recent
أخبار عاجلة

هل يوجد في الإسلام، نص صريح يحدد مدة الرئاسة (ّ1) الشيخ عبدالناصربليح

هَلْ يُوجَدُ فِي الْإِسْلَامِ نَصٌّ صَرِيحٌ يُحَدِّدُ مَدَّةَ الرِئَاسةِ؟(1). 


تَحْدِيدُ مَدَدِ الرئاسة يَتَعَارَضُ مَعَ الْمَبْدَأِ الْأسْمَى لِحِمَايَةَ الدَّوْلَةِ

الْمَحْكَمَةُ الدُّسْتُورِيَّةُ العُليا القَلعةُ الحصينة لِلشَّرْعِيَّةَ



هَلْ يُوجَدُ فِي الْإِسْلَامِ نَصٌّ صَرِيحٌ يُحَدِّدُ مَدَّةَ الرِئَاسةِ؟ 

الحمد لله والصلاة والسلام علي رسول الله وبعد 

في الإسلام، لا يوجد نص صريح في القرآن والسنة يحدد مدة الرئاسة (الخلافة/الإمامة) بمدة زمنية محددة كـ 4 أو 6 سنوات، بل هي مطلقة حتى الموت أو العزل إذا اختل شرط من شروطها، لكن هناك من انساق خلف الفكر المعاصر و يقترح تحديدها (مثلاً 5-10 سنوات) لتحقيق المصالح العامة ومنع الفساد، قياساً على مبادئ الشورى والتداول، مع التأكيد أن الأصل هو البيعة المطلقة ووجود معايير لتقييم أداء الحاكم.

تحديدمدّة زمنية لمنصب الخلافةليس من الإسلام ولكنهافكرةالغرب

في ظل ما تشهده البلاد الإسلامية من ثورات، بدأ الغرب وأعوانه ينشطون في وضع بدائل للأنظمة الاستبدادية.

وحيث إنهم يعلمون أن الأمة اليوم تتشوق لحكم الإسلام ونظام الخلافة فقد أصبح همُّهم أن يُدخِلوا تغييرات على مفاهيم الإسلام المتعلقة بالدولة وشكلها ونظام الحكم فيها،بحيث لا تبقى دولة إسلامية.

ومن جملة ذلك أنهم طرحوا مسألة استبداد الحاكم كمشكلة تحتاج إلى علاج، وأخذوا يسألون عن الضمانات العملية التي تحول دون ظلم الحاكم واستبداده.

وكان الجواب أن الحل كما في النظم الديمقراطية- يكون بتحديد مدة ولاية الحاكم بمدة محددة، وتحديد عدد مرات ترشحه للولاية بمرتين أو ثلاثة، بالإضافة إلى مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية). وقالوا إن ذلك يستبعد استبداده، ويقلل من صلاحياته. وقالوا إن كان الحاكم صالحاً فلا خوف منه، ولكن إن كان غير ذلك فإن الأمة لن تعيد انتخابه بعد ظهور فساده لمرة ثانية.

جَرْياً وراء هؤلاء قام مفكرون وعلماء مسلمون ببحث المسألة على نفس الأساس، أي جعلوا أساس البحث الضمانات العملية التي تحول دون ظلم الحاكم واستبداده. فبدأت فكرةُ (الحكم المؤقت) تُبحث كإحدى الضمانات، كما اعتبر كثير من المفكرين السياسيين المسلمين المعاصرين أن الفصل بين السلطات لا يتنافى أيضاً مع الفكر السياسي الإسلامي، نظراً لتغير الظروف البيئية, ومن منطلق المصلحة حسب رأيهم. وبدأت محاولةُ التأصيل الشرعي لهذه الأفكار. فقال بعضهم بجواز تحديد مدة زمنية لمن يتولى زمام السلطة، وقالوا إن الإسلام جعل السلطان للأمة،والخليفة وكيل عنها، فلها أن تشترط في عقد البيعة ذلك خصوصاً وأنه لم يرد في الشرعما يمنع ذلك!!. أي أنهم وصفوا عقد البيعة بأنه وكالة وأنزلوا عليه أحكام الوكالة، ومنها أن الوكيل يجوز أن يحدد مدة الوكالة، وله أن يعزل وكيله.

الرأي الأول :" 

تحديد مدة الرئاسة لابد أن ندرك أن قضية المسلمين ومعاناة الناس ليست من عدم تحديد مدة الرئاسة، بل إن السبب الحقيقي لمعاناة الناس، سواء المسلمين منهم أم الذميين، هو عدم تطبيق الإسلام عليهم، وتطبيق الأنظمة الوضعية، ومنها الأنظمة الديمقراطية التي تهيئ الأجواء للحاكم لاستغلال التشريع كأداة للسيطرة السياسية.

ولم تكن مدة ولاية الحاكم هي المشكلة، فالناس يعانون حتى في البلاد التي تطبق فيها الأنظمة الديمقراطية كما في تركيا وباكستان وإيران وغيرها.

والغرب عندما يتحدث عن مشكلة الاستبداد يقصد بها انفراد الحاكم واستقلاله بالحكم دون الرجوع إلى مجالس تشريعية لأخذ التشريع والخضوع للمحاسبة. وحيث إن طرح مسألة أخذ التشريع من مجالس تشريعية كحل للاستبداد يعيد بحث قضية السيادة والحاكمية، وهي مسألة محسومة بأنها للشرع، وتعتبر ضمانة حقيقية لمنع الاستبداد السياسي، ولا يمكن للدعاة والمفكرين المسلمين أن يقولوا بغير ذلك، فقد عمد عملاء الغرب الفكريين إلى محاربة نظام الخلافة من خلال طرح مسألة تحديد مدة الرئاسة.

الأصل في الشريعة:

البيعة المطلقة: البيعة في عهد النبي والخلفاء الراشدين كانت مطلقة وغير محددة، وكان الحاكم يبقى حتى يموت أو يُعزل لخلل في شروط الحكم، وهذا ما يعتبره البعض إجماعاً ضمنياً.

المبادئ العامة: يركز القرآن والسنة على مبادئ الحكم (العدل، تطبيق الشرع، حماية الأمة) لا على التفاصيل الإجرائية كمدة الولاية، مما يترك المجال للاجتهاد.

الرأي الثاني 

الاجتهادات المعاصرة (تحديد المدة):

الهدف: يرى بعض الفقهاءالمعاصرين   أن تحديد المدة (5-10 سنوات) هو اجتهاد لتحقيق المقاصد الشرعية، كمنع الاستبداد، وتداول السلطة، وإتاحة الفرص للجميع، وتجنب الاضطراب السياسي.

القياس: يستندون في ذلك إلى فترات حكم النبي (10 سنوات في المدينة) ولقاء موسى مع شعيب، ويقولون إن تقارب المدد يؤدي للفساد.

الخلاصة:لا يوجد نص يمنع تحديد مدة الرئاسة، والأمر يختلف بين الأصل (البيعة المطلقة) وبين الاجتهاد المعاصر الذي يميل لتحديدها كآلية لتنظيم الحكم وتحقيق المصلحة العامة، مع بقاء شرط أساسي هو التزام الحاكم بالكتاب والسنة..

للخليفة ما دام قائماً بالحكم بالإسلام دون أي شرط متعلق بالمدة. فالنصوص الشرعية توجب الوفاء بعقد البيعة للخليفة بالسمع والطاعة له، وتحرم الخروج عليه ما دام الخليفة محافظاً على الشرع، منفذاً لأحكامه، قادراً على القيام بشؤون الدولة دون أي شرط آخر، ولا توجد في النصوص الشرعية أية دلالة أو إشارة إلى تحديد مدة الرئاسة للخليفة بزمن معين.

فكون الشرع جعل السلطان للأمة لا يعني أن لها فسخ عقد البيعة متى شاءت الأمة ذلك، كما في عقد الوكالة. ومن الأحاديث التي تدل على أن البيعة عقد لازم ما رواه مسلم وأحمد وغيرهما عن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ يَقُولُ: «مَنْخَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا حُجَّةَلَهُ". وحديث الأعرابي المتفق عليه عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أَنَّأَعْرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَىالْإِسْلَامِ، فَأَصَابَ الْأَعْرَابِيَّ وَعْكٌ بِالْمَدِينَةِ، فَأَتَىالْأَعْرَابِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَفَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقِلْنِي بَيْعَتِي. فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى. ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى. فَخَرَجَ الْأَعْرَابِيُّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ، تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طِيبُهَا"(متفق عليه).

كما أن إجماع الصحابة رضوان الله عليهم دالٌّ على عدم تحديد مدة الخلافة، فإن الخلفاء الراشدين قد بويع كل منهم بيعةمطلقة، وكانوا غير محدودي المدة، وتولَّى كل منهم الخلافة منذ أن بويع حتى مات،فكان إجماعاً منهم على أنه ليس للخلافة مدة محددة، بل هي مطلقة.

ورغم أن الشرع جعل السلطان للأمة بأنتُنَصبَ الخليفةَ وتبايعه، إلا أنه لم يجعل لها حقَّ عزله. فلو أراد الناس أنيخلعوا الأمامَ بعد أن تُعقدَ له البيعةُ على الوجه الشرعي ودون سبب يوجبُ عزلَهفلا يجوزُ لهم، وليس عليه أن يستجيب لهم، وقد كانت هذه وصيةُ رسول الله صلى اللهعليه وسلم لعثمان رضي الله عنه، فعن عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهمعَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِوقَالَ: "يَا عُثْمَانُ إِنْ وَلَّاكَ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ يَوْمًا فَأَرَادَكَ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تَخْلَعَ قَمِيصَكَ الَّذِي قَمَّصَكَ اللَّهُفَلَا تَخْلَعْهُ". يَقُولُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. قالت عائشة: فَلَمَّا رَأَيْتُ عُثْمَانَ يَبْذُلُ لَهُمْ مَا سَأَلُوهُ إِلَّا خَلْعَهُ عَلِمْتُ أَنَّهُ مِنْ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِيعَهِدَ إِلَيْهِ"( أحمد وابن ماجة والترمذي).

ومعنى الوصية أنهم إن قصدوا عزلَك عن الخلافة فلا تعزل نفسك عنها لأجلهم لكونك على الحق وكونهم على الباطل.

وفي هذه المسألة قال إمام الحرمين الجويني رحمه الله في الغياثي (غِياثُ الأمم في التياث الظُّلم): (الإمام إذا لم يَخْلُ عن صفات الأئمة فرام العاقدون له عهداً أن يخلعوه، لم يجدوا إلى ذلك سبيلاً باتفاق الأمة؛ فإنَّ عقدَ الخلافة عقدٌ لازمٌ لا خيار في حَله من غير سبب يقتضيه، ولا تنتظم الإمامةُ ولا تُفيدُ الغرضَ المقصودَ منها إلا مع القطع بلزومها).وقال الإمام أبو بكر الباقلاني فيالتمهيد (تمهيد الأوائل في تلخيص الدلائل): (فإن قال قائل: فهل تملك الأمة فسخالعقد على الإمام من غير حدث يوجب خلعه كما أنها تملك العقد له؟ قيل له: لا. فإنقيل: فكيف يملك العقد من لا يملك فسخه؟ قيل له هذا في الشريعة أكثر من أن يحصى …).وقد بين الماوردي في أحكامه السلطانية (ص 19-24): (أن بيعةَ الإمام دائمةٌ لا تنقطع إلا إذا مات أو طرأ عليه سببٌ يوجبُ العزلَ مِن نَقْصٍ في الدين أو نقص مؤثر في البدن)

فقد روى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنِ اسْتُعْمِلَ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ"(البخاري مسلم والنسائي). عن أم حصين بزيادة"يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ".

وعن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَال: دَعَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْنَاهُ. فكان فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةً عَلَيْنَا وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ"(متفق عليه). والأحاديث في هذا الباب لا يتسع المقام لبسطها وما ذكرناه طرف منها.

وإلي لقاء أخر انتظرونا

google-playkhamsatmostaqltradent