قِيمَةُ الْوَقْتِ وَاِغْتِنَامِ الْعُمَرِ
الحمدُ للهِ على جميلِ نعمائه، وأشكرُه على
جليلِ آلائه، أحمَدُه سبحانه على ما أسبغَ من خفيِّ عطائه، وما دفعَ من عظيمِ
بلائه. وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، شهادةً نرجو بها الفوزَ يومَ
لقائه، ونأملُ بها السُّكنى في دارِ أوليائه. وأشهدُ أنَّ سيدنا محمداً عبدُه
ورسولُه، خيرُ مَن دعا لتوحيدهِ واهتدائه. اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله
وأصحابه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم لقائه.
أما بعدُ؛ عبادَ الله:
فأوصيكم ونفسي بتقوى اللهِ في سرِّكم
وإبدائه، ومراقبتهِ في صُبحهِ ومسائه؛ فالمتقي هو الفائزُ بظِلِّه ورضائه، والناجي
من سُخطِهِ وعذابه، فاتقوا اللهَ حقَّ التُّقى، والزموا من الدينِ العُروةَ
الوثقى، واعلموا أنَّ التقوى هي ميزانُ القبولِ عندَ لقائه، وبها يتفاضلُ العبادُ
في دارِ جزائه.
ثم أما بعد:
إن نعم الله (عز وجل) على الإنسان
كثيرة، قال تعالى: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ
اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 18]، وإن من أعظمها قدراً وأرفعها شأناً:
"نعمة الوقــــت"، فعَنْ سيدنا عبد الله بْن عَبَّاسٍ (رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا)، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):
"نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ
وَالْفَرَاغُ" [رواه البخاري].
فلقد أقسم الله (عز وجل) بها في كتابه
العزيز بياناً لشأنها ومكانتها، وحثاً للعباد على اغتنام إقبالها قبل إدبارها،
وتنبيهاً من الغفلة عن الانتفاع بها رقياً وتقدماً وعملاً وإنتاجاً ومسارعةً إلى
الخيرات والقربات والطاعات، قال تعالى: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ *
وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} [الفجر: 1-3]. وقال سبحانه: {وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ
إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ
مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى: 1-5]. وقال جل
وعلا: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ} [سورة
العصر]. وقال تعالى: {وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ} [المدثر: 34]. وقال عز وجل:
{وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} [الليل: 1-2].
يرى المتدبر في الكون مِن حوله أن كل ما فيه
يذكرنا بعظيم شأن الوقت، ويدعونا إلى التمسك بنفعه؛ فطلوع الشمس وغروبها، والقمر
الذي قدره الله منازل كل يوم تراه أصغر أو أكبر من اليوم الذي قبله، وحركة الكون
والكواكب، ومرور الأعوام، وتعاقب الأجيال، وانقضاء الآجال، وما في الأرض من زرع
ينبت، ونبات يزهر، وزهر يثمر، وثمر يقطف، وزرع يصبح هشيماً تذروه الرياح، وما في
أحوال البشر من جنين يتكون، وقلب ينبض، وطفل يولد، وولد يشب، وشاب يكتهل، وكهل
يشيخ، وشيخ يموت، ومن أحوال تدور على الناس من يسر وعسر، وغنى وفقر، وصحة وسقم،
وسرور وحزن، وشدة ورخاء، وسراء وضراء؛ كل هذا يذكرنا بقيمة الزمن والوقت.
ولقد علم السلف الصالح أن أوقاتهم هي
أعمارهم فكانوا في أشد الحرص عليها، يكثرون من النصح فيها؛ قال سيدنا عبد الله بن
مسعود رضي الله عنه: "ما ندمت على شيء ندامتي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي
ولم يزدد فيه عملي". وقال الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: "إن
الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما".
وقال سيدنا الفُضيل بن عياض لرجل: "كم
أتَت عليك؟ قال: ستُّون سنة، قال: فأنت منذ ستين سنة تسيرُ إلى ربِّك، توشك أن
تبلغ، فقال الرَّجل: يا أبا علي، إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، قال له الفضيل:
تعلمُ ما تقول؟ فقال الرجل: قلت: "إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون"، قال
الفضيل: تعلَمُ ما تفسيرُه؟ قال الرَّجل: فسِّره لنا يا أبا علي، قال: مَن عَلِمَ
أنَّه عبد الله وأنَّه إليه راجع، فليعلَم بأنَّه موقوفٌ، ومَن عَلم بأنَّه
موقوفٌ، فليعلم بأنَّه مسؤولٌ، ومَن علم أنَّه مسؤولٌ، فليُعِدَّ للسؤال جواباً،
فقال الرجل: فما الحيلة؟ قال: يسيرة، قال: ما هي؟ قال: تُحسنُ فيما بقيَ، يُغفَر
لك ما مضى، فإنَّك إن أسأتَ فيما بقي أُخِذتَ بما مضى وما بقي".
وقال التابعي الجليل الحسن البصري رضي الله
عنه: "يا ابن آدم إنما أنت أيام، فإذا ذهب يومٌ ذهب بعضُك". وقال أيضاً:
"أدركتُ أقواماً على أوقاتهم أشدَّ منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم".
ويقول العارف بالله سيدي ابن عطاء الله السكندري: "لا تنفق أنفاسَكَ في غير
طاعة الله، ولا تنظرْ إلى صِغَر النَّفَس بل انظر إلى مقداره، وإلى ما يعطي الله
فيه للعبد، فالأنفاس جواهر، وهل رأيت أحداً يرمي جوهرة على مزبلة؟!". وقال
رحمه الله: "ما من نَفَسٍ تُبديه إلا وله قَدَرٌ فيك يُمضِيْه".
فبادروا بالأعمال الصالحة كما قَالَ
النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ
خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ
قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ».
واعلموا أن أحب الأعمال إلى الله أدومُها
وإن قَلّ: عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ سُئِلَ
النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى
اللَّهِ قَالَ: «أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ».
وإذا أردتم اغتنام أوقاتكم فاحذروا هذه
المضيعات:
التسويف: يعني الإكثار من قول سوف أفعل، سوف
أصلي.. الخ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه
وسلم: «بَادِرُوا بِالْعَمَلِ هِرَمًا نَاغِصًا، أَوْ مَوْتًا خَالِسًا، أَوْ
مَرَضًا حَابِسًا، أَوْ تَسْوِيفًا مُؤْيِسًا».
الكسل: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ
لِابْنِهِ: «إِيَّاكَ وَالْكَسَلَ وَالضَّجَرَ فَإِنَّهُمَا مِفْتَاحُ كُلِّ
شَرٍّ، إِنَّكَ إِنْ كَسِلْتَ لَمْ تُؤَدِّ حَقًّا، وَإِنْ ضَجِرْتَ لَمْ تَصْبِرْ
عَلَى حَقٍّ».
الغفلة: وتعني غيبة الشيء عن البال؛ فالوقت
أعز شيء يغار عليه دون أن يقضى بفائدة، فإذا فاته وقت فلا سبيل إلى تداركه، وعن
مالك بن أبي فروة: كنا نجالس عبد الله بن أبي الهذيل، فإن جاء إنسان فألقى حديثاً
من حديث الناس قال: يا عبد الله! ليس لهذا جلسنا.
سوء استخدام مواقع التواصل الاجتماعي:
فوسائلُ التواصل سيفٌ خفيّ؛ إن لم تُحكم القبضة عليه، قطع من أعمارنا أكثر مما نصل
به غيرنا، تُسرَقُ الدقائق في لهوٍ عابرٍ، ثم تمضي الساعاتُ شاهدةً على غفلةٍ لا
تعود، فاحفظ وقتك، ولا تجعل هاتفك يقودك.
فإن الوقتَ هو الحياة، وهو النعمةُ التي
تمرّ بنا صامتةً فلا نشعر بثقلها إلا حين تمضي؛ دقائقُه لا تعود، وساعاته لا
تُستعاد، يمضي كما يمضي النَّفَس، فإن حُفظ نَمَتِ الحياة، وإن أُهمل تسرّبت
الأعمار من بين أيدينا. والعاقل من جعل وقته ميزاناً لأعماله، فلا يبدّده في لغوٍ
عابر، ولا يرهُقُه في فراغٍ قاتل، بل يزرعه جهداً فيحصد أثراً، ويجعله سُلّماً
يرتقي به نحو غايةٍ نبيلةٍ، فالوقت إذا أُحسن استغلاله بورك في القليل، وإذا أُسيء
استخدامه ضاع الكثير. وما خسر إنسانٌ شيئاً أعظمَ من ساعةٍ مضت بغير نفع، ولا ربح
نجاحاً أصدق من لحظةٍ وُظّفت في علمٍ أو عملٍ أو خير، فالوقت روح الإنجاز، وسرّ
التفوّق، ومن عرف قيمته أدرك أن الحياة لا تُقاس بطولها، بل بما امتلأت به من أثرٍ
وعطاء.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم
فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية: الأمانة والتحذير من الغش
الحمدُ للهِ على ما خَصَّنا به من هدايتهِ
واجتبائه، وما مَنَّ به علينا من سعةِ رزقهِ وعطائه. وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ
وحده لا شريك له، شهادةً نرجو الفوزَ بكرامتهِ ورضائه.
وأشهدُ أنَّ سيدنا محمداً عبدُه
ورسولُه، المصطفى من أنبيائه، والمجتبى من أصفيائه.
فصلواتُ الله وسلامُه عليه، وعلى آله
وصحبِه ومن سارَ على نهجِه واقتفى أثرَه إلى يومِ لقائه.
أما بعد:
إن الغِش في الامتحانات من أكثر
السُّلوكيات السَّلبية انتشاراً في البيئات التَّعليمية على اختلاف مراحلها، وتكمن
خطورة هذا السُّلوك في كونه لا يقتصر على مجرد تجاوز اختبارات دراسية، بل يؤسس
لمنظومة فكريَّة مشوَّهة تقوم على الخِداع، وانتهاك الأمانة، وتفريغ التَّعليم من
جوهره؛ الغِشِّ بجميع صُورِه وأشكاله.
عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ
صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَن غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي» [رواه مسلم]. وليس الغش
قاصراً على البيع والشراء، فإنه كذلك يكون في الزواج، كما يكون في الامتحان؛
بإبراز الجاهل في صورة العالم أمامَ المصحِّحين، وبإبراز المفلسين والمهملين في
صورة الأذكياء المجدِّين. إن «الغش في الامتحان» فيه إلحاق للأذى بالبشرية، قال
تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا
اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الأحزاب: 58].
عباد الله:
إن الحياة ما هي إلا فرص تُغتنم،
وأمانات تُؤدّى، فمن حفظ وقته فقد حفظ عمره، ومن صان أمانته فقد نجا في دنياه
وأخراه. فاتقوا الله في أوقاتكم، واتقوا الله في عهودكم وأعمالكم، واعلموا أنكم
بين يدي الله موقوفون، وعن الصغير والكبير مسؤولون.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين
والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.
اللهم بارك لنا في أعمارنا، وبارك لنا
في أوقاتنا، واجعلنا ممن طال عمره وحسن عمله.
اللهم ارزقنا الصدق في القول، والإخلاص
في العمل، والأمانة في كل شأننا.
اللهم جنبنا الفواحش والفتن، ما ظهر
منها وما بطن، وباعد بيننا وبين الغش والخديعة كما باعدت بين المشرق والمغرب.
اللهم وفق طلابنا في امتحاناتهم، وافتح
عليهم فتوح العارفين، وارزقهم الفهم والنجاح والسداد، واجعلهم ذخرًا لأهليهم
ولأمتهم.
اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير
من زكاها، أنت وليها ومولاها.