recent
أخبار عاجلة

هل يجوز لنا أن نسيد النبي محمد داخل الصلاة؟ الشيخ عبدالناصربليح

 هَلْ يَجُوزُ لَنَا أَنَّ نُسيدَ النَّبِيَّ مُحَمَّداً دَاخِلُ الصَّلَاَةِ ؟


الحمد لله والصلاة والسلام علي رسول الله وبعد 

فقول سيدنا محمد خارج الصلاة وفي أي وقت أمر محمود 

أما من يسيده داخل الصلاة فهذا محل خلاف بين الفقهاء ولكن الراجح عند جمهور الفقهاء لايسيد في التشهد كما في الأذان فالأولى عدم زيادة لفظ "سيدنا" في الأذان وغيره من الأذكار والأدعية المأثورة كالتشهد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علمها الصحابة بصيغ معينة واقتصر عليها الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان ولو كان خيراً لسبقونا إليه.

الرأي الأول :"

عدم التسيد في الصلاة وقد ذهب إلى هذا جمع من أهل العلم منهم الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى حيث قال: اتباع الألفاظ المأثورة أرجح، ولا يقال لعله ترك ذلك تواضعاً منه صلى الله عليه وسلم، كما لم يكن يقول عند ذكره صلى الله عليه وسلم: "صلى الله عليه وسلم" وأمته مندوبة إلى أن تقول ذلك كلما ذكر، لأنا نقول: لو كان ذلك راجحاً لجاء عن الصحابة ثم عن التابعين، ولم نقف في شيء من الآثار عن أحد من الصحابة ولا التابعين لهم قال ذلك مع كثرة ما ورد عنهم من ذلك، وقد عقد القاضي عياض باباً في صفة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، في كتاب الشفا ونقل آثاراً مرفوعة عن جماعة من الصحابة والتابعين ليس في شيء منها عن أحد من الصحابة وغيرهم لفظ "سيدنا" ..

 نعم ورد في حديث ابن مسعود أنه كان يقول في صلاته على النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم اجعل فضائل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين.. الحديث. أخرجه ابن ماجه ولكن إسناده ضعيف. انتهى مختصراً، وقد نقله الألباني في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم.

الرأي الثاني :"

وذهب جماعة من أهل العلم وهو المعتمد عند الشافعية إلى استحباب زيادة لفظ "سيدنا" في الأذان والتشهد وغيرهما، قال الرملي في نهاية المحتاج: والأفضل الإتيان بلفظ السيادة -أي في التشهد في الصلاة- كما قاله ابن ظهيرة وصرح به جمع، وبه أفتى الشارح -المحلي- لأن فيه الإتيان بما أمرنا به وزيادة الإخبار بالواقع الذي هو أدب فهو أفضل من تركه وإن تردد في أفضليته الأسنوي، وأما حديث: لا تسيدوني في الصلاة. فباطل ولا أصل له كما قاله بعض متأخري الحفاظ، وقول الطوسي: إنها مبطلة غلط. انتهى

وقال علي الشبراملسي في حاشيته على نهاية المحتاج: قوله لأن فيه..الخ يؤخذ من هذا سن الإتيان بلفظ السيادة في الأذان وهو ظاهر، لأن المقصود تعظيمه صلى الله عليه وسلم بوصف السيادة حيث ذكر، لا يقال: لم يرد وصفه بالسيادة في الأذان لأنا نقول كذلك هنا وإنما طلب وصفه بها للتشريف وهو يقتضي العموم في جميع المواضع التي يذكر فيها اسمه عليه الصلاة والسلام.

وصرح الحنفية باستحباب زيادة لفظ السيادة في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، قال صاحب الدر المختار: وندب السيادة لأن زيادة الإخبار بالواقع عين سلوك الأدب فهو أفضل من تركه.

قال ابن عابدين في حاشيته: واعترض بأن هذا مخالف لمذهبنا لما مر من قول الإمام من أنه لوزاد في تشهده أو نقص فيه كان مكروهاً، قلت: فيه نظر، فإن الصلاة زائدة على التشهد ليست منه، نعم ينبغي على هذا عدم ذكرها في "وأشهد أن محمداً عبده ورسوله" وأنه يأتي بها مع إبراهيم عليه السلام

وجاء في فتوي لدار الافتاء المصرية 

لا مانع شرعًا من ذلك، بل استحب ذلك كثير من الفقهاء وقالوا: إن فيه حسنَ أدب مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وامتثالًا للنصوص المتكاثرة في تعظيم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتوقيره؛ منها قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: 63]، وقوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: 9]، و﴿توقروه﴾، أي: تسودوه؛ من السيادة، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ»، أما حديث: «لَا تُسَيِّدُونِي فِي الصَّلَاةِ» فباطلٌ لا أصل له.

 

توقير النبي الكريم عليه السلام وتعظيمه

سيدنا محمدٌ صلى الله عليه وآله وسلم هو جوهرةُ النُّفوس وتاجُ الرءوس وسيدُ ولدِ آدم أجمعين، ولا يدخل الإنسانُ دائرةَ الإيمان إلا بحبه وتعظيمه وتوقيره والشهادة برسالته، فهو أحد ركنَي الشهادتين؛ إذ لا يقبل الله تعالى من أحدٍ الوحدانيةَ حتى يُشْفِعَهَا بأنه صلى الله عليه وآله وسلم رسولُه إلى العالمين، وقد علَّمنا الله تعالى الأدب مع سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم حين خاطب جميع النبيين بأسمائهم أما هو فلم يخاطبه باسمه مجردًا، بل قال له: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال: 64]، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة: 41]، وأمرنا بالأدب معه وتوقيره فقال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ۝ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: 8-9].

ومن توقيرِه تسويدُه؛ كما قال قتادة والسدي: وتوقروه: وتسودوه.

ونهانا عن التقديم بين يدي الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وحذرنا من رفع الصوت على صوته الشريف صلى الله عليه وآله وسلم، أو الجهر له بالقول فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ۝ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ۝ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات: 1- 3].

ونهانا أن نخاطبه صلى الله عليه وآله وسلم كما يخاطب بعضنا بعضًا؛ فقال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: 63].

فكان حقًّا علينا أن نمتثل لأمر الله، وأن نتعلم مع حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأدبَ معه، ومن الأدب أن نسوِّده كلما ذُكر، وأن نُصلي عليه كلما ذُكر، وأن لا نخاطبه باسمه مجردًا عن الإجلال والتبجيل.

 

حكم إطلاق لفظ "سيدنا" على النبي في الأذان والتشهد في الصلاة

قد أجمعت الأمة على ثبوت السيادة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى عَلَميَّتِهِ في السيادة، قال الشرقاوي: [فَلَفْظُ (سَيِّدِنَا) عَلَمٌ عَلَيْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ] اهـ. "الموسوعة الفقهية الكويتية" (ج11 ص 346، حرف التاء، تسويد، ط. وزارة الأوقاف الكويتية).

وأما ما شذَّ به البعض للتمسك بظاهر بعض الأحاديث متوهمين تعارضَها مع هذا الحكم فلا يعتدُّ به، ولذلك أجمع العلماء على استحباب اقتران اسمه الشريف صلى الله عليه وآله وسلم بالسيادة في غير الألفاظ الواردة المتعبَّد بها من قِبَل الشرع.

أما بالنسبة للوارد فمذهبُ كثيرٍ من المحققين -وهو المعتمد عند الشافعية؛ كما نص عليه الجلالان المحلي والسيوطي، والشيخان ابن حجر والرملي، وعند الحنفية؛ كما قال الحصكفي والحلبي والطحطاوي وبعض المالكية- أنه يستحبُّ اقتران الاسم الشريف بالسيادة أيضًا في الأذان والإقامة والصلاة، بناءً على أن الأدب مقدَّمٌ على الاتباع؛ كما ظهر ذلك في موقف سيدنا عليٍ رضي الله تعالى عنه في صلح الحديبية؛ حيث رفض أن يمحو كلمة "رسول الله" عندما أمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمحوها؛ تقديمًا للأدب على الاتباع، وظهر ذلك أيضًا في تقهقُر سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الصلاة بعد أَمْرِ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له بأن يبقى مكانه، وقال له بعد الصلاة: "مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَمَامَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وسَلَّمَ" رواه ابن حبان.

وقد نُقل في كتب المذاهب الفقهية المعتمدة ندب الإتيان بلفظ "سيدنا" قبل اسمه الشريف صلى الله عليه وآله وسلم حتى في العبادات؛ كالصلاة والأذان والإقامة.

فمن الحنفية: الحصكفي صاحب "الدر المختار" حيث قال في الصلاة الإبراهيمية التي يقولها المصلي في القعود الثاني من صلاته: [وَنُدِبَ السِّيَادَةُ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْإِخْبَارِ بِالْوَاقِعِ عَيْنُ سُلُوكِ الْأَدَبِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهِ، ذَكَرَهُ الرَّمْلِيُّ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ؛ وَمَا نُقِلَ: (لَا تُسَوِّدُونِي فِي الصَّلَاةِ) فَكَذِبٌ، وَقَوْلُهُمْ: (لَا تُسَيِّدُونِي) بِالْيَاءِ لَحْنٌ أَيْضًا وَالصَّوَابُ بِالْوَاوِ] اهـ. "الدر المختار" (1/ 514، ط. دار الفكر).

كما صرَّح باستحبابه النفراوي من المالكية، وقالوا: إن ذلك من قبيل الأدب، ورعايةُ الأدب خيرٌ من الامتثال.

يقول الشيخ الحطاب المالكي: [وَذكر عَنْ ابْنِ مُفْلِحٍ الْحَنْبَلِيِّ نحو ذَلِكَ، وَذَكَرَ عَنْ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِهَا فِي الصَّلَاةِ يَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ هَلْ الْأَوْلَى امْتِثَالُ الْأَمْرِ أَوْ سُلُوكُ الْأَدَبِ؟ (قُلْت): وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي وَأَفْعَلُهُ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا الْإِتْيَانُ بِلَفْظِ السَّيِّدِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ] اهـ. "مواهب الجليل" (1/ 21، ط. دار الفكر).

ومن الشافعية قال العلامة الجلال المحلي: [الأدب مع من ذكر مطلوب شرعًا بذكر السيد؛ ففي حديث "الصحيحين": «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ» أي: سعد بن معاذ، وسيادته بالعلم والدِّين، وقول المصلي: اللهم صلِّ على سيدنا محمد، فيه الإتيانُ بما أمرنا به، وزيادة الإخبار بالواقع الذي هو أدب فهو أفضل من تركه فيما يظهر من الحديث السابق، وإن تردَّد في أفضليته الشيخ جمال الدين الإسنوي] اهـ. "الدُّرُّ المنْضُود" لابن حجر الهيتمي (1/ 134، ط. دار المنهاج).

[وَأَمَّا حَدِيثُ: لَا تُسَيِّدُونِي فِي الصَّلَاةِ فَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ، كَمَا قَالَهُ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْحُفَّاظِ] اهـ. "ردُّ المُحتار" (1/ 513).

وقال الحافظ السيوطي: [إنما لم يتلفظ صلى الله عليه وآله وسلم بلفظ السيادة حين تعليمهم كيفية الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم لكراهيته الفخر؛ ولهذا قال: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ». وأما نحن فيجب علينا تعظيمُه وتوقيرُه؛ ولهذا نهانا الله تعالى أن نناديَه صلى الله عليه وآله وسلم باسمه فقال: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: 63]] اهـ. "سعادة الدارين في الصلاة على سيد الكونين" للشيخ يوسف النبهاني (ص: 18).

وقال العلامة شهاب الدين الرملي: [الْأَفْضَلُ الْإِتْيَانُ بِلَفْظِ السِّيَادَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ، وَبِهِ أَفْتَى الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ جَازِمًا بِهِ قَالَ لِأَنَّ فِيهِ الْإِتْيَانَ بِمَا أُمِرْنَا بِهِ وَزِيَادَةَ الْإِخْبَارِ بِالْوَاقِعِ الَّذِي هُوَ أَدَبٌ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهِ] اهـ. "حاشية الرملي الكبير على أسنى المطالب" (1/ 166، ط. دار الكتاب الإسلامي).

وقال الإمام الشوكاني: [وقد روي عن ابن عبد السلام أنه جعله من باب سلوك الأدب، وهو مبني على أن سلوك طريق الأدب أحبُّ من الامتثال، ويؤيده حديثُ أبي بكر رضي الله عنه حين أمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يثبت مكانه فلم يمتثل، وقال: "ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدَّم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك امتناع عليٍّ رضي الله عنه عن مَحْوِ اسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الصحيفة في صلح الحديبية بعد أن أمره بذلك، وقال: "لا أمحو اسمك أبدًا". وكلا الحديثين في "الصحيح"، فتقريرُه صلى الله عليه وآله وسلم لهما على الامتناع من امتثال الأمر تأدبًا مُشْعِرٌ بأولويته] اهـ. "نيل الأوطار" (2/ 337-338، دار الحديث).

وفي "مفتاح الفلاح" للإمام العارف بالله ابن عطاء السكندري: [وإياك أن تترك لفظ السيادة؛ ففيها سِرٌّ يظهر لمن لازم هذه العبادة] اهـ.

بينما يرى فريقٌ آخر من العلماء الاقتصارَ في الألفاظ المتعبَّد بها على ما ورد؛ اتباعًا للفظ، وفرارًا من الزيادة فيه.

وقد ألَّف العلامة الحافظ أحمد بن الصديق الغماري الحسني رحمه الله في هذه المسألة كتابًا حافلًا ماتعًا سماه "تشنيف الآذان بأدلة استحباب السيادة عند ذكر اسمه صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة والإقامة والأذان" جَمَعَ فيه كلَّ ما يتعلق باستحباب ذكر الاسم الشريف مقترنًا بالسيادة، مقررًا أنه لا تنافيَ بين الأدب والاتباع؛ لأن في السيادة اتباعًا من جهة أخرى، وهي الأمر بتوقيره صلى الله عليه وآله وسلم، والنهي عن مخاطبته كما يخاطب الناس بعضهم بعضًا.

 

المختار للفتوى

مما سبق نعلم أنه ذهب إلى استحباب تقديم لفظ "سيدنا" قبل اسمه الشريف صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة والأذان والإقامة وغيرِها من العبادات كثيرٌ من فقهاء المذاهب الفقهية؛ كالعز بن عبد السلام، وابن ظهيرة، والمحلي، والسيوطي، والرملي، وابن حجر الهيتمي، والقليوبي، والشرقاوي من الشافعية، والحصكفي، والحلبي، والطحطاوي، وابن عابدين من الحنفية، وابن عطاء السكندري، والنفراوي، والحطاب، وسيدي أحمد زروق، والعياشي، والهاروشي صاحب "كنوز الأسرار في الصلاة على النبي المختار" من المالكية، وغيرهم؛ كالشوكاني، وهذا هو الذي نختاره ونرجِّحه في مقام سيد الخلق وحبيب الحقِّ سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، وهو ما عليه الفتوى؛ فالأدب مقدَّمٌ دائمًا معه صلى الله عليه وآله وسلم، ونحن أحوجُ إلى حبِّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذا العصر من أي وقتٍ آخر؛ فنحن في عصر تموج فيه الآراء، وتختلف المشارب، وَكَثُرَت الفتن في الظاهر والباطن، وليس من نجاةٍ مِن كلِّ ذلك إلا بحب سيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ نُعلِّمُهُ أبناءَنا، وندعو إليه غيرَنا، ونبقى عليه إلى أن نلقى الله سبحانه فيشفِّعه فينا ويدخلنا الجنة بغير حسابٍ ولا سابقة عقابٍ ولا عتابٍ، آمين.

والله سبحانه وتعالى أعلم..

 

الرأي الراجح :" يقولون بأن المشروع في الصلاة عدم التسييد؛ لأنه لم يرد في النصوص، وإنما علمهم أن يقولوا :" اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

فالمشروع هكذا كما علمهم النبي صلي الله عليه وسلم  لكن لو أن الإنسان قال: اللهم صل على سيدنا محمد؛ لا بأس، لا حرج عليه؛ لأن محمد سيد ولد آدم -عليه الصلاة والسلام- فمن قال؛ لا حرج عليه، ومن تركها لا حرج عليه.

والأفضل: الترك في التشهد، وفي الأذان، يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله، كما علم النبي صلي الله عليه وسلم أصحابه ذلك، كان بلال يؤذن بهذا، وهكذا أبو محذورة، ولو أن مؤذنًا قال: أشهد أن سيدنا محمد رسول الله؛ صح، لكنه خلاف السنة، ما كان النبي ﷺ يقول هكذا، ولا علمنّا الصحابة ذلك.

وإنما المشروع أن يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله في الأذان والإقامة، لكن لو قال: إن سيدنا محمد، هو صادق، هو سيده، لكن لم يشرع هذا، والمسلمون عليهم التقيد في العبادات؛ لأنها توقيفية.

فعلى المسلم أن يتقيد بالعبادة بما ورد عن الشرع، ولا يزيد، ففي التحيات يقول: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد كما جاء في النصوص، وفي الأذان يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله، وفي الإقامة كذلك.

وأما في غير هذا إذا قال: أشهد أن سيدنا محمدًا رسول الله، أو اللهم صل على سيدنا محمد، فلا حرج في ذلك؛ لأنه سيد ولد آدم  قال صلي الله عليه وسلم: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر.

فالمقصود: هو أفضل الخلق صلي الله عليه وسلم  لكن علينا أن نتقيد بما شرع لنا، لا نزيد، ولا ننقص؛ لأن هذا هو الذي ينبغي لنا؛ لقوله صلي الله عليه وسلم في الحديث الصحيح  : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه؛ فهو رد من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد.

فالتقيد بما علمنا إياه، وشرعه لنا هو الذي ينبغي لنا، ويقول :" إياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ويقول الرب : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ"(الأحزاب:21). ويقول -جل وعلا: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ "(الشورى:21).

فالمشروع للمسلمين التقيد بما علمهم إياه نبيهم -عليه الصلاة والسلام- وما شرعه لهم في الأقوال والأعمال. نعم

فقد وردت عدة صيغ للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ونحن نذكر بعضاً منها مما ورد في الأحاديث الصحيحة.

فمن ذلك:

• "‌اللَّهُمَّ ‌صَلِّ ‌عَلَى ‌مُحَمَّدٍ ‌وَعَلَى ‌آلِ ‌مُحَمَّدٍ، ‌كما ‌صليت ‌على ‌إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد" رواه البخاري ومسلم.

• ‌"اللَّهُمَّ ‌صَلِّ ‌عَلَى ‌مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ‌فِي ‌الْعَالَمِينَ ‌إِنَّكَ ‌حَمِيدٌ ‌مَجِيدٌ". رواه مسلم.

• "‌اللهُمَّ ‌صَلِّ ‌عَلَى ‌مُحَمَّدٍ ‌وَعَلَى ‌أَهْلِ ‌بَيْتِهِ، ‌وَعَلَى ‌أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ". رواه الإمام أحمد.

• "‌اللهُمَّ ‌صَلِّ ‌عَلَى ‌مُحَمَّدٍ ‌النَّبِيِّ ‌الْأُمِّيِّ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ" رواه أحمد.

• "اللَّهُمَّ ‌صَلِّ ‌عَلَى ‌مُحَمَّدٍ ‌عَبْدِكَ ‌وَرَسُولِكَ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا باركت على إبراهيم وآل إبراهيم". رواه البخاري.

وهذه الصيغ كلها صحيحة، تقال في الصلاة وخارجها. وقد وردت صبغ أخرى غيرها، والأفضل الاقتصار على الوارد، ومع ذلك يمكن أن يأتي الشخص بصيغة لم ترد، بشرط أن تكون في معنى الوارد، وأن لا تتضمن غلوا ولا شركا.

والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لها فضائل كثيرة، منها: الامتثال لأمر الله تعالى في قوله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا {الأحزاب:56}، ومنها ما رواه مسلم وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ صَلَّى ‌عَلَيَّ ‌وَاحِدَةً، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ‌عشرا" ومنها ما رواه الترمذي عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - أنه قال: «يا رسول الله إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ ‌لَكَ مِنْ صَلَاتِي، فَقَالَ: مَا شِئْتَ قَالَ: قُلْتُ: الرُّبُعَ، قَالَ: مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ ‌لَكَ قُلْتُ: النِّصْفَ، قَالَ: مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ ‌لَكَ قَالَ: قُلْتُ: فَالثُّلُثَيْنِ، قَالَ: مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ ‌لَكَ. قُلْتُ: أَجْعَلُ ‌لَكَ ‌صَلَاتِي ‌كُلَّهَا، قَالَ: "إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرَ ‌لَكَ ذَنْبُكَ"

وهي مشروعة في كل وقت، وتتأكد في أوقات وحالات مخصوصة،

منها عند ذكر اسمه الشريف - صلوات الله وسلامه عليه -، وقال طائفة من أهل العلم: إن ذلك واجب كلما ذكر اسمه الشريف، والجمهور على أن الصلاة عليه واجبة في العمر مرة واحدة، وتستحب استحبابا مؤكدا فيما عدا ذلك، ذكر ذلك ابن القيم في جلاء الأفهام.

ومنها الإكثار من الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة؛ ففي المسند والسنن عَنْ أَوْسِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مِنْ ‌أَفْضَلِ ‌أَيَّامِكُمْ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ."

ومنها: في التشهد الأخير في الصلاة، وعدها الشافعية والحنابلة مع التشهد ركنا من أركان الصلاة.

ومنها: في قنوت الوتر. فعن الحسن بن علي، قال: علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هؤلاء الكلمات في الوتر، قال: "قل اللهم اهدني فيمن هديت، وبارك لي فيما أعطيت، وتولني فيمن توليت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت، وصلى الله على النبي". رواه النسائي، ورواه غيره من غير ذكر الصلاة في آخره.

ومنها الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم – في صلاة الجنازة بعد التكبيرة الثانية.

ومنها: الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - في الخُطَب: كخطبة الجمعة، والعيدين، والاستسقاء، وغيرها.

ومنها: بعد إجابة المؤذن؛ لما روى مسلم في "صحيحه": من حديث عبد الله بن عمرو، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا سَمِعْتُم المؤذِّنَ فقُولوا مِثْلَ ما يَقُولُ، ثم صَلُّوا عَلَيَّ، فإنّه مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَليْه بهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِيَ الوَسِيْلَة، فإِنَّها مَنْزِلةٌ فِي الجَنَّة لا تنبَغِي إلَّا لعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ الله تعالى، وأرْجُو أنْ أكُوْنَ أنَا هُوَ، فَمَنْ سألَ لِيَ الوَسِيْلة حَلَّتْ عَلَيْه الشَّفَاعَة".

ومنها عند الدعاء؛ لما روى الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: سمعَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- رجلًا يدعُو في صلاته لم يمجِّد الله ولم يصلِّ على النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم-، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "عَجِلَ هذا" ثم دعاه، فقال له أو لغيره: "إذا صلَّى أحَدُكم فَلْيبْدأ بتحميد ربه والثَّناء عليه، نُمَّ يُصلَّي على النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم-، ثم يدعو بعْدُ بِما شَاء".

ومنها في الصباح والمساء؛ لما روى الطبراني عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من صلى علي حين يصبح عشرًا، وحين يمسي عشرًا أدركته شفاعتي يوم القيامة".

ومنها في أي مجلس يجلس فيه المرء؛ لما روى الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ، إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً، فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ. وقوله (ترة) أي حسرة وندامة.

هل يصح أن نقول في الصلاة الإبراهيمية: اللهم صل وسلم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وسلمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم أم لا؟

فإن كانت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فينبغي الالتزام فيها بالصيغ الواردة، ولا تضر زيادة لفظ من جنس الصلاة، ولا يخلُّ بالمعنى ولا بموالاة الألفاظ. قال الإمام الشافعي في الأم: فهي مشتبهة متقاربة - أي ألفاظ التشهد - واحتمل أن تكون كلها ثابتة، وأن يكون رسول الله يعلم الجماعة والمنفردين التشهد فيحفظ أحدهم على لفظ ويحفظ الآخر على لفظ يخالفه، لا يختلفان في معنى أنه إنما يريد به تعظيم الله - جل ثناؤه وذكره - والتشهد والصلاة على النبي، فيقر النبي كلاً على ما حفظ، وإن زاد بعضهم كلمة على بعض أو لفظها بغير لفظة لأنه ذكر. اهـ فإن كانت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم خارج الصلاة فالأمر واسع، والتزام ما ورد في الآثار أولى.  .

google-playkhamsatmostaqltradent