العربية
محور الأحداث
وبُعدها التاريخي: أنها ربطت هذا العالم
بالإرث العربي لإبراهيم عليه الصلاة والسلام
وبُعدها العسكري: أنها مهدت لفتح مكة وإنهاء دولة الشرك فيها.
وبعدها الديني: أنّها ربطت القلوب بالحنيفية،
وميزت الأمة الإسلامية عن غيرها. . ومن ثَمَّ كان تحويل القبلة نعمةً من نعم الله علينا،
كما قال الله تعالى: { وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}
[البقرة: 150].
ج- إنتقال القيادة :
من بني إسرائيل الذين كانت الشام وبيت المقدس
موطنهم إلى العرب الذين كانت الحجاز مستقرهم، قال تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ
أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ
شَهِيدًا} [البقرة: 143]
وقفات مع هذا الحديث العظيم
الوقفة الأولى: مع نبي الإسلام
1- بيان عظيم مكانة النبي ﷺ عند الله
استجاب الله دعاء نبيه ﷺ وحقق الله رجاءه، وما ذلك إلا لعظيم مكانته
عند ربه، قال الله تعالى: { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ
قِبْلَةً تَرْضَاهَا} [البقرة: 144]
قال ابن القيم: فهو ﷺ الذي شرح الله له صدره، ووضع عنه وزره،
ورفع له ذكره، وجعل الذلة والصغار على مَن خالف أمره، وأقسم بحياته في كتابه المبين،
وقرن اسمَه باسمه فإذا ذُكِرَ ذُكِرَ معه كما في الخطب والتشهد والتأذين، وافترض على
العباد طاعته ومحبته والقيام بحقوقه، وسدَّ الطرق كلها إليه وإلى جنته فلم يفتح لأحد
إلا من طريقه؛ فهو الميزان الراجح الذي على أخلاقه وأقواله وأعماله توزن الأخلاق والأقوال
والأعمال، والفرقان المبين الذي باتباعه يميز أهل الهدى من أهل الضلال.
2- على قدر الهمة في الدين يكون المدد من رب
العالمين:
قال ابن القيم: المعونةُ من الله تنزل على
الْعباد على قدر هممهم وثباتهم ورغبتهم ورهبتهم، والخذلان ينزل عَلَيْهِم على حسب ذَلِك،
فَالله سُبْحَانَهُ أحكم الْحَاكِمين وَأعلم الْعَالمين يضع التَّوْفِيق فِي موَاضعه
اللائقة بِهِ والخذلان فِي موَاضعه اللائقة بِهِ هُوَ الْعَلِيم الْحَكِيم.
وقد ظلَّ النبيُّ ﷺ يقلِّبُ وجهه في السماء سائلا ربه مستعطفا
راجيا، إلى أن حقق الله مطلوبه وأعطاه مناه، وهكذا تُنال المطالب وتُقضى الحاجات، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ ﷺ (غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ،.
. . . فَدَنَا مِنَ القَرْيَةِ صَلاَةَ العَصْرِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ
لِلشَّمْسِ: إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا،
فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ). الحاكم
3- إثبات نبوة النبي ﷺ
فقد أخبر الله تبارك وتعالى بما سيقوله
اليهود عند تحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، قبل وقوع الأمر بالتحويل، ولهذا
دلالته، فهو يدل على صدق نبوة رسول الله ﷺ إذ هو أمر غيبي، فأخبر عنه ﷺ بآيات قرآنية قبل وقوعه ثم وقع، وفي ذلك
يقول الله تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ
الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ
إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 142]
الوقفة الثانية: مع الصحابة
كان لتحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى
الكعبة المشرفة في العام الثاني للهجرة أثر كبير في نفوس الصحابة، وقد تجلى موقفهم
في النقاط التالية:
1- السمع والطاعة المطلقة:
استقبل الصحابة (رضوان الله عليهم) الأمر
بالاستجابة الفورية دون تردد أو تساؤل، معتبرين ذلك اختباراً لإيمانهم
الآية: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: 143]
عن بن عمر قال: ﷺ «بَينَمَا النَّاس بِقُبَاء في صَلاَة
الصُّبحِ إِذْ جَاءَهُم آتٍ، فقال: إِنَّ النبِيَّ صلى الله عليه وسلم قد أُنزِل عليه
اللَّيلةّ قرآن، وقد أُمِرَ أن يَستَقبِل القِبْلَة، فَاسْتَقْبِلُوهَا، وكانت وُجُوهُهُم
إلى الشَّام، فَاسْتَدَارُوا إِلى الكَّعبَة" متفق عليه
2- الامتثال أثناء الصلاة (أهل قباء وبني سلمة):
بلغ من سرعة استجابتهم أنهم تحولوا وهم
في ركوعهم وصلاتهم حين وصلهم الخبر، فلم ينتظروا حتى ينهوا صلاتهم [2].
الآية: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144]
3. الرد على المشككين بالحجة الإيمانية
واجه الصحابة حملات التشكيك التي أثارها
السفهاء (اليهود والمنافقون) بثبات، مؤمنين أن الله هو مالك الجهات جميعاً.
الآية: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ
مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ
وَالْمَغْرِبُ﴾.
4- التسليم واليقين بصدق الرسول ﷺ:
دافع الصحابة عن هذا التغيير بوجه المشككين
من اليهود والمنافقين، مؤكدين أن الجهات كلها ملك لله وحده [1، 2].
الآية: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ
ۚ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ البقرة: 142 .
5- القلق على عبادة من مات قبل التحويل:
أظهر الصحابة حرصاً ومودة لإخوانهم الذين
توفوا وهم يصلون نحو بيت المقدس، فسألوا عن مصير صلاتهم، فنزل الطمأنينة من الله
[3].
الآية: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 143]
عن ابن عباس قال: « لما توجَّه النَّبيُّ
ﷺ إلى الكعبةِ ، قالوا: يا رسولَ اللهِ،
فكيف الذين ماتوا وهم يصلُّون إلى بيتِ المَقدِسِ؟ فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ
اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} » (رواه الترمذي وصححه الألباني).
6- التميز بالأصالة والاستقلالية:
شعر الصحابة بالفخر لأن الله خصهم بقبلة
أبيهم إبراهيم عليه السلام، مما عزز هويتهم الإسلامية المستقلة [2].﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ
إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج: 78]
الوقفة الثالثة: مكانة الأمة الإسلامية
وفضلها
1- إنها الأمة الوسط:
تعني "الأمة الوسط" التي ذكرها
الله تعالى في القرآن الكريم القول الجامع في ثلاثة معانٍ رئيسية:
العدل والاستقامة: أي أن المسلمين هم أهل العدل والميزان الصحيح في الحكم على الأمور، فلا يحابون ولا يظلمون
الخيرية والأفضلية: "الوسط" في
لغة العرب تعني خيار الشيء وأفضله (مثل وسط القلادة)، فأنتم أفضل الأمم وأكرمها على
الله . قال الله تعالى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ
أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ } [آل عمران: 110]
التوسط والاعتدال: هي الأمة التي تقف في "الوسط" بين الغلو (التشدد الزائد) والتقصير (التفريط والإهمال)، فلا هي مادية بحتة ولا روحانية منعزلة، بل توازن بين الدين والدنيا
الشهادة علي الأمم يوم القيامة
لأن الله جعل هذه الأمة شاهدة على الأمم
يوم القيامة؛ فهي تشهد للرسل أنهم بلغوا الرسالة، ولا تُقبل شهادة إلا من كان عدلاً
خياراً .
الآية الكريمة:﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ
أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ
شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143] .
عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ قال: «عَدْلًا» (رواه البخاري)
عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ سَمِعَ
النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ (أَنْتُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ
أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ) الترمذي
الخطبة الثانية
- الوقفة الرابعة: قبلتنا تذكرنا دائما بــ:
1- توحدنا وتوحيدنا
من كل اتجاه، في أنحاء الأرض جميعًا، قبلة
واحدة تجمع هذه الأمة وتوحِّد بينها على اختلاف مواطنها، واختلاف مواقعها من هذه القبلة،
واختلاف أجناسها وألسنتها وألوانها، قبلة واحدة، تتجه إليها الأمة الواحدة في مشارق
الأرض ومغاربها،.
فالمسلمون يتعلمون من وحدة القبلة، وحدة
الأمة في الهدف والغاية، وأن الوحدة والاتحاد ضرورة في كل شئون حياتهم الدينية والدنيوية،
قال تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}
[الأنبياء: 92]
2- قيمة الصلاة والحرص على العبادة
قلق الصحابة على صلواتهم السابقة وقبول
صلاة من مات منهم يذكرنا بعظمة الصلاة، وأن الله شكور لا يضيع أجر العمل الصالح المبني
على الإخلاص.
3- قبلتنا تذكرنا: بضرورة تميز المسلمين عن
غيرهم
- ومن هنا كذلك كان النهي عن التشبه بغير
المسلمين في خصائصهم، التي هي تعبير ظاهر عن مشاعر باطنة، عن شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (خَالِفُوا الْيَهُودَ فَإِنَّهُمْ لَا
يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ، وَلَا خِفَافِهِمْ). صحيح أبي داود
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (خَالِفُوا المُشْرِكِينَ: وَفِّرُوا
اللِّحَى، وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ). البخاري
لذلك لا ينبغي الإعجاب بالأمم الكافرة والاقتداء
بهم في ضلالهم
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:
قَالَ ﷺ (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ
قَبْلِكُمْ، شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ
ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ). قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ آلْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟
قَالَ: (فَمَنْ)؟ البخاري ومسلم
ولقد أدرك اليهود مدى حِرْص الرسول ﷺ على هُوية الأمة وتميزها، والإمعان في
مخالفتهم حتى قال قائلهم: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا
شَيْئًا إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ.
4- قبلتنا تذكرنا بتخليص القلوب من نعرات الجاهلية
- كان العرب يعظمون البيت الحرام في جاهليتهم،
ولما كان الإسلام يريد استخلاص القلوب لله وتجريدها من التعلق بغيره، وتخليصها من كل
نعرةٍ، وكل عصبيةٍ لغير منهج الله تعالى، فقد انتزعهم من الاتجاه إلى البيت الحرام،
وشاء لهم الاتجاه إلى المسجد الأقصى لفترةٍ ليست بالقصيرة، وما ذاك إلا ليخلِّص نفوسهم
من رواسب الجاهلية.
ثم لمَّا خلصت النفوس وجَّهها الله تعالى
إلى قبلةٍ خاصةٍ تخالف قبلة أهل الديانات السماوية الأخرى.
وقد وصف الله تعالى هذه القدرة على تخليص
النفوس بأنها "كبيرة": { وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ
هَدَى اللَّهُ} [البقرة: 143]
5- قبلتنا تذكرنا بحقيقة الصراع بيننا وبين
أهل الكتاب
قال تعالى في معرض حديث الآيات عن القبلة
{ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ
وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ } [البقرة: 145]
من دروس حادثة تحويل القبلة المهمة، أنها
وضَّحتْ للمسلمين طبيعة الكفار- من يهود ونصارى وغيرهم- وأنهم لن يرضوا أبدا عن المسلمين إلا أن يتبعوهم
ويكونوا مثلهم، قال الله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى
حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120]
وهنا ندرك أصالة عدوان هؤلاء للإسلام والمسلمين،
فقد شنوا حربًا إعلامية ضارية في أعقاب حدث تحويل القبلة، ولقد فُتن ضعاف الإيمان كما
فُتن إخوانهم في حادث الإسراء والمعراج، ، وما زالوا إلى اليوم يسيطرون على القنوات
والأبواق الإعلامية المسموعة والمرئية، وكلُّ همهم هو تشويه صورة المسلمين وتشتيت شملهم،
وحالهم كما قال الله تعالى { وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا } [المائدة: 64]
6- وأخيرًا قبلتنا تذكرنا: أن مَن عاش على
القبلة مات عليها
عن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي، قال:
اشتدَّ وجعُ سعيد بن المسيب، فدخل عليه نافع بن جبير يعوده، فأُغمي عليه، فقال نافع:
وجهوه إلى القبلة. ففعلوا، فأفاق، فقال: مَن أمركم أن تُحوِّلوا فراشي إلى القبلة،
أنافعٌ؟ قال: نعم. قال له سعيد: لئن لم أكن على القبلة والملة والله لا ينفعني توجيهُكم
فراشي. سير أعلام النبلاء/4
اللهم كنا لنا ولاتكن علينا وانصرنا ولاتخذلنا