recent
أخبار عاجلة

ليلة النصف من شعبان ( تأملات ودلالات ومقاصد ) . كتبه الدكتور/ عبد القادر سليم. مدير الدعوة بأوقاف كفرالشيخ

  ليلة النصف من شعبان ( تأملات ودلالات ومقاصد ) .


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على البشير النذير السراج المنير الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه حق قدره ومقداره العظيم ، أما بعد:

فمن الشهور المفضلة التي اختصها الله سبحانه وتعالى وأَوْلَاها من المنزلة بمكان: شهر شعبان؛ فمَيَّزه بمنزلة كريمة، ومكانة عظيمة، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يختص أيامه بالصيام؛ لكونها محلًّا لرفع الأعمال؛ فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم شهرًا من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ». أخرجه ابن أبي شيبة والبغوي في "المسند"، والنسائي في "السنن الصغرى" واللفظ له، والبيهقي في "فضائل الأعمال".

 وعندما يقبل علينا شهر شعبان المبارك، نتذكر هذه المناسبة العظيمة، مناسبة ليلة النصف من شعبان؛ حيث تم تحويل القبلة من المسجد الأقصي إلي المسجد الحرام .

قال الله تعالى: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [البقرة: 142].

والمراد بالسفهاء اليهود الذين استنكروا تحويل القبلة، ومن لف لفَّهم من المنافقين ومشركي العرب، وإنما سماهم الله تعالى سفهاءَ؛ لأنهم سفهوا الحق، وجحدوه، وأنكروا نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، مع علمهم بصدقه في رسالته.

وعن البراء بن عازب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يحب أن يتوجه إلى الكعبة، فأنزل الله تعالى ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ﴾ [البقرة: 144]، وقال السفهاء من الناس وهم اليهود: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها.

وقد لقَّن الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم الجواب الذي يوقف به ألسنة المعترضين من اليهود وغيرهم، فقال تعالى: ﴿ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [البقرة: 142] .

أولاً: الأدلة على مشروعيتها من الكتاب والسنة:

 

قال تعالى "وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ" آية رقم : 5 سورة إبراهيم.

فهذه الآية الكريمة تأمر بتذكير الناس بنعم الله، ووقائعه للاعتبار والشكْر.

ويقول حضرة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: "إن لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها، لعله أن تصبيكم نفحة منها، فلا تشقون بعدها أبدا" ، رواه الطبراني.

وهذه الأيام وتلك النفحات الربانية تهبط من الملأ الأعلى، وتهب من عبير الجنة، فترطب القلوب اليابسة الجافة، وتلين الأكباد القاسية، في أيام ميزها الله بسمات وخصائص، فتعظم وتسمو، وتتفتح فيها أبواب السماء، ومن تلك الأيام الغر البيض المعظمة؛ ليلة النصف من شعبان.

فقد اختصَّ الله سبحانه وتعالى ليلةَ النصف من شعبان ونهارَها، وفضَّلهما على غيرهما من أيامه ولياليه، ورغَّبَ في إحيائها، واغتنام نفحاتها؛ بقيام ليلها وصوم نهارها؛ سعيًا لنيل فضلها وتحصيل ثوابها، وما ينزل فيها من الخيرات والبركات.

وقد ثبت ذلك بنصوص الكتاب والسنة النبوية وأقوال الصحابة والتابعين ومَن بعدهم سلفًا وخلفًا، وعليه العمل إلى يوم الناس هذا.

الأدلة من القرآن على فضل ليلة النصف من شعبان:

 

فأما الكتاب الكريم : فقد جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: 4]: أنها ليلة النصف من شعبان؛ يبرم فيها أمر السَّنَة، وتنسخ الأحياء من الأموات، ويكتب الحاجّ؛ فلا يُزَاد فيهم أحد، ولا ينقص منهم أحد.

كما نقل ذلك الإمام الطبري في "جامع البيان" (22/ 10، ط. مؤسسة الرسالة)، وابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" (10/ 3287، ط. مكتبة نزار)، والإمام القشيري في "لطائف الإشارات" (3/ 379، ط. الهيئة المصرية العامة للكتاب)، والإمام الكرماني في "غرائب التفسير" (2/ 1073، ط. دار القبلة)، والإمام البغوي في "معالم التنزيل" (4/ 172، ط. دار إحياء التراث)، وغيرهم من المفسرين.

الأدلة من السنة على فضل ليلة النصف من شعبان:

 

وأما السنة النبوية المطهرة : فعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا نَهَارَهَا، فَإِنَّ اللهَ يَنْزِلُ فِيهَا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: أَلَا مِنْ مُسْتَغْفِرٍ لِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ أَلَا مُسْتَرْزِقٌ فَأَرْزُقَهُ؟ أَلَا مُبْتَلًى فَأُعَافِيَهُ؟ أَلَا كَذَا؟ أَلَا كَذَا؟ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» أخرجه ابن ماجه في "السنن" واللفظ له، والفاكهي في "أخبار مكة"، وابن بشران في "أماليه"، والبيهقي في "شعب الإيمان".

وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَنْزِلُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَغْفِرُ لِأَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ شَعَرِ غَنَمِ كَلْبٍ» أخرجه ابن راهويه وأحمد في "المسند"، والترمذي وابن ماجه -واللفظ له- في "السنن"، والبيهقي في "شعب الإيمان".

وعنها أيضًا رضي الله عنها أنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «يَفْتَحُ اللهُ الْخَيْرَ فِي أَرْبَعِ لَيَالٍ: لَيْلَةِ الْأَضْحَى، وَالْفِطْرِ، وَلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَان؛ ينْسَخُ فِيهَا الْآجَالَ وَالْأَرْزَاقَ، وَيَكْتُبُ فِيهَا الْحَاجَّ، وَفِي لَيْلَةِ عَرَفَة إِلَى الْأَذَانِ» رواه الدارقطني في "غرائب مالك"، والخطيب في "الرواة عن مالك"، وابن الجوزي في "مثير العزم"، والديلمي في "الفردوس".

إلى غير ذلك من الأحاديث التي ذكرها الأئمة في مصنفاتهم؛ حتى إنهم أفردوا لها بالتصنيف أبوابًا مخصوصة في كتبهم؛ فبوب الترمذي وابن ماجه في "سننهما": (باب ما جاء في ليلة النصف من شعبان)، وبوَّب ابن أبي عاصم في "السنة": (باب ذكر نزول ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا ليلة النصف من شعبان، وَمَطْلَعِهِ إلى خلقه)، وبوَّب البيهقي في "فضائل الأوقات"، والبغوي في "شرح السنة": (بَابٌ فِي فَضْلِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ).

وأحاديث هذا الباب وإن كان في بعضها مقالٌ، إلا أنها في الجملة يقوِّي بعضُها بعضًا؛ لكثرة طرقها وتعدد رواتها؛ فيُحْتَجُّ بها؛ قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي" (3/ 364-367، ط. دار الكتب العلمية): [باب ما جاء في ليلة النصف من شعبان.. فهذه الأحاديث بمجموعها حجة على من زعم أنه لم يثبت في فضيلة ليلة النصف من شعبان شيء] اهـ.

ثانياً: أقوال الصحابة والتابعين ومصنفات العلماء في فضل ليلة النصف من شعبان:

 

وأما أقوال الصحابة رضوان الله عليهم:

 

فعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: "يُعْجِبُنِي أَنْ يُفَرِّغَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ فِي أَرْبَعِ لَيَالٍ: لَيْلَةِ الْفِطْرِ، وَلَيْلَةِ الأَضْحَى، وَلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَأَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ"؛ كما أورده الحافظ ابن الجوزي في "التبصرة" (2/ 20، ط. دار الكتب العلمية).

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "خَمْسُ لَيَالٍ لَا يُرَدُّ فِيهِنَّ الدُّعَاءَ: لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ، وَأَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ، وَلَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَلَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ" أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"، والبيهقي في "شعب الإيمان" و"فضائل الأوقات".

أما أقوال التابعين في فضل ليلة النصف من شعبان:

 

وأما ما روي عن التابعين ومَن بَعدَهُم: فقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى عديّ بن أرطأة وهو عامله على البصرة: "أَنْ عَلَيْكَ بِأَرْبَعِ لَيَالٍ مِنَ السَّنَةِ؛ فَإِنَّ اللهَ يُفْرِغُ فِيهِنَّ الرَّحْمَةَ إِفْرَاغًا: أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنَ رَجَبٍ، وَلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَلَيْلَةِ الفِطْرِ، وَلَيْلَةِ الْأَضْحَى"؛ كما ذكره العلامة قوام السنة في "الترغيب والترهيب" (2/ 393، ط. دار الحديث)، والحافظ ابن الجوزي في "التبصرة" (2/ 20-21).

وعن خَالِد بْن معدَان قَالَ: "خَمْسُ لَيَالٍ في السَّنَةِ؛ مَنْ وَاظَبَ عَلَيْهِن رَجَاءَ ثَوَابِهِنَّ وَتَصْديقًا بِوَعْدِهِنّ، أَدْخَلَهُ الله الْجَنَّةَ: أَوْلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ يَقُومُ لَيْلَهَا وَيَصُومُ نَهَارَهَا، وَلَيْلَةُ نِصْفِ شَعْبَانَ يَقُومُ لَيْلَهَا وَيَصُومُ نَهَارَهَا، وَلَيْلَةُ الْفِطْرِ يَقُومُ لَيْلَهَا وَيَصُومُ نَهَارَهَا، وَلَيْلَةُ الْأَضْحَى يَقُومُ لَيْلَهَا وَيَصُومُ نَهَارَهَا، وَلَيْلَةُ عَاشُورَاءَ يَقُومُ لَيْلَهَا وَيَصُومُ نَهَارَهَا"؛ كما أورده أبو بكر الخلال في "فضائل شهر رجب" (ص: 75، ط. دار ابن حزم).

وعن عطاء بن يسار قال: "مَا مِنْ لَيْلَةٍ بَعْدَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَفْضَلُ مِنْهَا -يَعْنِي لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ-؛ يَنْزِلُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَغْفِرُ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ أَوْ قَاطَعِ رَحِمٍ" ذكره العلامة اللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" (3/ 499، ط. دار طيبة).

أما اهتمام العلماء بليلة النصف من شعبان:

 

فقد اعتنى العلماء بهذه الليلة المباركة؛ لما لها من الفضل، وزاد اعتناؤهم بها حتى أفردوا في فضلها وإحيائها وبيان خصائصها أجزاء حديثية ورسائل؛ منها:

١ - ليلة النصف من شعبان وفضلها" للحافظ ابن الدبيثي صاحب "الذيل على تاريخ بغداد" [ت: 637هـ].

٢- الإيضاح والبيان لما جاء في ليلتي الرغائب والنصف من شعبان" للإمام ابن حجر الهيتمي [ت: 974هـ].

٣- التبيان في بيان ما في النصف من شعبان" للملا علي القاري [ت: 1014هـ].

٤- فضائل ليلة النصف من شهر شعبان" للعلامة سالم السنهوري [ت: 1015هـ].

٥- رسالة في فضل ليلة النصف من شهر شعبان" للعلامة محمد حسنين مخلوف [ت: 1355هـ].

٦- حسن البيان في ليلة النصف من شعبان" للعلامة عبد الله بن الصديق الغماري [ت: 1413هـ].

٧- ليلة النصف من شعبان في ميزان الإنصاف العلمي" للإمام الرائد الشيخ محمد زكي الدين إبراهيم [ت: 1419هـ]،  وغيرها من المصنفات.

ثالثاً: هل هناك أسماء تسمى بها ليلة النصف من شعبان؟

 

نعم ، فقد ذكر العلماء وعلى رأسهم فضيلة الشيخ/حسين مخلوف - رحمه الله تعالى - شيخ الأزهر سابقًا، في كتابه (شذرات في فضائل ليلة النصف) أن لهذه الليلة أسماء متعددة، وكل اسم من هذه السماء يحمل معنى وفضل لهذه الليلة، فمن أسماء هذه الليلة:

 "ليلة الرحمة، وليلة الإجابة، وليلة الغفران، وليلة القسمة، وليلة التقدير والحياة، وليلة البراءة، والليلة المباركة.."،

وذكر لكل اسم من هذه الأسماء ما يؤيدها بأثر أو بمعنى استلهمه من خلال ما جاء في فضل هذه الليلة.

ولاشك أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى.

رابعاً : ما هو فضل هذه الليلة؟

 

وأما فضل هذه الليلة، فقد جاء في فضلها أن فيها:

1- يغفر الذنوب: فعن أبى هريرة - رضي الله عنه - قال: قال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا كان ليلةُ النصفِ من شعبانَ يغفرُ اللهُ لعبادِهِ إلا لمُشركٍ أو مُشَاحِنٍ"، وفي رواية: "أو قاتل نفس"، وفي رواية: "إلا العاق"[صحيح].

2- يستجيب الله فيه الدعاء: فعن عن عثمان بن أبي العاص - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا كان ليلةُ النصفِ من شعبانَ نادى منادٍ هل من مستغفرٍ فأغفرَ له هل من سائلٍ فأُعطيَه، فلا يسألُ أحدٌ شيئا إلا أُعطى إلا زانيةٌ بفرجِها أو مُشْرِكٌ"[صحيح].

وقد قال الإمام الشافعي - رحمه الله -: "بلغنا أن الدعاء يستجاب في خمس ليال: ليلة الجمعة، والعيدين، وأول رجب، ونصف شعبان" .

3-  تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام جاء لتقر عين الرسول – صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم - فقلبه صلوات ربي وتسليماته عليه معلق بمكة، يمتلئ شوقًا وحنينا إليها، إذ هي أحب البلاد إليه، وقد أخرجه قومه واضطروه إلى الهجرة إلى المدينة المنورة، التي شرفت بمقامه –صلى الله عليه وسلم-  الشريف، فخرج من بين ظهرانيهم، ووقف على مشارف مكة المكرمة، قائلا: والله إنك لخير أرض الله وأحب الأرض إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت.

كما أنه صلى الله عليه وسلم ظل متعلقًا بمكة المكرمة بعد أن استقر بالمدينة المنورة، فأرضاه الله عز وجل بأن جعل القبلة إلى البيت الحرام، فكانت الإقامة بالمدينة والتوجه إلى مكة في كل صلاة، ليرتبط عميق الإيمان بحب الأوطان.

4- ورد أن الأعمال التي ترفع إلى الله على قسمين: الأول: تفصلية، والثاني: إجمالية، والأعمال التفصيلية هي التي ترفع إلى الله يوم الاثنين والخميس من كل أسبوع، أما الأعمال الإجمالية فهي تعرض في ليلة النصف من شعبان، وعرض الأعمال في ليلة النصف من شعبان يختلف عن عرضها في يومي الاثنين والخميس؛ فكل له مذاقه، لذا ينبغي على الإنسان أن يكثر من أعمال الطاعة فيها.

يقول الإمام ابن تيمية - رحمه الله - : "إذا صلى الإنسان ليلة النصف وحده أو في جماعة خاصة، كما كان يفعل طوائف من السلف، فهو أحسن .

ويقول ابن رجب الحنبلي - رحمه الله - : "فينبغي للمؤمن أن يتفرغ في تلك الليلة لذكر الله تعالى ودعائه بغفران الذنوب وستر العيوب وتفريج الكروب، وأن يقدم على ذلك التوبة، فإن الله تعالى يتوب فيها على من يتوب.

وأنشد يقول :

            فقم ليلة النصف الشريف مصليا

            فأشرف هذا الشهر ليلة نصفه

            فكم من فتى قد بات في النصف آمنا

           وقد نسخت فيه صحيفة حتفه

           فبادر بفعل الخير قبل انقضائه

          وحاذر هجوم الموت فيه بصرفه

رابعاً:  المقاصد المستفادة من تحـويل القبلة:

 

إن لحادثة تحويل القبلة أبعادًا كثيرة؛ ومقاصد متنوعة منها: السياسي، ومنها العسكري، ومنها الديني البحت.

فبعدها السياسي أنها جعلت الجزيرة العربية محور الأحداث. وبُعدها التاريخي أنها ربطت هذا العالم بالإرث النبوي لإبراهيم عليه السلام.

 وبُعدها العسكري أنها مهدت لفتح مكة، وإنهاء الوضع الوثني في المسجد الحرام؛ حيث أصبح مركز التوحيد بعد أن كان مركزًا لعبادة الأصنام.

 وبُعدها الديني أنها ربطت القلب بالحنيفية، وميزت الأمة الإسلامية عن غيرها، والعبادة في الإسلام عن العبادة في بقية الأديان.

ومن  أهم المقاصد المستفادة من حادث تحويل القبلة مايلي:

المقصد الأول : المحنة و الابتلاء للتمحيص والاختبار :

 

لقد كان لله عز وجل في جعل القبلة إلى بيت المقدس، ثم تحويلها إلى الكعبة حكم عظيمة ومحنة للمسلمين والمشركين واليهود والمنافقين.

فأما المسلمون، فقالوا: سمعنا وأطعنا، وقالوا: آمنا به كل من عند ربنا، وهم الذين هدى الله ولم تكن كبيرة عليهم، وأما المشركون، فقالوا: كما رجع إلى قبلتنا يوشك أن يرجع إلى ديننا، وما رجع إليها إلا أنه الحق، وأما اليهود فقالوا: خالف قبلة الأنبياء قبله، ولو كان نبيًّا، لكان يصلي إلى قبلة الأنبياء، وأما المنافقون، فقالوا: ما يدري محمد أين يتوجه إن كانت الأولى حقًّا، فقد تركها، وإن كانت الثانية هي الحق، فقد كان على الباطل، وكثُرت أقاويل السفهاء من الناس، وكانت كما قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ﴾ [البقرة: 143]، وكانت محنة من الله، امتحن بها عباده؛ ليرى من يتبع الرسول منهم ممن ينقلب على عقبيه.

ولقد ابتلي المسلمون الأوائل بهذا الحدث أيَّما ابتلاء، فثبتوا - رضي الله عنهم - ما ضرتهم حرب اليهود الإعلامية، ليضرب الصحابة - رضوان الله عليهم - القدوة والأسوة في مواجهة الابتلاء، ولقد علمونا - رضي الله عنهم - الصبر على ألوان ومجالات الابتلاء، بدايةً بابتلاء السجن والحصار والتعذيب في رمضاء مكة، وحتى الصبر على الترسانة الإعلامية اليهودية.

المقصد الثاني : تحويل القبلة دلالة على نبوة الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم .

 

لقد اخبر الله تعالى بما سيقوله اليهود عند تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة؛ من إثارة الشكوك والتساؤلات قبل وقوع الأمر، ولهذا دلالته، فهو يدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو أمر غيبي، فأخبر به قبل وقوعه، ثم وقع، فدل ذلك على أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول يخبره الوحي بما سبق، وهو يدل أيضًا على علاج المشكلات قبل وقوعها؛ حتى يستعد المسلمون ويهيؤوا أنفسهم لهذه المشاكل للتغلب عليها والرد عليها، ودفعها، فإن مفاجأة المكروه على النفس أشق وأشد، والجواب العتيد لشغب الخصم الألد.

قال تعالى: "سيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" البقرة ﴿142﴾.

المقصد  الثالث: ضرورة تميز المؤمنين عن غيرهم ( الصبغة الإيمانية المتفردة) .

 

لم يكن بد من تمييز المكان الذي يتجه إليه المسلم بالصلاة والعبادة وتخصيصه؛ كي يتميز هو ويتخصص بتصوره ومنهجه واتجاهه، فهذا التميز تلبية للشعور بالامتياز والتفرد؛ كما أنه بدوره ينشئ شعورًا بالامتياز والتفرد.

ومن هنا كذلك كان النهي عن التشبه بمن دون المسلمين في خصائصهم، التي هي تعبير ظاهر عن مشاعر باطنة كالنهي عن طريقتهم في الشعور والسلوك سواء، ولم يكن هذا تعصبًا ولا تمسكًا بمجرد شكليات، وإنما كان نظرة أعمق إلى ما وراء الشكليات، كان نظرة إلى البواعث الكامنة وراء الأشكال الظاهرة، وهذه البواعث هي التي تفرق قومًا عن قوم، وعقلية عن عقلية، وتصورًا عن تصور، وضميرًا عن ضمير.

كما روى "خالفوا المجوس"، وهو نهي عن التشبه في مظهر أو لباس، نهي عن التشبه في حركة، أو سلوك، ونهي عن التشبه في قول أو أدب، ثم هو نهي التلقي عن غير الله منهجه الذي جاءت هذه الأمة لتحقيقه في الأرض.

فالأمة المسلمة اليوم في حاجة إلى التميز بشخصية متفردة هذا التصور والتميز براية خاصة تحمل اسم الله وحده، فتعرف بأنها الأمة الوسط التي أخرجها الله للناس؛ لتحمل أمانة العقيدة وتراثها.

لقد تمت المفاصلة بين المسلمين واليهود، وأصبح للمسلمين قبلتهم الخاصة بهم نحو المسجد الحرام، إن الأمم التي تُريد أن تنهض، لا بدَّ أن يكون التمايز مكوِّنًا أساسيًّا من مكونات مشروعها الحضاري .

المقصد  الرابع: الأمة الوسط ( لا إفراط ولا تفريط) :

 

يقول ابن كثير يقول الله تعالى: إنما حولناكم إلى قبلة إبراهيم عليه السلام، واخترناها لكم؛ لنجعلكم خيار الأمم؛ لتكونوا يوم القيامة شهداءَ الأمم؛ لأن الجميع معترفون لكم بالفضل، فهي أمة وسط في التصور والاعتقاد، وفي التفكير والشعور في التنظيم والتنسيق، والارتباطات والعلاقات، وفي المكان في سرة الأرض وأوسط بقاعها.

أمة وسط في التصور والاعتقاد، لا تغلو في التجرد الروحي ولا في الارتكاس المادي، إنما تتبع الفطرة الممثلة في روح متلبس بجسد، أو جسد تتلبس به روح، وتعطي لهذا الكيان المزدوج الطاقات حقه المتكامل من كل زاد، وتعمل لترقية الحياة ورفعها في الوقت الذي تعمل فيه على حفظ الحياة وامتدادها، وتطلق كل نشاط في عالم الأشواق وعالم النوازع، بلا تفريط ولا إفراط، في قصد وتناسق واعتدال.

أمة وسط في التفكير والشعور، لا تجمد على ما علمت وتغلق منافذ التجربة والمعرفة، إنما تستمسك بما لديها من تصورات ومناهج وأصول، ثم تنظر في كل نتاج للفكر والتجريب، وشعارها الدائم: الحقيقة ضالة المؤمن أنَّى وجدها أخذها في تثبُّت ويقين.

أمة وسط في التنظيم والتنسيق، لا تدع الحياة كلها للمشاعر، والضمائر، ولا تدعها كذلك للتشريع والتأديب، إنما ترفع ضمائر البشر بالتوجيه والتهذيب، وتكفل نظام المجتمع بالتشريع والتأديب، وتزاوج بين هذه وتلك، فلا تكل الناس إلى سوط السلطان، ولا تكلهم كذلك إلى وحي الوجدان، ولكن مزاج من هذا وذاك.

أمة وسط في الارتباطات والعلاقات لا تلغي شخصية الفرد ومقوماته، ولا تلاشي شخصيته، ولا تطلقه كذلك فردًا أثرًا جشعًا، لا همَّ له إلا ذاته، إنما تطلق من الدوافع والطاقات ما يؤدي إلى الحركة والنماء، وتطلق من النوازع والخصائص ما يحقق شخصية الفرد وكيانه، ثم تضع من الكوابح ما يقف دون الغلو، ومن المنشطات ما يثير رغبة الفرد في خدمة دينه ووطنه.

أمة وسط في المكان في سرة الأرض، وفي أوسط بقاعها، وما تزال هذه الأمة التي غمر أرضها الإسلام إلى هذه اللحظة هي الأمة التي تتوسط أقطار الأرض بين شرق وغرب، وجنوب وشمال، وما تزال بموقعها هذا تشهد الناس جميعا، وتشهد على الناس جميعًا، وتعطي ما عندها لأهل الأرض قاطبة، وعن طريقها تعبر ثمار الطبيعة وثمار الروح والفكر من هنا إلى هناك، وتتحكم في هذه الحركة ماديها ومعنويها على السواء.

أمة وسط في الزمان تنهي عهد طفولة البشرية من قبلها، وتحرس عهد الرشد العقلي من بعدها، وتقف في الوسط تنفض عن البشرية ما علق بها من أوهام وخرافات من عهد طفولتها، وتصدها عن الفتنة بالعقل والهوى، وتزاوج بين تراثها الروحي من عهود الرسالات، ورصيدها العقلي المستمر في النماء، وتسير بها على الصراط السوي بين هذا وذاك.

قال تعالى:  " كَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا.. " البقرة {143}.

المقصد الخامس:  التربية للصف المسلم والابتعاد عن العصبية والعنصرية :

 

فقد كان العرب يعظمون البيت الحرام في جاهليتهم، ويعدونه عنوان مجدهم القومي، فأراد الإسلام استخلاص القلوب لله وتجريدها من كل نعرة وكل عصبية غير الإسلام؛ كالأرض، والتاريخ، والعنصرية، فكما أسلم المسلمون وجههم إليها، وقد كان اليهود بعد الهجرة يتخذون هذا الوضع حجة لهم، فصدر الأمر الإلهي بالاتجاه إلى المسجد الحرام، ولكن ربط قلوب المسلمين بحقيقة أخرى هي حقيقة الإسلام، حقيقة أن هذا البيت بناه إبراهيم عليه السلام وإسماعيل.

امَّا سبب الموقِف، وعلَّة التحوُّل، فهو تجرُّد القلوب، واصْطِفاء النفوس، واجتباء الأرْواح، واستقلال التوجُّهات.

يُبيِّن الله الناسي من الذاكِر، والجاحِد من الشاكر، والمؤمِن من الكافر، والمُصلِح من المفسِد، والكاذِب مِن الصادق، والمتردِّد الخوار مِن الثابت المغوار؛ ا راد الله أن يُجرِّد القلوب مِن العوالق إلاَّ لله، وأن يُصفِّيَها من الجواذبِ إلاَّ لدِين الله.

قال تعالى: "وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴿143﴾.

المقصد السادس: صراع عداء لا جهل:

 

قال تعالى في معرض حديث الآيات عن القبلة ﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ﴾ [البقرة: 145].

كثير من طيبي القلوب يظنون أن الذي يصد اليهود والنصارى عن الإسلام، أنهم لا يعرفونه، أو لأنه لم يقدم اليهم في صورة متقنة، وهذا ربما ينطبق على صغارهم، لكن كبارهم لا يريدون الإسلام؛ لأنهم يعرفونه، فهم يخشونه على مصالحهم وعلى سلطانهم، وهم دائمًا؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ﴾ [البقرة: 145].

إنهم لن يقتنعوا بأي دليل؛ لأن الذي ينقصهم ليس هو الدليل، إنما هو الإخلاص والتجرد من الهوى والاستعداد للتسليم بالحق إذا استبانوا طريقه.

﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 146].

وهنا ندرك أصالة العدوان اليهودي للإسلام والمسلمين، فقد شنوا حربًا إعلامية ضارية في أعقاب حدث تحويل القبلة، ولقد فُتن ضعاف الإيمان كما فُتن إخوانهم في حادث الإسراء والمعراج، وإن المتأمل لآيات تحويل القبلة - وهي ترد شبهات اليهود - يتبين له مدى ضراوة الحرب الإعلامية والفكرية التي شنها اليهود.

المقصد السابع: سرعة الاستجابة والثقة في القيادة:

 

كم كان هؤلاء الصحابة - رضي الله عنه - في قمة التشريف لهذه الدعوة؛ عندما جاءهم خبر تحويل القبلة، انظر في صحيح البخاري عن البراء: " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا - أو سبعة عشر شهرًا - وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وإنه صلى أول صلاة صلاها العصر، وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فمر على أهل المسجد وهم راكعون، فقال أشهد بالله، لقد صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت"، لقد تحولوا وهو في هيئة الركوع من قبلة بيت المقدس إلى اتجاه البيت الحرام، لقد علمونا - رضي الله عنهم - كيف نستقبل أوامر وتعاليم الإسلام.

بهذه الثقة في النهج وبهذه الثقة في القائد قادوا وسادوا وساسوا الدنيا.

فلنتحول كما تحول الصحابة في حادث تحويل القبلة، نتحول بكل قوة وثقة ورشاقة إلى منهج الإسلام بكلياته وجزئياته، كما تحول الغر الميامين وهم ركوع.

المقصد الثامن : تحويل القبلة توحيد للأمة:

 

من كل اتجاه، في أنحاء الأرض جميعًا، قبلة واحدة تجمع هذه الأمة وتوحد بينها على اختلاف مواطنها، واختلاف مواقعها من هذه القبلة، واختلاف أجناسها وألسنتها وألوانها، قبلة واحدة، تتجه إليها الأمة الواحدة في مشارق الأرض ومغاربها، فتحس أنها جسم واحد، وكيان واحد، تتجه إلى هدف واحد، وتسعى لتحقيق منهج واحد، منهج ينبثق من كونها جميعًا تعبد إلهًا واحدًا، وتؤمن برسول واحد، وتتجه إلى قبلة واحدة،

وهكذا وحد الله هذه الأمة، وحدها في إلهها ورسولها ودينها وقبلتها، وحدها على اختلاف المواطن والأجناس والألوان واللغات، ولم يجعل وحدتها تقوم على قاعدة من هذه القواعد كلها؛ ولكن تقوم على عقيدتها وقبلتها، ولو تفرقت في مواطنها وأجناسها وألوانها ولغاتها.

إنها الوحدة التي تليق ببني الإنسان، فالإنسان يجتمع على عقيدة القلب، وقبلة العبادة.

المقصد التاسع : جبر الخواطر.. وربط عميق الإيمان بحب الأوطان والمحافظة على رفعتها:

 

لقد كرم الله نبيه – صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم - في ليلة النصف من شعبان، بأن طيب خاطره وجبره بتحويل القبلة، لتقر عينه، فقلبه معلق بمكة.

فتحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام جاء لتقر عين الرسول – صلى الله عليه وسلم - فقلبه معلق بمكة، يمتلئ شوقًا وحنينا إليها، إذ هي أحب البلاد إليه، وقد أخرجه قومه واضطروه إلى الهجرة إلى المدينة المنورة، التي شرفت بمقامه الشريف، فخرج من بين ظهرانيهم، ووقف على مشارف مكة المكرمة، قائلا: «والله إنك لخير أرض الله وأحب الأرض إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» (رواه الترمذي). فهو صلى الله عليه وسلم ظل متعلقًا بمكة المكرمة بعد أن استقر بالمدينة المنورة، فأرضاه الله عز وجل بأن جعل القبلة إلى البيت الحرام، فكانت الإقامة بالمدينة والتوجه إلى مكة في كل صلاة، ليرتبط عميق الإيمان بحب الأوطان.

قال الله تبارك وتعالى: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [سورة البقرة:144].

وغير ذلك من الدروس والعبر المستفادة من حادث تحويل القبلة ...

خامساً: كيف ندرك فضل ليلة النصف من شعبان؟

 

وندرك فضلها بـما يلي:

1- التفرغ في هذه الليلة للذكر والدعاء: قال ابن حجر - رحمه الله -: "وأما ليلة النصف من شعبان، فلها فضيلة، وإحياؤها بالعبادة مستحب، ولكن على الانفراد؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال - صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم -: "ينزل الله إلى السماء الدنيا كل ليلة حتى يمضي ثُلُث الليل الأول، فيقول: أنا الملك، من ذا الذى يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر". فعلينا أن نصوم نهارها ونقيم ليلها.

2- البعد عن الشرك؛ سواء كان الشرك الظاهر، أو الخفي:

قال تعالى: ﴿ إنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ﴾ [النساء: 48]، وقال: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 110].

3- عدم المشاحنة والعداوة: وليكن شعارنا كشعار جيل الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين -: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ [الحشر: 10]، وعن أنس - رضي الله عنه - قال: قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"[صحيح].

ولنحذر من المشاحنة والعداوة؛ فإن فيه هلاك الأمة؛ قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال: 46]، وعن الزبير بن العوام - رضي الله عنه - قال: قال - صلى الله عليه وسلم -: "دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء والبغضاء هي الحالقة حالقة الدين لا حالقة الشعر، والذي نفس محمد بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم"[صحيح].

4- التسامح والحب والعفو: فعن أبي أيوب - رضي الله عنه - قال: قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام"[ صحيح].

وفي حادثة الإفك عن عائشة - رضي الله عنها - زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قال لها: أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا وأنزل الله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ ﴾ [النور: 11]  العشر الآيات فيما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر - (وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره) -: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة فأنزل الله: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [النور: 22]، قال أبو بكر: بلى والله أني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا" .

5- -   صيام هذا اليوم العظيم ، وكثرة الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

وذلك للتأهب لشهر رمضان بالصيام والصلاة والدعاء وصلة الأرحام وغيرها من الأفعال الصالحة،  كما أخبر بذلك رسول الله -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- في الحديث الصحيح، فقد روى الإمامان الترمذي والنسائي عن سيدنا  أسامة بن زيد رضي الله عنهما، قال: قُلتُ: يا رسول الله، لمْ أرَكَ تصوم من شهر من الشهور ما تصوم مِنْ شعْبان. قال: ذلك شهْرٌ يغْفُل الناس عنْه بيْن رجب ورمضان، وهو شهْرٌ تُرْفَع فيه الأعْمال إلى ربِّ العالمين، فأحبُّ أنْ يرْفعَ عملي وأنا صائمٌ.

 وقد ورد عن أم المؤمنين عائشة -رضى الله عنها- قالت: ما رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا شهر رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صيامًا منه في شعبان. رواه البخاري . فلنكثر من الصيام في هذا الشهر المبارك عسى أن تصيبنا نفحة من نفحات هذا الشهر العظيم فلا نشقى بعدها ابدا.

كما نكثر من الصلاة والسلام على حضرته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ، وذلك لأن آية الأمر بالصلاة والسلام على حضرة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم نزلت في السنة الثانية من الهجرة في شعر شعبان .

وقد نقل الإمام شهاب الدين القسطلاني في (المواهب) قولاً لبعض العلماء: بأن شهر شعبان شهر الصلاة عليه، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، لأنه نزلت فيه قوله تعالى:

((إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)) (الأحزاب 56).

وقد ذكر الإمام ابن حجر رحمه الله تعالى، عن أبي ذر الهروي: أن الأمر بالصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان في السنة الثانية من الهجرة، وقيل في ليلة الإسراء.

فلنكثر من الصلاة والسلام على الشفيع المشفع الكامل المكمل البشير النذير السراج المنير في هذه الأيام المباركات.

6 - التوبة إلى الله - عز وجل - توبة نصوحًا:

قصة توبة مالك بن دينار كانت في ليلة النصف من شعبان:

فقد كان شرطيًّا وكان منهمكًا على شرب الخمر، ثم ولدت له بنتًا، وكان يحبها فماتت، فحزن عليها حزنًا شديدًا، فرأى ليلة نصف شعبان أنه خرج من قبره وحية عظيمة تتبعه كلما أسرع أسرعت، فمر بشيخ ضعيف، فسأله أن ينقذه منها، فقال: أنا عاجز مر وأسرع لعلك تنجو منها، فأسرع وهي خلفه حتى مر على طبقات النار، وهي تفور وكاد أن يهوي فيها، وإذا بصوت يقول: لست من أهلي فمر، حتى أشرف على جبل به طاقات وستور، وإذا بصوت يقول: أدركوا هذا اليائس قبل أن يدركه عدوه، فأشرف عليه أطفال فيهم بنته التي ماتت، فنزلت إليه وضربت بيدها اليمنى إلى الحية، فولت هاربة وجلست في حجره قائلة: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ [الحديد: 16] فقال لها: أتقرؤون القرآن؟ قالت: نحن أعرف به منكم، ثم سألها: ما مقامهم هنا؟ فأخبرته: أنهم أسكنوا هنا إلى يوم القيامة ينتظرون آباءهم يقدمون عليهم، ثم سأل عن تلك الحية؟ فقالت: عملك السوء، وعن الشيخ؟ فقالت: عملك الصالح أضعفته حتى لم تكن له طاقة بعملك السوء، فتب إلى الله ولا تكن من الهالكين، ثم ارتفعت عنه واستيقظ، قال مالك: فانتبهت فزعًا، وأصبحت فأرقت المسكر وكسرت الآنية وتبت إلى الله - عز وجل - وهذا كان سبب توبتي .

وفي الختام : نسأل الله تعالى أن يبارك لنا في شهر شعبان وأن يبلغنا شهر  رمضا ، وأن يحفظ مصر قيادة وشعباً،  ويجعلها في أمانه وضمانه وكفالته واحة للأمن والأمان والاستقرار  ، اللهم آمين يارب العالمين .

 

 .

google-playkhamsatmostaqltradent