قِيْمَةُ الْوَقْتِ فِي حَيَاةِ الْإِنْسَانِ
الْوَقْتُ هُوَ رَأْسُ مَالِ الْمُسْلِمِ!!!
أَسْبَابُ ضَيَاعِ الْوَقْتِ .
وَأَخِيرًا: الحَذَرَ الحَذَرَ مِنَ الغَشِّ عِبَادَ اللَّـهِ!!
الْـحَمْدُ لِلَّهِ الْقَائِلِ فِي
مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ:"فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً
وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ" (الأَعْرَافُ: 34)، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا
اللَّهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ
وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِنْ خَلْقِهِ وَخَلِيلُهُ، الْقَائِلُ كَمَا فِي
حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا –:"إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا
تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ
مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ" (الْبُخَارِيُّ) فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَزِدْ وَبَارِكْ عَلَى النَّبِيِّ
الْمُخْتَارِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْأَطْهَارِ الْأَخْيَارِ، وَسَلِّمْ
تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ
الْـحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ
بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: ((قِيْمَةُ
الْوَقْتِ فِي حَيَاةِ الْإِنْسَانِ ((بَلْ إِنْ شِئْتَ فَقُلِ: الوَقْتُ هُوَ
الْـحَيَاةُ، عُنْوَانُ وِزَارَتِنَا، وَعُنْوَانُ خُطْبَتِنَا
أَيُّهَا السَّادَةُ: بَدَايَةً، مَا
أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ إِلَى أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا
عَنْ قِيْمَةِ الْوَقْتِ فِي حَيَاةِ الْإِنْسَانِ، وَخَاصَّةً وَنَحْنُ نُضَيِّعُ
الأَوْقَاتِ بِالسَّاعَاتِ أَمَامَ الْهَوَاتِفِ الذَّكِيَّةِ، وَالأَفْلَامِ،
وَالْمُبَارَيَاتِ، وَمَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ، بَعِيدِينَ عَنْ
كِتَابِ رَبِّنَا، وَسُنَّةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
وَخَاصَّةً وَأَنَّ الْوَقْتَ هُوَ الْحَيَاةُ، وَأَنَّ الْوَقْتَ أَغْلَى مِنَ
الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَأَغْلَى مِنْ جَمِيعِ الأَمْوَالِ، فَإِنَّ الْمَالَ
إِذَا فُقِدَ يُمْكِنُ أَنْ يُعَوَّضَ، أَمَّا الْوَقْتُ إِذَا فُقِدَ فَلَا
يُمْكِنُ أَنْ يُعَوَّضَ. وَخَاصَّةً وبُيُوتُنَا صَارَتْ فِي خَطَرٍ عَظِيمٍ
بِسَبَبِ هَذِهِ الْوَسَائِلِ، وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ، لَقَدْ
صَارَ التَّوَاصُلُ الْمُحَرَّمُ عِوَضًا عَنِ التَّوَاصُلِ الْمَشْرُوعِ، لَقَدْ
صَارَ التَّوَاصُلُ الَّذِي يُدَمِّرُ وَلَا يُعَمِّرُ، دُمِّرَتِ الْبُيُوتُ،
وَطُلِّقَتِ النِّسَاءُ، وَضَاعَ الأَطْفَالُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا
بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. قُولُوا لِكُلِّ مَنْ أَسَاءَ اسْتِعْمَالَ هَذِهِ
النِّعْمَةِ، فَكَانَ سَبَبًا فِي انْحِرَافِ النِّسَاءِ، وَسَبَبًا فِي
الطَّلَاقِ، وَسَبَبًا فِي إِفْسَادِ الْحَيَاةِ وَالْحَيَاءِ، وَسَبَبًا فِي
انْحِرَافِ الرِّجَالِ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْ بُيُوتِهِمْ، وَعَمَّا أَحَلَّ اللهُ
تَعَالَى لَهُمْ. تَذَكَّرْ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا
الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ
وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾. تَذَكَّرْ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ
وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾. تَذَكَّرْ
قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا
وَشَفَتَيْنِ﴾ وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ:
دَقَّاتُ قَلْبِ الْمَرْءِ قَائِلَةٌ
لَهُ *****إِنَّ الْحَيَاةَ دَقَائِقٌ وَثَوَانِ
فَارْفَعْ لِنَفْسِكَ بَعْدَ مَوْتِكَ
ذِكْرَهَا***** فَالذِّكْرُ لِلْإِنْسَانِ عُمْرٌ ثَانِ
أَوَّلًا: الوَقْتُ هُوَ رَأْسُ مَالِ
المُسْلِمِ!!!
أَيُّهَا السَّادَةُ: الوَقْتُ هُوَ
الحَيَاةُ، والوَقْتُ هُوَ رَأْسُ مَالِ المُسْلِمِ، فَالعَاقِلُ هُوَ الَّذِي
يَعْرِفُ قَدْرَ وَقْتِهِ، وَشَرَفَ زَمَانِهِ، فَلَا يُضَيِّعُ سَاعَةً وَاحِدَةً
مِنْ عُمْرِهِ إِلَّا فِي خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. فَالوَقْتُ مِنْ
أَعْظَمِ نِعَمِ اللهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ
وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾
(الفُرْقَان: 62) بَلْ لِعِظَمِ الوَقْتِ أَقْسَمَ اللهُ بِهِ فِي القُرْآنِ
مِرَارًا وَتِكْرَارًا، فَقَالَ رَبُّنَا: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى *
وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾ (اللَّيْل: 1-2) وَقَالَ رَبُّنَا: ﴿وَالْفَجْرِ *
وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – قَالَ:
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ
فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ” (رَوَاهُ الْبُخَارِي)
لِذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “اغْتَنِمْ خَمْسًا
قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ،
وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ
مَوْتِكَ” (رَوَاهُ الْحَاكِم) فَالوَقْتُ مِنْ أَجَلِّ النِّعَمِ الَّتِي
أَنْعَمَ اللهُ بِهَا عَلَى الإِنسَانِ، وَالَّتِي سَيُسْأَلُ عَنْهَا بَيْنَ
يَدَيِ الكَبِيرِ المُتَعَالِ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ –
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ المُخْتَارُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: “لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ
أَرْبَعٍ: عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ،
وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ
مَاذَا عَمِلَ فِيهِ؟” (رَوَاهُ التِّرْمِذِي) فَوَظِّفْ أَنْفَاسَكَ فِي طَاعَةِ مَوْلَاكَ،
وَجَاهِدْ نَفْسَكَ وَهَوَاكَ، وَابْتَعِدْ عَنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ،
وَاسْمَعْ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – وَهُوَ يَقُولُ: “مَا
نَدِمْتُ عَلَى شَيْءٍ نَدَمِي عَلَى يَوْمٍ غَرَبَتْ شَمْسُهُ، اقْتَرَبَ فِيهِ
أَجَلِي، وَلَمْ يَزْدَدْ فِيهِ عَمَلِي))وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ:
إِذَا مَرَّ بِي يَوْمٌ وَلَمْ
أَسْتَفِدْ هُدًى*** وَلَمْ أَكْتَسِبْ عِلْمًا فَمَا ذَاكَ مِنْ عُمْرِي
بَلْ يَقُولُ عَلِيٌّ بْنُ أَبِي
طَالِبٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ –: “مَنْ أَمْضَى يَوْمَهُ فِي غَيْرِ حَقٍّ
قَضَاهُ، أَوْ فَرْضٍ أَدَّاهُ، أَوْ مَجْدٍ أَثَّلَهُ، أَوْ حَمْدٍ حَصَّلَهُ،
أَوْ خَيْرٍ أَسَّسَهُ، أَوْ عِلْمٍ اقْتَبَسَهُ، فَقَدْ عَقَّ يَوْمَهُ وَظَلَمَ
نَفْسَهُ”. سَلِّمْ يَا رَبُّ سَلِّمْ!!! كَمْ مِنْ يَوْمٍ يَمُرُّ؟! بَلْ كَمْ
مِنْ شُهُورٍ مَرَّتْ عَلَيْنَا؟! بَلْ كَمْ مِنْ سِنِينَ مَرَّتْ عَلَيْنَا؟!
وَلَمْ نَقْتَبِسْ عِلْمًا، وَلَمْ نَقْتَبِسْ هُدًى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ
إِلَّا بِاللَّهِ. بَلْ مِنْ أَهَمِّ خَصَائِصِ الوَقْتِ: أَنَّهُ يَمُرُّ مَرَّ
السَّحَابِ، وَيَجْرِي جَرْيَ الرِّيَاحِ، فَالأَيَّامُ تَمُرُّ، وَالأَشْهُرُ
تَجْرِي وَرَاءَهَا، تَسْحَبُ مَعَهَا السِّنِينَ، وَتَمُرُّ خَلْفَهَا
الأَعْمَارُ، وَتُطْوَى حَيَاةُ جِيلٍ بَعْدَ جِيلٍ، ثُمَّ بَعْدَهَا يَقِفُ
الجَمِيعُ بَيْنَ يَدَيِ الكَبِيرِ المُتَعَالِ، وَسَيَعْلَمُ الخَاسِرُونَ
الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ، وَضَيَّعُوا أَوْقَاتَهُمْ وَأَعْمَارَهُمْ،
وَكَأَنَّهُمْ مَا لَبِثُوا فِي هذِهِ الدُّنْيَا إِلَّا سَاعَةً! قَالَ رَبُّنَا:
﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ *
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا
تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْـحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ * وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا
بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ
الْكَافِرُونَ * وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾
(سورةُ المُؤْمِنُونَ) بَلْ مِنْ أَهَمِّ خَصَائِصِ الوَقْتِ: أَنَّهُ إِذَا مَضَى
لَا يَعُودُ أَبَدًا. كَمَا قَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ – رَحِمَهُ اللهُ –: “مَا
مِنْ يَوْمٍ يَنْشَقُّ فَجْرُهُ إِلَّا وَهُوَ يُنَادِي بِلِسَانِ الحَالِ: يَا
ابْنَ آدَمَ، أَنَا خَلْقٌ جَدِيدٌ، وَعَلَى عَمَلِكَ شَهِيدٌ، فَاغْتَنِمْنِي،
فَإِنِّي لَا أَعُودُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ”. سَلِّمْ يَا رَبِّ سَلِّمْ!!!
لِذَا قَالَ ابْنُ القَيِّمِ – رَحِمَهُ اللهُ –: “إِضَاعَةُ الوَقْتِ أَشَدُّ
مِنَ المَوْتِ؛ لِأَنَّ إِضَاعَةَ الوَقْتِ تَقْطَعُكَ عَنِ اللهِ وَالدَّارِ
الآخِرَةِ، وَالمَوْتُ يَقْطَعُكَ عَنِ الدُّنْيَا وَأَهْلِهَا”. كَمْ مِنَ
السَّاعَاتِ أَضَعْنَاهَا؟! وَكَمْ مِنْ شُهُورٍ أَضَعْنَاهَا؟! نَجْلِسُ
بِالسَّاعَاتِ أَمَامَ الأَفْلَامِ الدَّاعِرَةِ، وَالمُسَلْسَلَاتِ الهَابِطَةِ،
وَالمُصَارَعَةِ المُخْزِيَةِ، وَالبَرَامِجِ الهَدَّامَةِ، وَإِذَا دَعَاكَ
المَلِكُ لِسَمَاعِ خُطْبَةٍ، أَوْ لِلصَّلَاةِ، وَأَطَالَ الإِمَامُ، تَغْضَبُ،
فَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ تَغْضَبُ يَا مِسْكِينُ؟! لِفَوْتِ سَاعَةٍ فِي ذِكْرِ
اللهِ؟ وَلَا تَغْضَبُ لِضَيَاعِ السَّاعَاتِ فِيمَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ؟! يَا
ابْنَ آدَمَ، أَنَا خَلْقٌ جَدِيدٌ، وَعَلَى عَمَلِكَ شَهِيدٌ، فَاغْتَنِمْنِي،
فَإِنِّي لَا أَعُودُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ. **هَذَا هُوَ يَوْمُكَ
يُنَادِيكَ، فَوَظِّفْ أَنْفَاسَكَ فِي طَاعَةِ مَوْلَاكَ، وَجَاهِدْ نَفْسَكَ
وَهَوَاكَ، وَابْتَعِدْ عَنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ
لَا يَنْفَعُ فِيهِ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)).
أَيُّهَا السَّادَةُ: إِنَّ الْعُمْرَ
الْحَقِيقِيَّ لِلْإِنْسَانِ لَا يُقَاسُ بِالسَّنَوَاتِ، إِنَّمَا يُقَاسُ
بِالْأَعْمَالِ وَالطَّاعَاتِ، لَا يُقَاسُ بِالسَّنَوَاتِ. انْظُرْ إِلَى نَبِيِّ
اللهِ نُوحٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- كَمْ عَاشَ؟ وَمَا مُدَّةُ دَعْوَتِهِ؟ قَضَى
أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ، وَمَعَ
ذَلِكَ: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾. وَانْظُرُوا إِلَى عُمْرِ
الْمُصْطَفَى مُحَمَّدٍ ﷺ، كَمْ عَاشَ؟ وَكَمْ عَدَدُ سَنَوَاتِ دَعْوَتِهِ؟
تَزِيدُ عَنِ الْعِشْرِينَ قَلِيلًا جِدًّا، وَمَعَ ذَلِكَ قَدَّرَ اللهُ لَهُ فِي
هَذَا الْعُمْرِ الْقَلِيلِ أَنْ يُقِيمَ لِلْإِسْلَامِ دَوْلَةً مِنْ فُتَاتٍ
مُتَنَاثِرٍ. بَلْ هَذَا هُوَ صِدِّيقُ الْأُمَّةِ الْأَكْبَرُ، فِي مُدَّةِ
وِلَايَتِهِ الَّتِي لَا تَزِيدُ عَلَى سَنَتَيْنِ وَنِصْفٍ، حَوَّلَ الْمِحَنَ
الَّتِي أَصَابَتِ الْأُمَّةَ إِلَى مَنَحٍ. فِي سَنَتَيْنِ وَنِصْفٍ: قَضَى عَلَى
فِتْنَةِ الرِّدَّةِ! فِي سَنَتَيْنِ وَنِصْفٍ: أَنْفَذَ بَعْثَ أُسَامَةَ!! فِي
سَنَتَيْنِ وَنِصْفٍ: جَمَعَ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ، وَرَدَّ الْأُمَّةَ إِلَى
مَنْهَجِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ!! وَهَذَا فَارُوقُ الْأُمَّةِ: عُمَرُ -رَضِيَ
اللهُ عَنْهُ-، فِي عَشْرِ سَنَوَاتٍ وَسِتَّةِ أَشْهُرٍ، هَذِهِ الْفَتْرَةُ
الْقَلِيلَةُ الَّتِي لَا تُسَاوِي فِي حِسَابِ الزَّمَنِ شَيْئًا، وَمَعَ ذَلِكَ:
رُفِعَتْ رَايَةُ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ فِي عَهْدِهِ.
وَهَذَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ -شَابٌّ مِنْ شَبَابِ الْأُمَّةِ- أَعْلَمُ
الْأُمَّةِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، أَتَدْرُونَ كَمْ عَاشَ مُعَاذٌ؟ أَسْلَمَ
فِي الثَّامِنَةِ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِهِ، وَتُوُفِّيَ فِي الثَّالِثَةِ
وَالثَّلَاثِينَ مِنْ عُمُرِهِ. اللهُ أَكْبَرُ! قَالَ لَهُ النَّبِيُّ
الْمُخْتَارُ ﷺ: “يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي
لَأُحِبُّكَ، فَقَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ، لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ
صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ
عِبَادَتِكَ” (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ). فَالْعُمْرُ لَا يُقَاسُ بِالسَّنَوَاتِ،
وَإِنَّمَا يُقَاسُ بِالطَّاعَاتِ. فَسَلْ نَفْسَكَ: مَاذَا قَدَّمْتَ مِنْ
طَاعَاتٍ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ سَلْ نَفْسَكَ قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ!
فَمِنَّا مَنْ بَلَغَ السِّتِّينَ، وَالْخَمْسِينَ، وَالْأَرْبَعِينَ،
وَالثَّلَاثِينَ، وَلَمْ يُقَدِّمْ عَمَلًا صَالِحًا يَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى
اللهِ. فَأَفِقْ مِنْ غَفْلَتِكَ، وَانْتَهِزِ الْفُرْصَةَ، وَاسْتَثْمِرْ
وَقْتَكَ بِعَمَلِ الْخَيْرَاتِ وَالطَّاعَاتِ. بَدَلًا مِنْ أَنْ تَجْلِسَ
بِالسَّاعَاتِ أَمَامَ الْأَفْلَامِ، وَالْمُسَلْسَلَاتِ، وَالْمُصَارَعَةِ،
وَالْمُبَارَيَاتِ، اجْلِسْ كَيْ تَقْرَأَ جُزْءًا مِنَ الْقُرْآنِ. اجْلِسْ مَعَ
أَوْلَادِكَ تُعَلِّمُهُمْ سُنَّةَ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ. اسْتَثْمِرْ وَقْتَكَ
فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ. اسْتَثْمِرْ وَقْتَكَ فِي الْإِصْلَاحِ بَيْنَ
النَّاسِ. اسْتَثْمِرْ وَقْتَكَ فِي الْإِكْثَارِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَمِنَ
التَّسْلِيمِ عَلَى سَيِّدِ الْأَنَامِ. اسْتَثْمِرْ وَقْتَكَ فِي كُلِّ طَاعَةٍ
تُقَرِّبُكَ مِنْ مَوْلَاكَ. وَقُلْ: يَا نَفْسُ إِنَّ الْعُمْرَ هُوَ بِضَاعَتِي
… إِذَا ضَاعَ عُمْرِي ضَاعَ رَأْسُ مَالِي، وَلَا أَرْبَحُ أَبَدًا يَا نَفْسُ
قَدْ أَزِفَ الرَّحِيلُ … وَأَظَلَّكِ الْخَطْبُ الْجَلِيلُ
فَتَأَهَّبِي يَا نَفْسُ لَا … يَلْعَبْ
بِكِ الْأَمَلُ الطَّوِيلُ
فَلَتَنْزِلِنَّ بِمَنْزِلٍ … يُنْسَى
الْخَلِيلُ بِهِ الْخَلِيلُ
وَلَيَرْكَبَنَّ عَلَيْكِ فِيهِ … مِنَ
الثَّرَى ثِقْلٌ ثَقِيلُ
قُرِنَ الْفَنَاءُ بِنَا فَمَا …
يَبْقَى الْعَزِيزُ وَلَا الذَّلِيلُ
فاِنْتَبِهْ يَا مَنْ تُضَيِّعُ أَوْقَاتَكَ،
رِسَالَةً إِلَى مَنْ يَقْتُلُونَ الوَقْتَ قَتْلًا، إِلَى مَنْ يَقْتُلُونَ
العُمْرَ قَتْلًا، إِلَى مَنْ يُضَيِّعُونَ الحَيَاةَ تَضْيِيعًا. يَا مَنْ
تُضَيِّعُ الوَقْتَ: أَنْتَ تُضَيِّعُ عُمْرَكَ، وَتُضَيِّعُ حَيَاتَكَ،
وَتَنْتَحِرُ اِنْتِحَارًا بَطِيئًا، وَأَنْتَ لَا تَدْرِي… وَاللَّهِ الَّذِي لَا
إِلَهَ إِلَّا هُوَ، سَتَنْدَمُ فِي يَوْمٍ لَا يَنْفَعُ النَّدَمُ، وَسَتَأْتِي
عَلَيْكَ سَاعَةٌ، وَسَتَعْرِفُ قَدْرَ مَا ضَيَّعْتَ مِنْ سَاعَاتٍ. اُنْظُرُوا
إِلَى حَسَّانِ بْنِ سِنَانٍ لَمَّا نَامَ عَلَى فِرَاشِ الْمَوْتِ، قَالُوا:
كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ: بِخَيْرٍ إِنْ نَجَوْتُ مِنَ النَّارِ. فَقَالُوا: مَاذَا
تَشْتَهِي؟ قَالَ: لَيْلَةً أُحْيِي مَا بَيْنَ طَرَفَيْهَا، بِمَاذَا؟
بِالْجُلُوسِ أَمَامَ المُسَلْسَلَاتِ؟ بِالْجُلُوسِ أَمَامَ الْأَفْلَامِ وَالْمُصَارَعَةِ؟
كَلَّا، أُحْيِي مَا بَيْنَ طَرَفَيْهَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
بَلْ هَذَا هُوَ عَامِرُ بْنُ قَيْسٍ لَمَّا نَامَ عَلَى فِرَاشِ الْمَوْتِ أَخَذَ
يَبْكِي، قَالُوا: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ: لَيْلَةً
نِمْتُهَا، يَا رَبِّ سَلِّمْ، وَسَاعَةً غَفَلْتُ عَنْهَا، وَيَوْمًا
أَفْطَرْتُهُ، يَا رَبِّ سَلِّمْ. فَمَا بَالُكَ وَقَدْ ضَيَّعْنَا الْأَعْمَارَ
بِالْبُعْدِ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ مَنْهَجِهِ، وَعَنْ سُنَّةِ حَبِيبِهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَالْوَقْتُ الَّذِي تَعِيشُ فِيهِ هُوَ حَيَاتُكَ،
فَإِذَا عَمَرْتَهُ عَمَرْتَ حَيَاتَكَ، وَإِذَا أَهْمَلْتَهُ أَهْمَلْتَ
حَيَاتَكَ. يَقُولُ ابْنُ القَيِّمِ: السَّنَةُ شَجَرَةٌ، وَالشُّهُورُ
فُرُوعُهَا، وَالأَيَّامُ أَغْصَانُهَا، وَالسَّاعَاتُ أَوْرَاقُهَا،
وَالأَنْفَاسُ ثَمَرُهَا، فَمَنْ كَانَتْ أَنْفَاسُهُ فِي طَاعَةٍ فَثَمَرَتُهُ
طَيِّبَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ أَنْفَاسُهُ فِي مَعْصِيَةٍ فَثَمَرَتُهُ حَنْظَلٌ،
فَأَيُّ الثِّمَارِ تُرِيدُ يَا مِسْكِينُ؟ وَقَالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ
لِرَجُلٍ: “كَمْ عُمْرُكَ؟” فَقَالَ الرَّجُلُ: سِتُّونَ سَنَةً، فَقَالَ
الفُضَيْلُ: “إِذًا أَنْتَ مُنْذُ سِتِّينَ سَنَةً تَسِيرُ إِلَى اللَّهِ، تُوشِكُ
أَنْ تَصِلَ”، فَقَالَ الرَّجُلُ: “إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ”،
فَقَالَ الفُضَيْلُ: “يَا أَخِي، هَلْ عَرَفْتَ مَعْنَاهَا؟” قَالَ: “نَعَمْ، عَرَفْتُ
أَنِّي لِلَّهِ عَبْدٌ، وَأَنِّي إِلَيْهِ رَاجِعٌ”، فَقَالَ الفُضَيْلُ: “يَا
أَخِي، مَنْ عَرَفَ أَنَّهُ لِلَّهِ عَبْدٌ، وَأَنَّهُ إِلَيْهِ رَاجِعٌ، عَرَفَ
أَنَّهُ مَوْقُوفٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمَنْ عَرَفَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَرَفَ
أَنَّهُ مَسْؤُولٌ، وَمَنْ عَرَفَ أَنَّهُ مَسْؤُولٌ فَلْيُعِدَّ لِلسُّؤَالِ
جَوَابًا”، فَبَكَى الرَّجُلُ، فَقَالَ: “يَا فُضَيْلُ، وَمَا الحِيلَةُ؟” قَالَ
الفُضَيْلُ: “يَسِيرَةٌ”، قَالَ الرَّجُلُ: “وَمَا هِيَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟”
قَالَ: “أَنْ تَتَّقِيَ اللَّهَ فِيمَا بَقِيَ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ مَا قَدْ
مَضَى وَمَا قَدْ بَقِيَ”. فَاعْرِفْ قَدْرَ وَقْتِكَ، وَشَرَفَ زَمَانِكَ،
وَحَقِيقَةَ عُمْرِكَ، وَحَقِيقَةَ سَاعَاتِ أَيَّامِكَ، فَعُدْ اللَّيْلَةَ إِلَى
اللَّهِ قَبْلَ فَوَاتِ الْأَعْمَارِ، وَاسْمَعْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ
وَهُوَ يُنَادِي: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ
لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا
إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزُّمَر: ٥٣]. فَاتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا
كُنْتَ، وَرَاقِبْ رَبَّكَ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ
عَلَيْكَ، وَيَرَاكَ. والوقتُ أنفَسُ ما عُنيتَ بِحِفْظِهِ = وَأَرَاهُ أَسْهَلُ
مَا عَلَيْكَ يضيعُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ
الْعَظِيمِ.
ثَانِيــــًا: أَسْبَابُ ضَيَاعِ
الْوَقْتِ
أَيُّهَا السَّادَةُ: هُنَاكَ
أَسْبَابٌ كَثِيرَةٌ تُؤَدِّي إِلَى ضَيَاعِ الْوَقْتِ، مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ
الْمِثَالِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْحَصْرِ: أَوَّلُهَا: مَوَاقِعُ التَّوَاصُلِ
الِاجْتِمَاعِيِّ، بَلْ إِنْ شِئْتَ فَقُلْ: مَوَاقِعُ الِانْفِصَالِ الِاجْتِمَاعِيِّ،
تَكُونُ مُضْيَعَةً لِلْوَقْتِ إِذَا لَمْ يُتَمَّ اسْتِخْدَامُهَا بِحِكْمَةٍ.
يُمْكِنُ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى إِدْمَانِ التَّصَفُّحِ وَتَشْتِيتِ الِانْتِبَاهِ،
وَتَضْيِيعِ الْوَقْتِ فِي أَنْشِطَةٍ غَيْرِ مُنْتِجَةٍ .
فَمَوَاقِعُ التَّوَاصُلِ
الِاجْتِمَاعِيِّ بِحَدِّ ذَاتِهَا نِعْمَةٌ، وَلَكِنَّهَا وَبِكُلِّ أَسَفٍ
انْقَلَبَتْ إِلَى نِقْمَةٍ عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ، حَيْثُ سَهَّلَتْ
عَلَيْهِمْ مَعْصِيَةَ اللهِ تَعَالَى، بِسَبَبِ الْغَفْلَةِ عَنْهُ تَبَارَكَ
وَتَعَالَى، حَتَّى صَارَتْ سَبَبًا فِي انْهِيَارِ الْبُيُوتِ، وَمِنْ خِلَالِهَا
فَاحَتْ رَوَائِحُ الْفَضَائِحِ، وَهُتِكَتِ الْأَعْرَاضُ، وَاخْتُرِقَتِ
الْحُرُمَاتُ، وَتَحَوَّلَتْ أَجْهِزَةُ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ إِلَى
نِقْمَةٍ، وَأَيِّ نِقْمَةٍ! بَلْ لَقَدْ صَارَتْ وَسَائِلُ التَّوَاصُلِ
الِاجْتِمَاعِيِّ سَبَبًا لِانْشِغَالِ الزَّوْجِ عَنْ زَوْجَتِهِ، وَالزَّوْجَةِ
عَنْ زَوْجِهَا، وَالْأَبْنَاءِ عَنْ آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ، وَالْإِخْوَةِ
عَنْ أَخَوَاتِهِمْ، بَلْ صَارَ كِبَارُ السِّنِّ يَشْعُرُونَ بِالْعُزْلَةِ عَنْ
فُرُوعِهِمْ وَأَقَارِبِهِمْ. يَا أَصْحَابَ هَذِهِ النِّعْمَةِ، لَا تَجْعَلُوا
اللهَ أَهْوَنَ النَّاظِرِينَ إِلَيْكُمْ، وَتَذَكَّرُوا قَوْلَ اللهِ تَعَالَى:
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. وَاسْمَعُوا حَدِيثَ
سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.: «اسْتَحْيُوا مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ».
قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ للهِ. قَالَ:
«لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ: أَنْ
تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرِ الْمَوْتَ
وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ
ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
فَلْنَحْفَظِ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، لِنَحْفَظِ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ
وَاللِّسَانَ، فَكُلُّ أُولَئِكَ سَنُسْأَلُ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ ضَيَاعِ
الْوَقْتِ: التَّسْوِيفُ: يَعْنِي الْإِكْثَارَ مِنْ قَوْلِ سَوْفَ أَفْعَلُ، سَوْفَ
أُصَلِّي، سَوْفَ أَقْضِي.. الْخَ، فَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَادِرُوا بِالْعَمَلِ هِرَمًا
نَاغِصًا، أَوْ مَوْتًا خَالِسًا، أَوْ مَرَضًا حَابِسًا، أَوْ تَسْوِيفًا
مُؤْيِسًا» [ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي قَصْرِ الْأَمَلِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي
الشَّعْبِ].وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: "إِيَّاكَ وَالتَّسْوِيفَ،
فَإِنَّكَ بِيَوْمِكَ وَلَسْتَ بِغَدِكَ". وَقَالَ: "الدُّنْيَا
ثَلاثَةُ أَيَّامٍ: أَمَّا الْأَمْسُ فَقَدْ ذَهَبَ بِمَا فِيهِ، وَأَمَّا غَدًا
فَلَعَلَّكَ لَا تَدْرِكُهُ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَكَ فَاعْمَلْ فِيهِ".
وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ ضَيَاعِ
الْوَقْتِ: العَجْزُ وَالْكَسَلُ، لِذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، يَقُولُ – كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ – مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ
مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ،
وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ، وَالْهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا
وَالْمَمَاتِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ».
بَلْ مِنْ أَهَمِّ أَسْبَابِ ضَيَاعِ
الْوَقْتِ: اتِّبَاعُ الْهَوَى، فَالْهَوَى مَلِكٌ ظَلُومٌ، غَشُومٌ، جَهُولٌ،
يَهْوِي بِصَاحِبِهِ إِلَى الشَّرِّ فِي الدُّنْيَا، وَالْهَلَاكِ فِي الْآخِرَةِ.
يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ: مَا ذَكَرَ اللهُ الْهَوَى
فِي مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ إِلَّا وَذَمَّهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتَ
مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]
بَلْ خَاطَبَ اللهُ نَبِيَّهُ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ
هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]. فَالْهَوَى يَهْوِي بِصَاحِبِهِ
إِلَى الْهَلَاكِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ
الْبَزَّارُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْحَاكِمُ – وَالْحَدِيثُ حَسَنٌ بِمَجْمُوعِ
طُرُقِهِ – مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ –: «ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ،
وَثَلَاثٌ مُنْجِيَاتٌ، أَمَّا الثَّلَاثُ الْمُهْلِكَاتُ: فَشُحٌّ مُطَاعٌ،
وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ، وَأَمَّا الثَّلَاثُ
الْمُنْجِيَاتُ: فَخَشْيَةُ اللهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَالْقَصْدُ فِي
الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَالْعَدْلُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا». تَرَى الْمُسْلِمَ
يُضَيِّعُ السَّاعَاتِ الطَّوِيلَةَ أَمَامَ الْمُسَلْسَلَاتِ وَالْأَفْلَامِ،
وَإِنْ سَأَلْتَ وَاحِدًا: مَا السَّبَبُ؟! يَقُولُ لَكَ: “أُضَيِّعُ
الْوَقْتَ”!!! وَهَلْ فِي حَيَاةِ الْمُسْلِمِ وَقْتُ فَرَاغٍ، يَا سَادَةُ؟!
وَهُوَ لَا يَدْرِي أَنَّهُ يَقْتُلُ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَجْمُوعُ
أَيَّامٍ، فَإِنِ انْقَضَى يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِهِ، اسْتَقْبَلَ بِهِ الْآخِرَةَ،
وَاسْتَدْبَرَ بِهِ الدُّنْيَا. كَمَا كَانَ لُقْمَانُ يَقُولُ لِوَلَدِهِ: “يَا
بُنَيَّ، إِنَّكَ مِنْ يَوْمِ أَنْ نَزَلْتَ إِلَى الدُّنْيَا، اسْتَدْبَرْتَ
الدُّنْيَا، وَاسْتَقْبَلْتَ الْآخِرَةَ، فَأَنْتَ إِلَى دَارٍ تُقْبِلُ عَلَيْهَا
أَقْرَبُ مِنْ دَارٍ تَبْتَعِدُ عَنْهَا)) فَالْوَقْتُ هُوَ الْحَيَاةُ،
وَالْوَقْتُ هُوَ الْعُمْرُ، فَلَا تُضَيِّعْ سَاعَةً مِنْ عُمْرِكَ إِلَّا فِي
خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ
بلْ مِنْ أَخْطَرِ أَسْبَابِ ضَيَاعِ
الْوَقْتِ طُولُ الْأَمَلِ: جَمِيلٌ أَنْ تَحْمِلَ أَمَلًا فِي قَلْبِكَ
لِتُعَمِّرَ الْكَوْنَ .. فَالْإِنْسَانُ مَفْطُورٌ عَلَى حُبِّ الْحَيَاةِ، وَلَا
يُنْكِرُ ذَلِكَ إِلَّا جَاهِلٌ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ. جَمِيلٌ أَنْ أَعِيشَ
فِي الدُّنْيَا وَأَنْ أَحْمِلَ الْأَمَلَ فِي قَلْبِي، لِأَنْ أُعَمِّرَ بَيْتًا
لِأَوْلَادِي، وَأَنْ أَصِلَ إِلَى أَعْلَى الْمَنَاصِبِ وَأَرْقَى الدَّرَجَاتِ،
وَأَنْ أُحَصِّلَ الْمَلَايِينِ مِنَ الْأَمْوَالِ مِنَ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ.
وَلَكِنْ إِيَّاكَ أَنْ يُحَوِّلَ طُولُ الْأَمَلِ بَيْنَكَ وَبَيْنَ طَاعَةِ
مَوْلَاكَ حِينَئِذٍ: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ
الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) لِذَا حَذَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ كَمَا فِي
صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: (كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ
سَبِيلٍ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ
أَنَّهُ قَالَ: “اعْمَلْ لِدُنْيَاكَ كَأَنَّكَ تَعِيشُ أَبَدًا، وَاعْمَلْ لِآخِرَتِكَ
كَأَنَّكَ تَمُوتُ غَدًا”. يُفَكِّرُ الْإِنْسَانُ أَنَّهُ سَيَخْلُدُ، أَنَّهُ
لَا يَزَالُ صَغِيرًا، لَا يَزَالُ صَحِيحًا، وَهُوَ لَا يَدْرِي كَمْ مِنْ
صَحِيحٍ مَاتَ لَا مِنْ عِلَّةٍ، وَكَمْ مِنْ مَرِيضٍ عَاشَ حِينًا مِنَ
الدَّهْرِ. وَصَدَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ يَقُولُ
كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ: “يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ
وَتَبْقَى مِنْهُ اثْنَتَانِ: الْحِرْصُ وَالْأَمَلُ” رواه أحمد. انْظُرُوا!
جَلَسَ نَفَرٌ مِنَ الصَّالِحِينَ يَتَسَاءَلُونَ وَيَتَذَاكَرُونَ حَوْلَ قَصَرِ
الْأَمَلِ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: “بَلَغَ مِنِّي قَصَرُ الْأَمَلِ أَنِّي إِذَا
رَفَعْتُ اللُّقْمَةَ إِلَى فَمِي، هَلْ أَتَمَكَّنُ مِنْ أَكْلِهَا أَمْ لَا؟”
وَقَالَ الثَّانِي مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُ، وَقَالَ الثَّالِثُ: “بَلَغَ
مِنِّي قَصَرُ الْأَمَلِ أَنِّي إِذَا خَرَجَ مِنِّي النَّفَسُ لَا أَدْرِي
أَيَعُودُ إِلَيَّ أَمْ لَا؟
يَا مَنْ بِدُنْيَاهُ اشْتَغَلْ …
وَغَرَّهُ طُولُ الْأَمَلِ
وَلَمْ يَزَلْ فِي غَفْلَةٍ … حَتَّى
دَنَا مِنْهُ الْأَجَلُ
الْمَوْتُ يَأْتِي بَغْتَةً …
وَالْقَبْرُ صُنْدُوقُ الْعَمَلِ
فَإِيَّاكَ ثُمَّ إِيَّاكَ أَنْ
يُحَوِّلَ طُولُ الْأَمَلِ بَيْنَكَ وَبَيْنَ طَاعَةِ مَوْلَاكَ، فَتَكُونَ مِنَ
الْخَاسِرِينَ.
بَلْ مِنْ أَخْطَرِ أَسْبَابِ ضَيَاعِ
الْوَقْتِ: الْغَفْلَةُ، هِيَ: أَنْ يَغْفَلَ الْإِنْسَانُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَيَغْفَلَ
عَنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ، وَبَيْنَ لَحْظَةٍ وَأُخْرَى، وَبَيْنَ عَشِيَّةٍ
وَضُحَاهَا، يَجِدُ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ فِي مَعْسَكَرِ الْأَمْوَاتِ، وَلَا
حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. قَالَ رَبُّنَا: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ
حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ . مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن
رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ . لَاهِيَةً
قُلُوبُهُمْ) (الأنبياء: 1–3) كَلِمَاتٌ تَهُزُّ الْغَافِلِينَ هَزًّا، كَلِمَاتٌ
تَهُزُّ السَّاقِطِينَ هَزًّا، كَلِمَاتٌ تَهُزُّ اللَّاعِبِينَ هَزًّا، كَلِمَاتٌ
تَهُزُّ الْعَاقِلِينَ. الْحِسَابُ يَقْتَرِبُ، وَالسَّاعَةُ تَقْتَرِبُ،
وَالْقِيَامَةُ تَقْتَرِبُ، وَالنَّاسُ فِي غَفْلَةٍ، وَالنَّاسُ مُعْرِضُونَ،
لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُمْ فِي اللَّهْوِ وَالْبَاطِلِ وَالشَّهَوَاتِ وَالْمَادِّيَّاتِ
غَارِقُونَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. بَلْ مِنْ أَخْطَرِ
أَسْبَابِ ضَيَاعِ الْوَقْتِ: الْفَرَاغُ، وَآهٍ مِنَ الْفَرَاغِ عَلَى شَبَابِنَا
وَأَخَوَاتِنَا وَعَلَى أَنْفُسِنَا!! آهٍ مِنَ الْفَرَاغِ وَخَطَرِهِ.
وَالْفَرَاغُ نِعْمَةٌ مِنْ أَجَلِّ النِّعَمِ، وَنَحْنُ لَا نَدْرِي. رَوَى
الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ قَالَ:
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ
فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ”. وَالْفَرَاغُ
ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: الْفَرَاغُ الْقَلْبِيُّ، وَالْفَرَاغُ النَّفْسِيُّ،
وَالْفَرَاغُ الْعَقْلِيُّ. الْفَرَاغُ الْقَلْبِيُّ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ
الْقَلْبُ فَارِغًا مِنَ الْإِيمَانِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا
بِاللَّهِ. وَعِلَاجُ الْفَرَاغِ الْقَلْبِيِّ: بِزِيَادَةِ الْإِيمَانِ،
فَالْإِيمَانُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، يَزِيدُ بِالطَّاعَاتِ، وَيَنْقُصُ
بِالْمَعَاصِي وَالزَّلَّاتِ. يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ـ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ ـ: “تَفَقَّدْ قَلْبَكَ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ: عِنْدَ سَمَاعِ
الْقُرْآنِ، وَفِي مَجَالِسِ الذِّكْرِ وَالْعِلْمِ، وَفِي وَقْتِ الْخَلْوَةِ
بَيْنَكَ وَبَيْنَ رَبِّكَ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ قَلْبَكَ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ
فَابْحَثْ عَنْ قَلْبِكَ، فَإِنَّهُ لَا قَلْبَ لَكَ!!” فَإِنَّ الْقَلْبَ
يَمْرَضُ وَالْإِنْسَانُ لَا يَدْرِي، وَإِنَّ الْقَلْبَ يَمُوتُ وَالْإِنْسَانُ
لَا يَدْرِي. وَالْفَرَاغُ النَّفْسِيُّ: النَّفْسُ إِنْ لَمْ تَشْغَلْهَا
بِالْحَقِّ، شَغَلَتْكَ بِالْبَاطِلِ، إِنْ لَمْ تَفْطِمْهَا بِالطَّاعَاتِ،
قَادَتْكَ إِلَى الْمَعَاصِي وَالزَّلَّاتِ. كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَالنَّفْسُ أَمَّارَةٌ: وَهِيَ الَّتِي قَالَ عَنْهَا رَبُّنَا: (إِنَّ النَّفْسَ
لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي، إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ)
إِذَا لَمْ يَجِدِ الشَّابُّ عَمَلًا يَقُومُ بِهِ، وَرَأَى نَفْسَهُ فِي فَرَاغٍ،
انْشَغَلَ بِالْمَعَاصِي، انْشَغَلَ بِالْفِتَنِ وَالشَّهَوَاتِ، انْشَغَلَ
بِالْأَفْلَامِ وَالْمُبَارَيَاتِ وَالْمَسْلَسَلَاتِ…!! وَالْفَرَاغُ
الْعَقْلِيُّ: حَيَاتُهُ دَمَارٌ، وَآخِرَتُهُ بَوَارٌ، بِدَلِيلِ تَصَايُحِ
أَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ بَيْنَ يَدَيِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، قَالَ اللهُ
-جَلَّ وَعَلَا- عَنْ هَؤُلَاءِ:﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ
مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:10]
يَا سَاهِيًا لَاهِيًا عَمَّا يُرَادُ
بِهِ … آنَ الرَّحِيلُ وَمَا قَدَّمْتَ مِنْ زَادِ
تَرْجُو الْبَقَاءَ صَحِيحًا سَالِمًا
أَبَدًا … هَيْهَاتَ أَنْتَ غَدًا فِيمَنْ غَدَا غَادِ
وَأُرْجِئُ بَقِيَّةَ الحَدِيثِ إِلَى
مَا بَعْدَ جَلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ. وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ
اللَّهَ لِي وَلَكُمْ. الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: الحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا حَمْدَ
إِلَّا لَهُ، وَبِسْمِ اللَّهِ وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا بِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ
لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا
عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. أَمَّا بَعْدُ…
ثَالِثًا وَأَخِيرًا: الحَذَرَ
الحَذَرَ مِنَ الغَشِّ عِبَادَ اللَّـهِ!!
أَيُّهَا السَّادَةُ: لَقَدْ حَدَّدَتْ
وِزَارَةُ الأَوْقَافِ فِي ظِلِّ مُبَادَرَةِ صَحِّحْ مَفَاهِيمَكَ قَضِيَّةً
مُهِمَّةً للَغَايَة أَلَّا وَهِيَ(( الْغَشُّ فِي الْامْتِحَانَاتِ)) مِن أَكثَرِ
السُّلوكِيَّاتِ السَّلْبيَّةِ انْتِشارًا فِي البِيئاتِ التَّعْلِيمِيَّةِ عَلَى
اخْتِلَافِ مَرَاحِلِهَا، وَتَكْمُنُ خَطُورَةُ هَذَا السُّلوكِ فِي كَوْنِهِ لَا
يَقْتَصِرُ عَلَى مُجَرَّدِ تَجَاوُزِ اخْتِبَارَاتٍ دِرَاسِيَّةٍ، بَل يُؤَسِّسُ
لِمَنظُومَةٍ فِكْرِيَّةٍ مَشَوَّهَةٍ تَقُومُ عَلَى الخِداعِ، وَانْتِهَاكِ
الأَمَانَةِ، وَتَفْرِيغِ التَّعْلِيمِ مِنْ جَوْهَرِهِ، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى
إِضْعَافِ البِنْيَةِ الأَخْلاقِيَّةِ وَالمَعْرِفِيَّةِ لِلْمُجْتَمَعِ.
وَخَاصَةً وَالكَثِيرُ مِنَ الطُّلَّابِ إِلّا مَا رَحِمَ اللهُ جَلّ وَعَلَا
يَعْتَقِدُ أَنّْ الغَشَّ ذَكاءٌ وَمَهَارَةٌ وَحَقٌّ وَرَفْعَةٌ وَتَقَدُّمٌ
وَتَفَوُّقٌ وَفِي الحَقيقَةِ الغَشُّ دَاءٌ اجْتِمَاعِيٌّ خَطِيرٌ، وَوَبَاءٌ
خَلْقِيٌّ كَبِيرٌ، وَالغَشُّ في أَيِّ مَجَالٍ من مَجالاتِ الحَيَاةِ من أَكبَرِ
المُحَرَّمَاتِ، وأَعظَمِ الزَّلَّاتِ، وَهو بلا أَدنى شَكٍّ جَرِيمَةٌ
شَرْعِيَّةٌ وأَخْلاقِيَّةٌ وقَانُونِيَّةٌ وَإنْسانِيَّةٌ، وأَخْطَرُها الغَشُّ
في الاِمْتِحَانَاتِ، فهو أَشَدُّهَا حُرْمَةً، وأَعْمَقُهَا أَثَرًا،
وأَكْثَرُهَا خَطَرًا على مُسْتَقْبَلِ الأُمَّةِ وحَاضِرِهَا، فهو يُقَدِّمُ مَن
حَقُّهُ التَّأَخُّرُ، ويُؤَخِّرُ مَن حَقُّهُ التَّقَدُّمُ، وَيُسَوِّي بَيْنَ
الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، وَحَسْبُكَ بِهَذِهِ دَمَارًا
لِلأُمَمِ، وَتَأْخِيرًا لِلْدُّوَلِ؛ قَالَ تَبارَكَ وَتَعَالَى: ﴿ لَا
تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا
بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 188]. فَالغِشُّ فِي الِامْتِحَانَاتِ
خِزْيٌ وَعَارٌ وَهَلاَكٌ وَدِمَارٌ لِلْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ، الغِشُّ فِي
الِامْتِحَانَاتِ فَشَلٌ مَا بَعْدَهُ فَشَلٌ وَإِخْفَاقٌ مَا بَعْدَهُ إِخْفَاقٌ
، الغِشُّ فِي الِامْتِحَانِ اعْتِدَاءٌ عَلَى حَقِّ الْمُجْتَهِدِينَ
وَالْمُتَفَوِّقِينَ نَجَاحٌ مَزْعُومٌ بِلَا فَائِدَةٍ مِنْ وَرَائِهِ، الغِشُّ
فِي الِامْتِحَانَاتِ مِنْ أَكْثَرِ السُّلُوكِيَّاتِ السَّلْبِيَّةِ فِي
مَنْظُومَةِ التَّعْلِيمِ حَيْثُ يُؤَسِّسُ لِمَنْظُومَةٍ فِكْرِيَّةٍ مُشَوَّهَةٍ
تُقَامُ عَلَى الْخِدَاعِ وَضِيَاعِ الْأَمَانَةِ ،مَنْظُومَةٌ تَخْرُجُ
أَجْيَالًا لَا تَفْهَمُ شَيْئًا وَلَا تَفْقَهُمْ عِلْمًا وَأَطِبَّاءَ
يُدَمِّرُونَ صِحَّةَ النَّاسِ بِلَا عِلْمٍ وَمُهَنْدِسِينَ فَشَلَةً
وَأَسَاتِذَةً بِلَا عِلْمٍ وَلَا وَعْيٍ، فاَلْغَشُّ فِي اَلْاِمْتِحَانَاتِ
يُعَوِّدُ اَلْمُجْتَمَعَ عَلَى قَبُولِ اَلْكَذِبِ وَالتَّدْلِيسِ وَتَزْيِينِ
اَلْحَقَائِقِ الزَّائِفَةِ، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى تَدَهْوُرِ الْأَخْلَاقِ
وَالْقِيَمِ وَالْمَبَادِئِ فِي الْمُجْتَمَعَاتِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ
إِلَّا بِاللَّهِ. الغِشُّ وَمَا أَدْرَاكَ مِنَ الغِشِّ؟ الغَشُّ مِنْ أَخْطَرِ
الأَسْبَابِ المُؤَدِّيَةِ إِلَى الجَهْلِ وَضِيَاعِ العِلْمِ وَيُسَاوِي بَيْنَ
المُجْتَهِدِ وَالْكُسُولِ وَبَيْنَ مَنْ تَعَبَ وَتَعَلَّمَ وَبَيْنَ مَنْ لَعِبَ
وَجَهِلَ لِذَا قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( مَن
غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. أَلَا يَكْفِي الْغَاشِّ تَهْدِيداً
تَبَرُّؤُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ؟ وَمَنْ تَبَرَّأَ
مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ تَبَرَّأَ
مِنْهُ اللَّهُ، وَتَبَرَّأَ مِنْهُ الدِّينُ، وَالْسَّبَبُ الْحَقيقِيُّ لِهَذَا
هُوَ ضُعْفُ الْوَازِعِ الدّينيِّ، وَرَقَّةُ الْإِيمَانِ، وَقِلَّةُ
الْمُرَاقَبَةِ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ انْعِدَامِهَا، وَإيثَارُ الْعَاجِلَةِ
الْفَانِيَةِ عَلَى الْآخِرَةِ الْبَاقِيَةِ، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى دَنَاءةِ
النَّفْسِ وَخُبْثِهَا، فَلَا يَفْعَلُهُ إِلَّا كُلُّ دَنِيءٍ نَفْسٍ هَانَتْ
عَلَيْهِ فَأَوْرَدَهَا مَوْرِدَ الْهَلَاكِ وَالْعَطَبِ.
الغِشُّ وَمَا أَدْرَاكَ مِنَ الغِشِّ؟
الغَشُّ فِي الِامْتِحَانِ يَتَعَارَضُ مَعَ حِفْظِ الأَمَانَةِ الْمَأْمُورِ
بِهَا فِي الْإِسْلَامِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا
فَلْيُؤَدِّ الَّذِي أُوتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ﴾
[البَقَرَةُ: 283]،فالغَشُّ خِيَانَةٌ لِلأَمَانَاتِ، وَهَذِهِ عَلاَمَةٌ مِنْ
عَلاَمَاتِ النِّفَاقِ؛ فَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: "آيَةُ الْمُنَافِقِ
ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اُؤْتُمِنَ
خَانَ" فالْغَشُّ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَعَظَائِمِ الْمَعَاصِي،
وَفَظَائِعِ الْخَطَايَا، يَدُلُّ عَلَى خَبَثِ النَّفْسِ، وَظُلْمَةِ الْقَلْبِ
وَسَوَادِ الْفُؤَادِ، وَقِلَّةِ الدّينِ.
الغِشُّ وَمَا أَدْرَاكَ مِنَ الغِشِّ؟
الغِشُّ تَضْيِيعٌ لِلْعَدْلِ وَإِشَاعَةٌ لِلظُّلْمِ فِي نَتَائِجِ الطُّلَّابِ،
فَكَيْفَ يُسَوَّى بَيْنَ الْمُجْتَهِدِ الْمُثَابِرِ وَالْمُهْمِلِ، فَكُلُّهُمْ
فِي نِهَايَةِ الْعَامِ نَاجِحٌ، بَلْ رُبَّمَا حَصَلَ الْغَاشُّ عَلَى مُسْتَوًى
أَعْلَى مِنَ الْمُجْتَهِدِ، وَلاَ شَكَّ أَنَّ هَذَا ظُلْمٌ، وَفِي الصَّحِيحِ
عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ:
"الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، وَفِي الْحَدِيثِ
الْقُدْسِيِّ: "يَا عِبَادِي: إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي
وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلا تَظَالَمُوا…".
لَذَا يَجِبُ تَوْعِيَةُ الطَّلَبَةِ
مِندَ الصِّغَرِ عَلَى تَحْرِيمِ الْغِشِّ، وَأَنَّ مَنْ غَشَّنَا لَيْسَ مِنا،
وَأَنَّهُ بَابٌ مِّنَ الْكَذِبِ الَّذِي يُجْلِبُ عَذَابَ الْقَبْرِ وَعَذَابَ
النَّارِ، وأَنْ الْغَشَّ يَا عِبَادَ اللَّهِ يَجْمَعُ أَسْوَأَ الصَّفَاتِ،
وَأَقْبَحَ الْمَعَاصِي، فَهُوَ يَجْمَعُ الْكَذِبَ وَالْبُهْتَانَ وَالْزُّورَ،
وَالْخَدَاعَ، وَالْمَكْرَ، وَالِاحْتِيَالَ، وَالنَّصْبَ، وَخِيَانَةَ
الْأُمَّةِ، وَالتَّغْرِيرَ، وَأَكْلَ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، وَعَدَمَ الرِّضَا
بِقَدْرِ اللَّهِ، وَمَا قَسَمَ مِنَ الرِّزْقِ إِلَى غَيْرِ ذَٰلِكَ، مِنْ
ذَمِيمِ الْأَخْلَاقِ، وَسَيْئِ الْخَصَالِ، فَهُوَ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ
بَعْضٍ؛ أَجَارَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ أَهْلِهِ، وَحَفِظَنَا مِنْ
أَرْبَابِهِ.
فَمَنْ لَمْ يَذُقْ مُرَّ التَّعَلُّمِ
سَاعَةً *** تَجَرَّعَ ذُلَّ الجَهْلِ طُولَ حَيَاتِهِ
ومَنْ فاتَهُ التَّعْليمُ حالَ
شَبابِهِ *** فَكَبِّرْ عليْهِ أرْبَعًا لوَفاتِهِ
حَفِظَ اللّهُ مِصْرَ قِيَادَةً
وَشَعْبًا مِن كَيْدِ الكَائِدِينَ، وَحِقْدِ الحَاقِدِينَ، وَمَكْرِ
الـمَاكِرِينَ، وَاعْتِدَاءِ الـمُعْتَدِينَ، وَإِرْجَافِ الـمُرْجِفِينَ،
وَخِيَانَةِ الخَائِنِينَ.