recent
أخبار عاجلة

حكم سدل اليدين في الصلاة عند المالكية الشيخ عبدالناصربليح

حكم سدل اليدين في الصلاة عند المالكية

 


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله،  أما بعد:

 عند المالكية، هناك اختلاف في حكم سدل اليدين (إرسالهما) في الصلاة، وسدل اليدين في الصلاة :سدل اليدين أي إرسالهما لجنبه..وقد اختلف الرواة عن مالك في وضع اليمنى على اليسرى، فروى أشهب عن مالك أنه قال: لا بأس بذلك في النافلة والفريضة، وروى مطرف وابن الماجشون عن مالك أنه استحسنه. وروى العراقيون من أصحابنا عن مالك في ذلك روايتين:

إحداهما الاستحسان، والثانية المنع.

وروى ابن القاسم عن مالك: لا بأس بذلك في النافلة وكرهه في الفريضة

فبعضهم كرهه ورجح القبض (وضع اليمين على اليسرى)، وبعضهم رخص به خاصة للنافلة، وبعضهم أجازه في الفريضة، ورواية عن مالك تنص على كراهته، لكن هناك من المالكية من أفتى بجوازه وأنه لا يبطل الصلاة، ويُرى أن القبض هو الأرجح من حيث الأدلة عند جمهور الفقهاء.

.

السّادة " المالكية " و رأيهم حول سنية " السدل  و عدم ضم اليدين "

الأصل في الصلاة هو " السدل " الثابت بالسنة والإجماع معا، لأنّ " السدل " هو عدم الفعل باعتباره هو الهيئة الطبيعية، وما جاء على أصله لا يسأل عنه كالسدل.

أما قول الصحابي: " كنا نؤمر بوضع اليمنى على اليسرى " دليل على أنّهم كانوا على الأصل من الإرسال، ثمّ أمروا بالوضع، ثمّ نسخ ذلك.

ثم إن الذين قالوا بالسدل أسيادنا:

أبي بكر الصديق، معاذ بن جبل، عبد الله بن الزبير، عبد الله بن الحسن، سعيد بن جبير، عطاء، ابن جريح، إبراهيم النّخعي، الحسن البصري، سعيد بن المسيب، ابن سيرين، محمد الباقر، اللّيث بن سعد، الشافعي، الثوري، هشيم، مغيرة، مجاهد، عمرو بن دينار...إلخ... - رضوان الله عليهم جميعا -

.

 يقول  الإمام الأوزاعي: " إنّما أمروا بالاعتماد إشفاقا عليهم لأنّهم كانوا يطيلون القيام "

جاء في كتاب:   التاريخ الكبير   لابن أبي خثيمة ص: 297، من المجلد: الثاني: أنّ   الإمام " مالك " روى حديث السدل عن 


 " عبد الله بن الحسن بن سيّدنا علي بن أبي طالب " بن سيّدتنا " فاطمة الزهراء " عن سيّدنا رسول الله    - صلى الله عليه و سلم - و لم يكن أحد من أهل المدينة يقبض بل كلّهم يسدلون
.

كما أخرج الحافظ العراقي في كتابه: < البدور الملتمعة في أدلة الأئمة الأربعة > فيما نقله عن كتاب: < منهاج الواردين في التفقه و الدين > قال: روى " الأوزاعي " عن " عبد الله بن مسعود " رضي الله عنه قال: " ترك رسول الله - صلى الله عليه و سلّم - القبض في صلاة الفريضة قبل أن يفارق الدنيا ستة وثلاثين يوما و سدل يده في صلاة الفريضة "

و آخر فعله - صلى الله عليه و سلم - ينسخ أوله، و الله أعلم

تفاصيل الموقف عند المالكية:

كراهة السدل: روى ابن القاسم عن مالك كراهية وضع اليدين على بعضهما في الصلاة، ونص الموطأ على كراهة السدل.

فقد اختلفت الرواية عن مالك -رحمه الله- في وضع اليدين اليمنى على اليسرى في الصلاة وإرسالهما، فروى ابن القاسم كراهته، وروي عنه أشهب أنه قال: لا بأس به في النافلة والفريضة. وكذا قال أصحاب مالك المدنيون، وروى مطرف وابن الماجشون أن مالكاً استحسنه. وهذا هو الذي ذكره مالك -رحمه الله- في الموطأ: فقد روى عن سهل بن سعد أنه قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذارعه اليسرى في الصلاة، قال أبو حازم: لا أعلم إلا أنه ينمي ذلك. والحديث رواه البخاري وغيره.

 

وقد نقلت هذه السنة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في غير ما حديث، ومن ذلك ما رواه مسلم عن وائل بن حجر أنه: رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر -وصف همام (أحد رواة الحديث)- حيال أذنيه، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يديه اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما، ثم كبر فركع، فلما قال سمع الله لمن حمده، رفع يديه، فلما سجد سجد بين كفيه

الجواز: روى أشهب عن مالك أنه لا بأس بالسدل في النافلة والفريضة.

اختلاف الروايات: هناك روايات متعددة عن مالك، وبعض العلماء المالكية ألفوا كتباً في ترجيح القبض على السدل، بينما أجاز آخرون السدل في الصلاة، ورأوا أنه لا يبطلها.

الراجح عند الجمهور: يرى جمهور الفقهاء أن القبض (وضع اليمين على اليسرى) هو السنة، وأن السدل جائز عند الحاجة (كالبرد والحر)، ويرجح القبض على السدل عموماً.

خلاصة الحكم:

السدل ليس مذهب المالكية الوحيد، بل هناك خلاف داخلي بينهم.

القبض هو الأرجح عند جمهور المسلمين استناداً للسنة النبوية، لكن السدل لا يفسد الصلاة عند المالكية ولا يبطلها.

 

قال ابن عبد البر في التمهيد: لم تختلف الآثار عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الباب، ولا أعلم عن أحد من الصحابة في ذلك خلافاً إلا شيئا روي عن ابن الزبير أنه كان يرسل يديه إذا صلى، وقد روي عنه خلافه مما قدمنا ذكره عنه وذلك قوله: وضع اليمين على الشمال من السنة، وعلى هذا جمهور التابعين وأكثر فقهاء المسلمين من أهل الرأي والأثر. انتهى.

 

وقال الزرقاني: قال ابن عبد البر: لم يأت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه خلاف، وهو قول جمهور الصحابة والتابعين، وهو الذي ذكره مالك في الموطأ، ولم يحك ابن المنذر وغيره عن مالك غيره، وروى ابن القاسم عن مالك الإرسال وصار إليه أكثر أصحابه، وروي أيضاً عنه إباحته في النافلة لطول القيام وكرهه في الفريضة، ونقل ابن الحاجب أن ذلك حيث تمسك معتمداً لقصد الراحة. انتهى.

 

قال ابن عبد البر -رحمه الله-: ولا وجه لكراهية من كره ذلك، لأن الأشياء أصلها الإباحة، ولم ينه الله عن ذلك ولا رسوله، فلا معنى لمن كرهه، هذا لو لم يرو إباحته عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فكيف وقد ثبت عنه ما ذكرنا، وكذلك لا وجه لتفرقة من فرق بين النافلة والفريضة، ولو قال قائل إن ذلك في الفريضة دون النافلة، لأن أكثر ما كان يتنفل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بيته ليلاً، ولو فعل ذلك في بيته لنقل ذلك عنه أزواجه ولم يأت عنهن في ذلك شيء، ومعلوم أن الذين رووا عنه أنه كان يضع يمينه على يساره في صلاته لم يكونوا ممن يبيت عنده ولا يلج بيته، وإنما حكوا عنه ما رأوا منه في صلاتهم خلفه في الفرائض والله أعلم. انتهى

المالكية يختلفون في التفاصيل، فمنهم من يكره السدل ومنهم من يرى جوازه

 

و حكم سدل اليدين في الصلاة هو من فضائل و مندوبات الصلاة في الفرض والنفل مطلقا عند السادة المالكية وهو المشهور .

والفضائل جمع فضيلة، وهي ما يثاب فاعلها ولا يأثم تاركها ويعبر عنها بالمستحبات. والتعبير بالمندوبات أعم وأشمل. وفضائل الصلاة كثيرة. قال صاحب العزية: ومستحبات الصلاة تزيد على ثلاثين فضيلة، وأنهاها بعضهم إلى نحو الخمسين فضيلة كما في حاشية الصاوي على الدردير. أسهل المدارك «شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك» - المجلد 1 - الصفحة 215 - جامع الكتب الإسلامية

ومن المعلوم أن مندوبات الصلاة يترتب عليها أحكام شرعية خاصة

الحكم الأول :لا يترتب على السدل أو  ترك السدل  ولو عمدا بطلان الصلاة .

الحكم الثاني :لا يترتب  على السدل أو  ترك السدل سهوا سجود السهو .

الحكم الثالث :السدل من فضائل الصلاة

قال عبد الرحمان الأخضري :(وَفَضَائِلَ تَزِيدُ الصَّلاَةَ جَمَالاً، وَتَزِيدُ الْمُصَلِّيَ حُضُوراً وَتَأَدُّباً بَيْنَ يَدَيْ مَوْلَاهُ)

ملحوظة :وردت نصوص شرعية على سنية  السدل والقبض .

قال ابن عبد البر في الكافي في فقه أهل المدينة (1/ 206) (ووضع اليمنى منهما على اليسرى أو إرسالهما كل ذلك سنة في الصلاة. )إهـ

ثالثا :حكم القبض أي وضع اليمنى منهما على اليسرى في الفريضة  عند المالكية

القبض في الفريضة الأصل فيه عند المالكية الكراهة وتعتريه احكام أخرى على حسب قصد المصلي في وضع اليمنى منهما على اليسرى في الصلاة

قال الباجي في المنتقى - شرح الموطأ (1/ 388)

و(َرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ فِي النَّافِلَةِ وَكَرِهَهُ فِي الْفَرِيضَةِ)

الحالة الأولى :القابض إذا اعتقد وجوب القبض وأن صلاته باطلة إذا لم يقبض ،مكروه  ابتداء مبطل للصلاة  انتهاء ، لأن زيادة فيه ماو ليس منها

قال الباجي رحمه الله في المنتقى - شرح الموطأ (1/ 388)

(وَمَنْ حَمَلَ مَنْعَ مَالِكٍ عَلَى هَذَا الْوَضْعِ اعْتَلَّ بِذَلِكَ لِئَلَّا يَلْحَقَهُ أَهْلُ الْجَهْلِ بِأَفْعَالِ الصَّلَاةِ الْمُعْتَبَرِ فِي صِحَّتِهَا ).

الحالة الثانية :القابض إذا اعتقد وجوب القبض دون بطلان صلاته إذا لم يقبض ،مكروه  هذا التأويل للباجي وابن رشد وهو يقتضي كراهة القبض في الفرض والنفل

الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (1/ 250)

(أو خيفة اعتقاد وجوبه) هذا التأويل للباجي وابن رشد وهو يقتضي كراهة القبض في الفرض والنفل ويضعفه تفرقة الإمام في المدونة بين الفرض والنفل)

الحالة الثالثة :القابض إذا قصد بقبضه الاعتماد ، ممنوع في الفرض جائز في النفل

وهو مذهب المدونة المدونة (1/ 169)

(قال مالك: في وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة؟ قال: لا أعرف ذلك في الفريضة وكان يكرهه ولكن في النوافل إذا طال القيام فلا بأس بذلك يعين به نفسه)

 الحالة الرابعة :القابض إذا قصد بقبضه إظهار التخشع فهو مكروه ، هذا التأويل لعياض وهو يقتضي كراهة القبض في الفرض والنفل .

قال اللخمي في التبصرة للخمي (1/ 296)

(وقيل في كراهية ذلك؛ خيفة أن يظهر بجوارحه من الخشوع ما لم يضمره بقلبه ،وروي عن أبي هريرة أنه قال: أعوذ بالله من خشوع النفاق. قيل: وما خشوع النفاق ؟قال: أن يُرى الجسد خاشعًا والقلب غير خاشع (أخرجه ابن المبارك في الزهد، ص 46.).

الحالة الخامسة  :القابض إذا قصد بقبضه أن يلتزم بالسنة أي سنية القبض أي اتباعا للنبي في فعله ذلك،مشروع وجائز دون كراهة مطلقا

الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (1/ 250)

(قوله: بل استنانا) أي اتباعا للنبي في فعله ذلك (قوله: أو خيفة اعتقاد وجوبه) هذا التأويل للباجي وابن رشد وهو يقتضي كراهة القبض في الفرض والنفل

ملحوظة: الحالات الأربع هي الأخذ بالأحوط

والحالة الخامسة مع انتفــى مــا يخشــى منــه انتفت  الكراهة .

قال القاضي عبد الوهاب في الإشراف على نكت مسائل الخلاف (1/ 241)

[وضع اليمنى على اليسرى] [233] مسألة: في وضع اليمنى على اليسرى روايتان: إحداهما: الاستحباب والأخرى: الإباحة، وأما الكراهة ففي غير موضع الخلاف، وهي إذا قصد بها الاعتماد والاتكاء فوجه الاستحباب قوله عليه السلام: (ثلاث من أخلاق النبوة فذكر وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة). وقيل في تأويل قوله عز وجل: {فصل لربك وانحر} في الصلاة وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة. ولأنه أزيد وأدخل في الخشوع ووقار الصلاة. ووجه نفيه: كفوا أيديكم في الصلاة، ولأنه عليه السلام علم الأعرابي الصلاة مفروضها وسنتها ولم يذكر ذلك فيها، والأول أظهر.

والله سبحانه وتعالى اعلم

ــــــــــــــــــــ

المراجع انظر:المراجع أنظر :1/أسهل المدارك «شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك» - المجلد 1 - الصفحة 215 - جامع الكتب الإسلامية

2/الكافي في فقه أهل المدينة (1/ 206)

3/المدونة المدونة (1/ 169)

4/التبصرة للخمي (1/ 296)

5/الدرر المقتطفة من كتاب تقييد الدليل لمسائل المرشد المعين ص 4 ـ 5 ـ6

6/الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (1/ 250)

7/الإشراف على نكت مسائل الخلاف (1/ 241)

8/البيان والتحصيل (1/ 394)

google-playkhamsatmostaqltradent