recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة التطرف ليس فى التدين فقط الشيخ علاءالشال

التطرف ليس فى التدين فقط

التطرف في فهم الدين والعمل به
التطرف في التعامل مع الناس
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين وبعد فياعباد الله

اتقوا الله تعالى حق تقاته، واعلموا أن الإسلام دين يسر وسهولة ووسطية، بعيد كل البعد عن الغلو والتنطع والتشدد.
إن قصة تاجر المدينة وأحد العشرة المبشرين بالجنة، عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه، لتقدم لنا نموذجًا رائعًا لوسطية الإسلام وسماحته واتزانه. فبعد هجرته إلى المدينة، آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فعرض عليه سعد أن يناصفه ماله وبيته وأهله. لقد كانت فرصة ذهبية للراحة والغنى الفوري، ولكن ماذا كان رد عبدالرحمن بن عوف؟ لقد قال بعزة المؤمن وكرامة العامل: "بارك الله لك في أهلك ومالك، دلني على السوق".
لم يقل: "دلني على المسجد لأعكف فيه"، ولا قال: "دعني أتفرغ للعبادة وحدي". بل طلب السوق، موطن العمل والكسب والعمارة. فهذه الوسطية هي جوهر الدين: عبادة وعمل، تعلق بالآخرة وبناء للدنيا، بلا إفراط ولا تفريط. لقد فهم أن العبادة الحقة هي التي تصنع إنسانًا منتجًا معطيًا، لا عالة على غيره، فكان من أثرياء المسلمين الذين سخروا أموالهم في سبيل الله. فهلا تأملنا في هذه القصة؟!
عباد الله، إن التطرف ليس مقصورًا على التشدد في العبادات فحسب، بل هو انحراف عن الوسطية في كل مناحي الحياة. وهو مرض خطير له صور متعددة، ألخصها لكم في النقاط التالية، ثم نأتي على شرحها:
التطرف في فهم الدين والعمل به:

وهو الغلو والتنطع الذي حذرنا منه الشرع.

التطرف في التعامل مع الناس:

وهو تضييق واسع الرحمة والتعامل بخشونة وجفاء.

التطرف في طلب الدنيا:

وهو الانغماس فيها والتهافت عليها، أو تركها بالكلية والانعزال عن عمارتها.

. التطرف في الحكم على الآخرين:


وهو التسرع في التكفير والتفسيق، واستباحة الدماء والأعراض.

أولًا: التطرف في فهم الدين والعمل به


لقد حذرنا الله تعالى في كتابه الكريم من الغلو
فقال:"يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ". وحذرنا النبي صلى الله عليه وسلم أشد التحذير فقال: "إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ". وجاء في الحديث الصحيح: "هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ" قالها ثلاثًا، والمتنطعون هم المتعمقون المغالون المجاوزون للحد.
وتأملوا في الموقف العملي الوسط من النبي صلى الله عليه وسلم
حين جاءه ثلاثة رهط يسألون عن عبادته، فلما أخبروا كأنهم تقالوها "استقلوها"
فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال الآخر: أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الثالث: أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا.
فجاءهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَاللهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي". فهذا هو النهج: عبادة من غير إرهاق، وزهد من غير رهبانية.

ثانيًا: التطرف في التعامل مع الناس

إن من صور التطرف المؤذية،التعامل بخشونة وجفاء وتضييق على الناس، مع أن الإسلام دين رحمة ولين.
فهذا أعرابي حديث عهد بالإسلام قال: "اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا"، فانظروا إلى رد النبي صلى الله عليه وسلم المتسامح الواسع الأفق: "لَقَدْ حَجَرْتَ وَاسِعًا" أي ضيقت ما وسعه الله من رحمته. وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا".
ثالثًا: التطرف في طلب الدنيا

وهنا نعود إلى قصة عبدالرحمن بن عوف،فهو النموذج المضاد للتطرف في طلب الدنيا. فلم يرفض الدنيا رفضًا متطرفًا، ولم يغرق فيها ويجعلها همه الأوحد. بل سلك المنهج الوسط: كسب حلال، وعمل صالح، وإنفاق في سبيل الله.

لقد جمع المال ولكن لم يجمع قلبه، بل جعله أداة للخير، فأعتق العبيد، ووصل أرحامه، وأنفق في الجهاد. وهكذا يكون المسلم: يعمل لدنياه كأنه يعيش أبدًا، ويعمل لآخرته كأنه يموت غدًا.
رابعًا: التطرف في الحكم على الآخرين

وهذا أخطر أنواع التطرف عاقبة،حين يتجرأ إنسان فيحكم على إخوانه المسلمين بالكفر أو يستبيح دماءهم وأعراضهم.
لقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك أشد التحذير، فقال: "مَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ؛ فَلَيْسَ مِنِّي، وَلَسْتُ مِنْهُ". وهذا الفهم المتطرف المنحرف هو الذي أدى عبر التاريخ إلى سفك الدماء وتفريق الكلمة، وهو مما نعوذ بالله منه.
فاتقوا الله عباد الله، وتمسكوا بوسطية هذا الدين، واهجروا الغلو في كل شيء. "إِنَّ هَذَا الدِّينَ يَسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا".
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
---
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا.
أما بعد،
عباد الله، إن علاج داء التطرف يكون بالتمسك الحقيقي بالوسطية التي جاء بها الإسلام، والتي تجلت في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.
تأملوا في قول الله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}.
فالوسطية هي العدل والخيار، وهي التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط في كل شيء.
وكان السلف الصالح رضوان الله عليهم حريصين على هذا النهج.
يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "إِيَّاكُمْ وَالتَّنَطُّعَ وَالتَّعَمُّقَ وَالْبِدَعَ! وَعَلَيْكُمْ بِالْعَتِيقِ" أي بما كان عليه السلف الصالح من السهولة والسماحة.
وكان التابعي الجليل الإمام الشعبي، وهو من كبار العلماء، يسخر من الأسئلة المتطرفة التي تتعلق بتوافه الأمور وتغفل عن الجوهر.
فحين سُئل عن "دم البراغيث" ردّ بتأديب وتعليم، منبهًا إلى أن الانشغال بهذه التفاهات مع إهمال الكبائر من التطرف في الفكر والمنهج.
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وخير القرون قرنه، ثم الذين يلونهم.
فاقتدوا بهدي النبي صلى الله عليه وسلم وسماحته، واقتدوا بصحابته في فهمهم المتوازن للدين.
تزودوا من العلم الشرعي الصحيح من منابعه المعتمدة. احذروا من قرناء السوء ودعاة الغلو والتنطع، واصحبوا أهل الاعتدال والتقوى. واسألوا الله الهداية إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا. وارزقنا الوسطية والاعتدال في كل أمورنا.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.


google-playkhamsatmostaqltradent