recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة العقول المحمدية الشيخ عبدالناصربليح

 العقول المحمدية 


كان الصحابة يسألونه صلي الله عليه وسلم  عن العاقل؟
كان النبي  صلي الله عليه وسلم يسأل عن عقل الرجل؟  

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فياجماعة الإسلام حديثنا إليكم اليوم عن العقول المحمدية وكيف ربي رسول الله صلي الله عليه وسلم تلك العقول علي الفهم والإدراك والوعي .. والموازنة بين  الدنيا والفوز بالآخرة ..
  كان الصحابة يسألون عن من هو العاقل؟
فعندما يسأل صلي الله عليه وسلم في الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما أتيتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عاشرَ عشرةٍ , فقال رجلٌ من الأنصارِ : من أكيَسُ النَّاسِ وأكرمُ النَّاسِ يا رسولَ اللهِ ؟ فقال : أكثرُهم ذِكرًا للموتِ وأشدُّهم استعدادًا له أولئك هم الأكياسُ ذهبوا بشرفِ الدُّنيا وكرامةِ الآخرةِ"(ابن ماجه والحاكم).
العاقل هو من دان نفسه وعمل لمابعد الموت 
وفي رواية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله عز وجل الأماني"(الترمذي والبيهقي في كتاب الآداب).
معنى الحديث أن الإنسان الذي يعرف ما هو صالح له هو الذي يغلب نفسه على أداء الطاعة واكتساب العبادات ويغلب نفسه في زجرها ونهيها عن المعاصي، هذا الإنسان هو العاقل، هذا العاقل هذا الذي يقال له "الكيس".
والأكياسُ: العُقَلاءُ، جمعُ كَيِّسٍ وهو الرَّجُلُ الفَطِنُ، حسَنُ الفَهْمِ والسُّلوكِ؛
فأعقَلُ النَّاسِ هو الَّذي يَرى الأمورَ على حَقيقتِها، فلا تَخدَعُه المظاهِرُ ولا تُلْهيه السَّفاسِفُ عن إداركِ الحقائقِ، فهو يَرى الدُّنيا على حقيقتِها، دارَ ابتِلاءٍ وامْتِحانٍ، كما قال تَعالى:"الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا"(الملك: 2)، وغايَتُها أن تَكونَ قَنْطَرةً يَعبُرُ عليها إلى الدَّارِ الآخِرةِ، ومَرحَلةُ يتَزوَّدُ الإنسانُ منها إلى الآخِرَةِ، ولأنَّ مَن صدَقَ في ذِكْرِه للمَوتِ فرَّ إلى اللهِ ومَن صدَق فِرارُه إلى اللهِ، صدَقَت توبتُه وإنابتُه إلى ربِّه، وصدَق في سَيرِه وهَدْيِه على صراطِ اللهِ حتَّى يَلْقى اللهَ تبارك وتعالى.

وأما العاجز أي ضعيف الهمة، ليس العاجز في جسمه لضعف قواه الجسمانية إنما العاجز في فهم ما يصلح له في ءاخرته، هذا الذي سماه الرسول عليه الصلاة والسلام "العاجز".
قال صلى الله عليه وسلم: "والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله عز وجل الأماني" أي الذي يترك نفسه مع هواها مع ما تشتهيه من ملذات الدنيا ويسترسل في المعاصي ثم مع هذا يتمنى على الله الأماني أي أن الله تعالى يرحمه ويكرمه بعد الموت، يتمنى لنفسه ذلك مع استرساله فيما تشتهيه نفسه وتكاسله عن طاعة الله تعالى أي عن التزود للآخرة.
وسبيل السلامة في الآخرة هو تعلم علم الدين على مذهب أهل السنة الذي كان عليه الصحابة والتابعون وأتباع التابعين وتَبَعُ الأتباع ومن جاء على منهجهم إلى وقتنا هذا.
هذا الدين لا ينقطع إلى يوم القيامة وإن شذت بعض الفئات مع دعواها الإسلام لكنَّ الجمهور عقيدتهم لا تزيغ عن العقيدة التي يرضاها الله ورسوله.

 إن العاقل هو المتقي

أخرج ابن المجبر عن سعيد بن المسيَّب رواية: (أن عمر بن الخطاب وأبيَّ بن كعب وأبا هريرة رضي الله عنهم جميعاً دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا رسول الله من أعلمُ الناس ..؟، قال: العاقل، قالوا: فمن أعبدُ الناس ..؟، قال: العاقل، قالوا: فمن أفضل الناس؟، قال: العاقل، قالوا: أليس العاقل من تمَّت مروءته وظهرت فصاحته وجادت كفُّه وعظمت منـزلته ..؟، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:"وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ"، إن العاقل هو المتقي وإن كان في الدنيا خسيساً ذليلاً .

فالعقل نعمة عظيمة، قالت عائشة رضي الله عنها: قد أفلحَ من جعل اللهُ له عقلًا، وقال مطرف بن الشخير رحمه الله: ما أوتي أحد أفضل من العقل، وقال الإمام ابن عقيل رحمه الله: العقل أفضل ما منَحَه اللهُ خَلْقَه، وقال الحسن البصري: لا يتمُّ دينُ امرئ حتى يتمَّ عقلُه، وقيل لابن المبارك رحمه الله: ما خيرُ ما أُعطي الرجل؟ قال: غريزة عقل، وقال الإمام ابن حِبَّان رحمه الله: عمود السعادة العقل، والعقل لو كان شجرةً، لكانت من أحسن الشجر، وقال الخطيب البغدادي رحمه الله: قال ابن كنجك: خير المواهب العقل.

ويكفي العاقل أن الشيطان يكابد المؤمن العاقل، قال وهب بن منبِّه رحمه الله: قرأتُ في بعض ما أنزل الله تعالى: إن الشيطان لم يكابد شيئًا أشدَّ عليه من مُؤمنٍ عاقل، وإنه ليسوقُ مئة جاهلٍ، فيستجرهم حتى يركب رقابهم، فينقادون له حيث شاء، ويُكابد المؤمن العاقل، فيصعُب عليه حتى ينال منه شيئًا من حاجته، وقال: وإزالة الجبل صخرةً صخرةً أهونُ على الشيطان من مكابدة المؤمن العاقل.


كان النبي يسأل عن عقل الرجل 
ليحثَّ الناس على استخدامه في الخير وأن لا يبالغوا في العبادة لدرجة الانقطاع عن الحياة، وأن يكونوا أكثر عقلاً في أمورهم. كما ورد أن من أفضل الناس عقلاً هو من كان عقله سليماً ومستقيماً. ولا يمكن الجزم بوجود حديث نبوي صحيح يقول إن النبي كان يسأل عن عقل الرجل بشكل دائم. 
دوافع النبي للسؤال عن العقل:
  • الدعوة إلى التوازن: أراد النبي أن يحثّ الناس على التوازن بين العبادة والحياة، كما قال لعائشة: "إنِّي أُؤْمَرُ فُلتَبْنُوا، وَلا تُتْعِبوا".
  • الترهيب من التطرف: من خلال السؤال عن عقل الرجل، كان النبي يحذر الناس من تطرفهم وتشددهم في العبادة على حساب دينهم ودنياهم.
  • الحث على التفكير: كان النبي يسأل عن عقل الرجل ليحثّه على التفكير والتأمل في خلق الله، والتفكر في آياته، وذلك لاستخلاص الدروس والعبر. 
كيف كان النبي يسأل عن عقل الرجل؟
  • كان النبي يسأل عن عقل الرجل من خلال طرح أسئلة على الصحابة، مثل: "ما ترون في عقل الرجل؟".
  • كان النبي يسأل عن عقل الرجل من خلال طرح أسئلة على الناس، مثل: "ماتدرون ما عقله؟". 
  • سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن عقل ماعز بن مالك ليتأكد من أنه مدرك تمامًا لحقيقة ما أقر به من الزنا، وذلك من باب التثبت قبل إقامة الحد الشرعي. فقد سأل الرسول قومه: "أتعلمون بعقله بأسا؟ أتنكرون منه شيئا؟"، فأخبروه أنهم لا يعلمون إلا الخير وأنه في كامل عقله. وبعد تكرار ماعز لإقراره، تأكد الرسول من سلامة عقله وصحة إقراره قبل أن يأمر برجمه.
    السؤال عن عقله: سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن عقل ماعز ليسأل قومه إن كانوا يعلمون أنه مصاب بخلل في العقل.
    التأكد من صحة الإقرار: كان هذا السؤال جزءًا من التأكد من صحة إقراره بالزنا، لأنه كان من الممكن أن يتجوز في وصف ما حدث له.
    إجابة قومه: عندما سأل الرسول قومه، أجابوا أنه لا يعلمون عليه إلا الخير وأن عقله سليم.
    النتيجة: بعد التأكد من سلامة عقله، أقام الرسول صلى الله عليه وسلم الحد الشرعي عليه بعد أن أقر بالزنا.

    يروي بريدة بن الحصيب رضي الله عنه فيقول: جاء ‏ماعز بن مالكٍ ‏إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ ‏فقال: يا رسول الله ‏ ‏طهِّرني،‏ ‏فقال:‏‏ «وَيْحَكَ! ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللهَ وَتُبْ إِلَيْهِ». قال: فرجع غير بعيدٍ، ثمَّ جاء؛ فقال: يا رسول الله ‏طهِّرني،. ‏فقال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم:‏ «وَيْحَكَ ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللهَ وَتُبْ إِلَيْهِ». قال: فرجع غير بعيدٍ ثمَّ جاء؛ فقال: يا رسول الله ‏طهِّرني. ‏فقال النَّبيُّ ‏صلى الله عليه وسلم ‏مِثْلَ ذلك حتى إذا كانت الرابعة، قال له رسول الله: «فِيمَ أُطَهِّرُكَ؟» فقال: من الزِّنا. فسأل رسول الله‏ ‏‏صلى الله عليه وسلم:‏ «‏أَبِهِ جُنُونٌ؟» فَأُخْبِرَ أنَّه ليس بمجنونٍ فقال: «أَشَرِبَ خَمْرًا؟» فقام رجلٌ ‏فَاسْتَنْكَهَهُ ‏‏فَلَمْ يَجِدْ منه ريح خمرٍ. قال: فقال رسول الله‏ ‏‏صلى الله عليه وسلم: «أَزَنَيْتَ؟» فقال: نعم .
  • إننا نرى هنا موقفًا من أعظم مواقف العقل والحكمة والرحمة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أنه موقف رجم لإنسان، وهو أمر شديد ولا شكَّ.. إن ماعزًا جاء ليعترف بالزنا ليُقام عليه الحدُّ، جاء معترفًا دون أن يُكرهه أحدٌ، لقد جاء تائبًا مقرًّا بذنبه يُريد أن يتخلَّص منه في الدنيا قبل حساب الآخرة، والحدود كفارة -كما ذكرنا قبل ذلك- وقد جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلًا له: طَهِّرني. وقد شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوهلة الأولى أن الرجل قد ارتكب ذنبًا عظيمًا، فلا شكَّ أن هذا كان باديًا على قسمات وجهه، وعلى نبرات صوته، لكنَّه مع ذلك لم يسأله عن ذنبه، ولو من باب الفضول، فإنه أراد أن يتكتَّم عليه لئلاَّ يُقيم عليه حدًّا، وهذا من رحمته العظيمة ‏صلى الله عليه وسلم، ولكن ماعزًا كان مُصِرًّا على الاعتراف، وصرَّح في المرة الرابعة بذنبه، ومع ذلك لم يتلقَّف رسول الله صلى الله عليه وسلم منه الاعتراف كما يحدث في كثير من بلاد العالم ويُسَجِّله عليه، بل راجعه أكثر من مرَّة ليتراجع، وذلك رحمة به، فسأل عن عقله: هل به جنون؟ فقالوا: لا. فسأل عن شربه للخمر؛ فلعلَّه قد أذهب عقله فاعترف بما لم يفعل، وحدُّ الخمر أهون من حدِّ الزنا للمحصن، ولكن ماعزًا لم يكن شاربًا للخمر.. إنها محاولات حقيقية من رسول الله صلى الله عليه وسلم لدرء الحدِّ والتجاوز عن ماعز، بل إنه ‏صلى الله عليه وسلم في روايات أخرى التفت إلى قوم ماعز وسألهم: «أَتَعْلَمُونَ بِعَقْلِهِ بَأْسًا تُنْكِرُونَ مِنْهُ شَيْئًا». فقالوا: ما نعلمه إِلاَّ ‏ ‏وَفِيَّ ‏ ‏العقل من صالحينا فيما نُرَى(مسلم).
  • كان النبي يسأل عن عقل الرجل ليحثَّه على التفكير في خلق الله، والتفكر في آياته، وذلك لاستخلاص الدروس والعبر. 
  • في حديث عن البراء بن عازب، قال الرسول: "إنَّ لكلِّ إنسانٍ سبيلَ مطيةٍ وثيقةٍ ومحجَّةً واضحةً، وأوثقُ الناسِ مطيةً وأحسنُهُم دلالةً ومعرفةً بالحجةِ الواضحةِ أفضلُهم عقلاً".
  • في حديث عن ابن عمر، قال الرسول: "إن الرجل ليكون من أهل الصيام وأهل الصلاة وأهل الحج وأهل الجهاد فما يجزى يوم القيامة إلا بقدر عقله" (الطحاوي والطبراني والبيهقي).. 
 والقرآن الكريم يخاطب العقلاء وليس غيرهم من المهج الرعاع، قال ــ تعالى ــ: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}، وتصف الآيات المباركة حوارا بين اصحاب الجنة، واصحاب السعير {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}، فمن يعطّل عقله يدخل النار، قال رسول الله، صلى الله عليه وآله: “أفضل الناس أعقل الناس”.
الالتزام بالاخلاق الفاضلة نتيجة العقل
قال النبي، صلى الله عليه وآله: صفة العاقل أن يحلم عمن جهل عليه ويتجاوز عمن ظلمه، ويتواضع لمن هو دونه ، ويسابق من فوقه في طلب البر، وإذا أراد أن يتكلم تدبر فإن كان خيرا تكلم فغنم وإن كان شرا سكت فسلم، وإذا عرضت له فتنة استعصم بالله، وأمسك يده ولسانه، وإذا رأى فضيلة انتهز بها، لا يفارقه الحياء، ولا يبدو منه الحرص، فتلك عشر خصال يعرف بها العاقل”.

الانسان العاقل لا يُستفز بكلمات الجهّال، بل ما لديه من عقل يدفعه الى التأني، فكم من خطر يواجه المؤمن، لكن بصفة الحلم يدفعه، وصفة العاقل أن يحلم عمن جهل عليه، {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً}، فالعاقل لا يصرف وقته وأعصابه للرد على الجهّال، وثمانون بالمئة من الصراعات في المجتمعات قائمة على انعدام الحلم، والعاقل يخرج سالما، فلا تراه يدخل في قضايا بسيطة وتافهة، فهو يعرف متى يثور، وأين يحلم.

“ويتجاوز عمن ظلمه” وهنا ليس المقصود الحكومات والطغاة الذين يظلمون الناس، بل الناس فيما بينهم، فالمؤمن يتجاوز عن المؤمن.
"ويتواضع لمن هو دونه” إذا تواضع إنسان كبير لصغير فهو يكسبه، والعاقل هو من يكسب الناس.

عباد الله:" 
يقول الله تعالي: ""الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولٰٓئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولٰٓئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ"(الزمر/18).


إن العقل الذي وهبه الله للإنسان وكرَّمه به وفضّله على غيره من المخلوقات هو أداةُ فهم الحق ويُسمى مَنْ صحَّت عنده هذه الأداةُ بالعاقل.
والحديث يُبيّن من هو العاقل حقَّ العقل فكان العاقل بوصف الصحابة يختلف عن العاقل الذي وصفه الرسول؛ فالعاقل الذي وصفه الصحابة: هو عاقل يؤدي التكاليف الشرعية ويضبط تصرفاته وَفْقَها، وهو الكريم صاحب الرأي والمروءة، ولكنه بوصف المصطفى هو المتقي ربَّه في السر والعلن الذي يطلب الآخرة ويسعى لنيل رضوان الله عزّ وجل. أما صاحب المال والجاه والرأي والمتاع فهو وإن كان عاقلاً، فهو ليس كما وصف الرسول، وإن كان وَصْفُ الصحابة للعاقل فيه من الرجاحة والرأي ما فيه، إلا أن وصف الرسول صلى الله عليه وسلم أرجحُ وأصوب رأياً.

الله تبارك وتعالى جعل هذه الدنيا مرحلة ينتقل منها إلى الآخرة، فالعاقل من ينتهز الفرصة فرصة الحياة وفرصة الشباب وفرصة الفراغ وفرصة الاستطاعة لاكتساب زاد الآخرة، فأما من غفل عن ذلك فهو خاسر.

هو الذي يستغل عقله في الخير ويتجنب الشر، ويمتلك صفات مثل الحلم والصبر والشكر، ويدرك أهمية العواقب الأبدية. هو ليس بالضرورة الذي يمتلك أعلى درجات الذكاء، بل هو من يُدير قواه العقلية بشكل إيجابي ليتصرف وفقًا لأوامر الله.
يُدير غرائزه ولا يندفع وراءها: العاقل لا يؤثر اللذة العاجلة لأنه يدرك أن الدنيا زائلة. هو من يتحلى بالصبر عند الابتلاء ويشكر عند النعمة.
يعرف الخير فيطلبه والشر فيتركه: يمتلك بصيرة تمكنه من التمييز بين الحق والباطل.
يتكلم بصدق وحكمة: يعرف متى يتكلم ومع من يتكلم، وإذا صمت تفكر وإذا تكلم ذكر.
يُطبق ما يعلم: العاقل هو الذي إذا علم عمل، وهو من يحرص على تطبيق ما يعرف من تعاليم الدين في حياته اليومية.
يتحلى بالحلم: لا ينساق وراء غضبه، بل يملك نفسه عند الغضب.
يتحمل المسؤولية: هو المسؤول عن أفعاله لأنه يمتلك القدرة على الإدراك والتمييز، والعقل هو أساس التكليف في الإسلام.
 

وإن من حرص الإسلام على إعمال العقول وتنمية الفكر الإيجابي أن جعل التفكر في آيات الله عبادة عظيمة، وذلك لما يثمره من صلاح القلب، وزيادة الإيمان، وتثبيت اليقين وغرس الخوف والخشية من الله، والبعد عن المعاصي؛ قال عز وجل:"إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"(آل عمران190)، ويقول النبي صلى الله عليه وسلمَ : "لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةٌ، وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا :"إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ"(آل عمران190)" (صحيح ابن حبان).

إن العقول المـحمدية هي تلك العقول التي اهتدت بهدي القرآن الكريم، وسارت على تعاليم النبي صلى الله عليه وسلمَ فأخذت من سيرته وسريرته، وتخلقت بأخلاقه، واهتدت بهديه، واقتفت أثره، فتهذبت واستقام مسارها، وأثمرت نفعًا لصاحبها وللناس، وما أعظم قول النبي صلى الله عليه وسلمَ : "خَيْرُ ‌النَّاسِ ‌أَنْفَعُهُمْ ‌لِلنَّاسِ"(الطبراني).
فالعقول المحمدية أوسع العقول أملا وأكثرهم تفاؤلا واستبشارا؛ فإذا أَعْسَرَ صاحب العقل المحمدي أو ضاق به أمر، لم ينقطع أمله في اليُسْر والفرج؛ فقد قال تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) (الشرح: 5-6).
وإذا سعى، لم ينقطع أمله في الرزق؛ قال تعالى: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) (هود: 6).
وإذا دعا الله لم ينقطع أمله في الإجابة؛ قال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة: 186).
وإذا اقترف ذنباً، لم ينقطع أمله في العفو والمغفرة؛ قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر: 53).
العقول المحمدية تحافظ على الطاعة والتقرب إلى الله (عز وجل): فقد قال تعالى: (مَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) (الأحزاب: 71).

العقول المحمدية تحافظ على العمل: إذ يقول النبي صلى الله عليه وسلمَ : "إنْ قامَتِ السَّاعةُ وفي يدِ أحدِكُم فَسيلةٌ فإنِ استَطاعَ أن لا تَقومَ حتَّى يغرِسَها فلْيغرِسْها".
العقول المحمدية تحرص على العلم: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلمَ: "وإنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ، وإنَّ الأنبياءَ لم يُورِّثُوا دينارًا ولا درهمًا، ورَّثُوا العِلمَ فمن أخذَه أخذ بحظٍّ وافرٍ" ( أبو داود).
العقول المحمدية، تتمسك بالأخلاق الطيبة والسلوك الحسنة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلمَ : "إنَّ مِن أحبِّكم إليَّ وأقربِكُم منِّي مجلسًا يومَ القيامةِ أحاسنَكُم أخلاقًا" (الترمذي).
العقول المحمدية هي تلك العقول التي ترتقى بكل معاني الإيجابية، وتنبذ معاني السلبية؛ وإن من حرص القرآن الكريم على تعزيز التفكير الإيجابي ومواجهة التفكير السلبي، أن حث على شغل العقول بالخير، ومنعها عن الشر، قال تعالى:"لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ"(النساء: ١١٤)، وقال سبحانه:"وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَان"(المائدة: ٢)، كما ضرب الله (عز وجل) لنا الأمثال في كتابه العزيز لحكم عظيمة، منها إيقاظ العقول حتى تأتمر بأوامره (سبحانه وتعالى) وتنزجر عن نواهيه، وتهتدي بنور الطاعة، ومن ذلك تلك الصورة التي تظهر الفارق بين من يحمل في نفسه طاقة على الخير والعمل وبين من لا يحمل لنفسه نفعا ولا لغيره عطاء، قال تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ"(النحل: 76).
كما دلنا النبي صلى الله عليه وسلمَ على التفكير الإيجابي، قولاً وعملاً،
فتراه يقول: "بَادِرُوا بالأعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِم" (مسلم)، ويقول: "اغْتَنِمْ خَمْسًا قبلَ خَمْسٍ: شَبابَكَ قبلَ هَرَمِكَ، وصِحَّتَكَ قبلَ سَقَمِكَ، وغِناكَ قبلَ فَقْرِكَ، وفَرَاغَكَ قبلَ شُغْلِكَ، وحَياتَكَ قبلَ مَوْتِكَ"، ويقول: وَاسْتَعِنْ باللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ" ( مسلم).

ولما مر على هذا التاجر الذي شغل عقله بغش الناس وأذاهم في أموالهم، أخذ بزمام عقله وحوله من أذى الناس إلى نفعهم، ومن الاعتداء على أموالهم إلى حفظ حقوقهم، فعن أبي هريرة أنَّ رَسولَ اللهِ (صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ) مَرَّ علَى صُبْرَةِ طَعامٍ فأدْخَلَ يَدَهُ فيها، فَنالَتْ أصابِعُهُ بَلَلًا فقالَ: "ما هذا يا صاحِبَ الطَّعامِ"؟ قالَ أصابَتْهُ السَّماءُ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: "أفَلا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعامِ كَيْ يَراهُ النَّاسُ، مَن غَشَّ فليسَ مِنِّي" (
مسلم)،.

ولما سمع من ذلك الشاب الذى جاء يطلب منه إذن بالزنا، أخذ بزمام عقله، من أن يفكر في الاعتداء على الحرمات والأعراض إلى أن ينير بحفظها، فقال له: "أتحبُّه لأُمِّكَ؟" فقال: لا، جعلني اللهُ فداك، قال: "كذلك الناسُ لا يُحبُّونَه لِأمَّهاتِهم، أتحبُّه لابنتِك؟" قال: لا، جعلني اللهُ فداك. قال: "كذلك الناسُ لا يُحبُّونَه لبناتِهم، أتحبُّه لأختِك؟" ثم ذكر العمة والخالة، قال سيدنا أبو أمامة رضي الله عنه) – راوي الحديث- فوضع رسولُ اللهِ (صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم) يدَه على صدرِه وقال: "اللهمَّ طهِّرْ قلبَه واغفر ذنبَه وحصِّنْ فَرْجَه"، فلم يكن شيءٌ أبغضَ إليه منه.

ولما جاءه هذا الرجل الذي جعل قوته وقوت أولاده من سؤال الناس، أخذ بزمام عقله من أن يكون عالة على المجتمع هذا يعطيه وهذا يرده، إلى أن يكون رجلا نافعا عاملا، فقال له: أمَا في بَيتِكَ شَيءٌ ؟ قال : بَلَى، حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعضَهُ ونَبْسُطُ بَعضَهُ، وقَعْبٌ نَشرَبُ فيه من الماءِ قال : ائْتِنِي بِهِما. فأَتَاهُ بِهِما، فأخَذَهُما رسولُ اللهِ بِيدِهِ وقالَ : مَنْ يَشتَرِي مِنِّي هَذيْنِ ؟ قال رجلٌ : أنا آخُذُهُما بِدِرْهَمٍ. قال رسولُ اللهِ : مَنْ يَزِيدُ على دِرْهَمٍ. ( مَرَّتيْنِ أو ثلاثًا ) ؟ قال رَجلٌ : أنا آخُذُهُما بِدرْهَمَيْنِ. فأعطاهُمَا إيَّاهُ، فأخَذَ الدِّرْهميْنِ فأعطاهُما الأنصارِيَّ وقالَ : اشْتَرِ بِأحدِهِما طعامًا فانْبِذْهُ إلى أهلِكَ، واشْتَرِ بالآخَرِ قَدُومًا فائْتِنِي به فأَتَاهُ، فشَدَّ فيه رسولُ اللهِ عُودًا بِيدِهِ ثُمَّ قال : اذهبْ فاحْتَطِبْ وبِعْ، ولا أرَيَنَّكَ خَمسَةَ عَشَرَ يومًا فَفَعَلَ، فجاء وقَدْ أصابَ عَشْرةَ دَراهِمَ، فاشْتَرَى بِبَعضِها ثَوبًا وبِبَعضِها طعامًا، فقال رسولُ اللهِ : هذا خَيرٌ لكَ من أنْ تَجِيءَ المسألَةَ نُكْتَةً في وجهِكَ يومَ القيامةِ.

ولقد عاش الصحابة (رضي الله عنهم) معه (صلى الله عليه وسلمَ)، وتأثروا بتفكيره الإيجابي، فكان لهذا التفكير أثرا عميقا يسري في أرواحهم قبل عقولهم، فانبثقت في نفوسهم معاني الإيمان واليقين، وتهذبت طباعهم بأخلاقه الرفيعة، وتربت قلوبهم على كل المعاني الطيبة الكريمة، فانعكس كل توجيه يصدر عنه نورا في سلوكهم، وأفعالهم وأقوالهم وحياتهم كلها، حتى آثروا غيرهم على أنفسهم كما هو حال النبي (صلى الله عليه وسلمَ)، فعن أبي هريرة (رضي الله عنه) أنَّ رَجُلًا أتَى النَّبيَّ (صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ)، فَبَعَثَ إلى نِسَائِهِ، فَقُلْنَ: ما معنَا إلَّا المَاءُ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ): مَن يَضُمُّ -أوْ يُضِيفُ- هذا؟ فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ: أنَا، فَانْطَلَقَ به إلى امْرَأَتِهِ، فَقالَ: أكْرِمِي ضَيْفَ رَسولِ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ)، فَقالَتْ: ما عِنْدَنَا إلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، فَقالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ، وأَصْبِحِي سِرَاجَكِ، ونَوِّمِي صِبْيَانَكِ إذَا أرَادُوا عَشَاءً، فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، ونَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فأطْفَأَتْهُ، فَجَعَلَا يُرِيَانِهِ أنَّهُما يَأْكُلَانِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أصْبَحَ غَدَا إلى رَسولِ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ)، فَقالَ: "ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ -أوْ عَجِبَ- مِن فَعَالِكُما." فأنْزَلَ اللَّهُ: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون) (لحشر: 9).

وانظر ماذا كان من سيدنا أبي هريرة (رضي الله عنه) فعنه أنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلمَ): "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ صَائِمًا؟" قَالَ أَبُو بَكْرٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه): أَنَا، قَالَ: "فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟" قَالَ أَبُو بَكْرٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ): أَنَا، قَالَ: "فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟" قَالَ أَبُو بَكْرٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ): أَنَا، قَالَ: " فَمَنْ عَادَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟" قَالَ أَبُو بَكْرٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ): أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلمَ): "مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ"(مسلم)

وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ(رضي الله عنه) قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ عِنْدَ دَارِ خَالِدِ بْنِ عُقْبَةَ الَّتِي بِالسُّوقِ. فَجَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يُنَاجِيَهُ، وَلَيْسَ مَعَ عَبْدِ اللهِ أَحَدٌ غَيْرِي، وَغَيْرُ الرَّجُلِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يُنَاجِيَهُ، فَدَعَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَجُلاً آخَرَ حَتَّى كُنَّا أَرْبَعَةً، فَقَالَ لِي وَلِلرَّجُلِ الَّذِي دَعَاهُ: اسْتَرْخَيَا شَيْئاً ‌فَإِنِّي ‌سَمِعْتُ ‌رَسُولَ ‌اللهِ (صلى الله عليه وسلمَ) يَقُولُ: "لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ".

إن طريق التقدم والازدهار والفلاح والنجاح مرهون بإيجابية العقول، بإعمال العقل في الخير، ومن ثم فمن أعمله في الشر فقد خاب وخسر، فالتفكير الإيجابي يثمر في القلوب نورا وفي الجوارح عطاء؛ يثمر التفاؤل، وحب الناس، والألفة والمودة وجميع معاني العطاء، والنبي (صلى الله عليه وسلمَ) يقول: "والذي نفسُ مُحَمَّدٍ بيدِهِ لا يُؤْمِنُ أحدُكُم حتى يُحِبَّ لِأَخِيهِ ما يُحِبُّ لنفسِهِ من الخيرِ"، كما يثمر حسن الظن بالله (عز وجل) والثقة بما عنده من الفضل والأجر، وسيدنا عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) يقول: "والذي لا إله غيره ما أعطي عبد مؤمن شيئا خيرا من حسن الظن بالله تعالى، والذي لا إله غيره لا يحسن عبد بالله الظن إلا أعطاه الله عز وجل ظنه، ذلك بأن الخير في يده "(ابن أبي الدنيا).

أما التفكير السلبي فيعطل الطاقات، ويورث الحسد والحقد، وما كان على شاكلتهما، والنبي صلى الله عليه وسلمَ يقول: "لا تَحاسدُوا، وَلا تناجشُوا، وَلا تَباغَضُوا، وَلا تَدابرُوا"، بل وربما يصل بالعبد إلى القنوط واليأس، ولقد جاء عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (رضي الله عنهما)، أَنَّ رَجُلا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْكَبَائِرُ؟ قَالَ: "الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالإِياسُ مِنْ رُوحِ اللَّهِ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ".
 

الخطبة الثانية
الحمدلله والصلاة والسلام علي رسول الله وبعد

عباد الله:" والعقل له آفات ينبغي الحذر منها،قال الإمام ابنُ حِبَّان رحمه الله: "آفة العقل العُجْب، والعاقل لا يستحقر أحدًا؛ لأن مَن استحقر السلطان أفسد دُنْياه، ومن استحقر الأتقياء أهلك دينه، ومن استحقر الإخوان أفنى مروءته، ومن استحقر العام أذهب صيانته، وآفة العقل الصَّلَف الكِبْر والبلاء المردي، والرخاء المفرط؛ لأن البلايا إذا تواترت عليه أهلكت عقله، والرخاء إذا تواتر عليه أبطره، ورأس العقل المعرفة بما يمكن كونه قبل أن يكون.

قوت الأجساد: المطاعم، وقوت العقل: الحكم، فكما أن الأجساد تموت عند فقد الطعام والشراب، كذلك العقول إذا فقدت قوَّتها من الحكمة ماتَتْ.

من عقوبات الذنوب والمعاصي: أنه تؤثر بالخاصية في نقصان العقل، فلا تجد عاقلينِ أحدهما مُطيعٌ لله، والآخر عاصٍ إلا وعقل المطيع منهما أوفر وأكمل، وفكره أصحُّ، ورأيه أسدُّ، والصواب قرينه".

المخالفون للرسل سفهاء؛ لقوله تعالى:" وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ "(البقرة: 130)،
وقوله في المنافقين:" أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ "(البقرة: 13)،
وقوله تعالى:" سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا "(البقرة: 142).
فإنهم وإن كانوا أذكياء وعندهم علم بالصناعة والسياسة هم في الحقيقة سفهاء؛ لأن العاقل هو الذي يتبع ما جاءت به الرسل فقط.

يتلقَّى أحكام الله عز وجل بالقبول والانقياد والتسليم:
 

• قال العلامة السعدي رحمه الله: لا يعترض على أحكام الله إلا سفيهٌ جاهلٌ معاندٌ، وأمَّا الرشيد المؤمن العاقل، فيتلقَّى أحكامَ ربِّه بالقبول والانقياد والتسليم، كما قال تعالى:" وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ "(الأحزاب: 36).
قال وكيع بن الجراح: إنما العاقل مَن عقل عن الله أمرَه ليس من عقل أمرَ دنياه.

قال الإمام ابن حِبَّان رحمه الله: أول شعب العقل هو لزوم تقوى الله وإصلاح السريرة؛ لأن من صلح جوَّانيه "باطنه" أصلح الله برَّانيه "ظاهره"، ومن فسد جوَّانيه أفسد الله برَّانيه.

قال الإمام ابن حزم رحمه الله: حد العقل استعمال الطاعات والفضائل، وهذا الحد ينطوي فيه اجتناب المعاصي والرذائل، وقد نصَّ الله تعالى في غير موضع من كتابه على أنَّ مَن عصاه لا يعقل، قال الله حاكيًا عن قوم: ﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ "
(الملك: 10).

قال الله سبحانه وتعالى:"الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ "(الزمر: 18)؛
: أعقل الناس أطوعُهم لله تعالى؛ ولهذا قال تعالى: " وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ "(الزمر/ 18).
قال العلامة الشنقيطي رحمه الله: العقل الصحيح هو الذي يعقِل صاحبَه عن الوقوع فيما لا ينبغي، كما قال جل وعلا عن الكفار:" وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ"(الملك: 10)،
يعمل لآخرته، ولا يغترُّ بزخرف الحياة الدنيا:
قال علي رضي الله عنه: العاقل الذي لم يحرمه نصيبُه من الدنيا حظَّهُ من الآخرة.


google-playkhamsatmostaqltradent