recent
أخبار عاجلة

هل الميت يعذب ببكاء أهله عليه؟

هل الميت يعذب ببكاء أهله عليه؟



 الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فليس كل ميت يعذب ببكاء أهله عليه، فهذا الأمر محل خلاف وتأويل بين العلماء؛

قوله - صلى الله عليه وسلم :" إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه " وفي رواية "ببعض بكاء أهله عليه " وفي رواية " ببكاء الحي " وفي رواية"يعذب في قبره بما نيح عليه" وفي رواية "من يبك عليه يعذب " وهذه الروايات من رواية عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله عنهما ، وأنكرت عائشة ونسبتها إلى النسيان والاشتباه عليهما ، وأنكرت أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك ، واحتجت بقوله تعالى:" ولا تزر وازرة وزر أخرى" قالت : وإنما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في يهودية أنها تعذب وهم يبكون عليها يعني تعذب بكفرها في حال بكاء أهلها لا بسبب البكاء واختلف العلماء في هذه الأحاديث فتأولها الجمهور على من وصى بأن يبكى عليه ويناح بعد موته فنفذت وصيته ، فهذا يعذب ببكاء أهله عليه ونوحهم ؛ لأنه بسببه ومنسوب إليه . قالوا فأما من بكى عليه أهله وناحوا من غير وصية منه فلا يعذب لقول الله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى قالوا : وكان من عادة العرب الوصية بذلك ومنه قول طرفة بن العبد :

إذا مت فانعيني بما أنا أهله وشقي علي الجيب يا ابنة معبد

  قالوا : فخرج الحديث مطلقا حملا على ما كان معتادا لهم . 

وقالت طائفة : هو محمول على من أوصى بالبكاء والنوح أو لم يوص بتركهما . فمن أوصى بهما أو أهمل الوصية بتركهما يعذب بهما لتفريطه بإهمال الوصية بتركهما فأما من وصى بتركهما فلا يعذب بهما إذ لا صنع له فيهما ولا تفريط منه . وحاصل هذا القول إيجاب الوصية بتركهما ، ومن أهملهما عذب بهما . وقالت طائفة : معنى الأحاديث أنهم كانوا ينوحون على الميت ويندبونه بتعديد شمائله ومحاسنه في زعمهم ، وتلك الشمائل قبائح في الشرع يعذب بها كما كانوا يقولون : يا مؤيم النسوان ، ومؤتم الولدان ومخرب العمران ومفرق الأخدان ، ونحو ذلك مما يرونه شجاعة وفخرا وهو حرام شرعا . وقالت طائفة : معناه أنه يعذب بسماعه بكاء أهله ويرق لهم وإلى هذا ذهب محمد بن جرير الطبري وغيره .

وقال القاضي عياض : وهو أولى الأقوال ، واحتجوا بحديث فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - زجر امرأة عن البكاء على أبيها وقال :" إن أحدكم إذا بكى استعبر له صويحبه فيا عباد الله لا تعذبوا إخوانكم" وقالت عائشة رضي الله عنها : معنى الحديث أن الكافر أو غيره من أصحاب الذنوب يعذب في حال بكاء أهله عليه بذنبه لا ببكائهم والصحيح من هذه الأقوال ما قدمناه عن الجمهور وأجمعوا كلهم على اختلاف مذاهبهم على أن المراد بالبكاء هنا البكاء بصوت ونياحة لا مجرد دمع العين

  فالسيدة عائشة رضي الله عنها ردت هذا المعنى بأن المراد أن الله يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه، ولا يشمل ذلك المسلم، وذلك تأكيدًا على أن كل نفس مسؤولة عن عملها كما في قوله تعالى:"وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى"(الأنعام: 164).

عندما ذُكر هذا الحديث لعائشة، ردته وأكدت أن هذا يتعارض مع القرآن الكريم، موضحة أن النبي قال: "إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه".

المقصود بالكافر: ذهب جمهور العلماء إلى أن المقصود بالميت في هذا الحديث هو الكافر، وليس المؤمن.

الألم وليس العذاب الدائم: يرى البعض أن المراد بالعذاب هو الألم الشديد الذي يتألم به الميت، خاصة إذا كان ميتًا غير مؤمن.

الحكمة من وراء التحذير: إنكار عائشة للحديث أو تأويلها له له حكمة؛ فهو يبيّن أن الحزن الشديد والبكاء المصحوب بالنّياحة التي قد تُبكي الناس وتُلهب مشاعرهم ليس من عمل الميت في شيء، ولا يُحاسب عليه.

تأكيد مسؤولية الفرد: يهدف تأويل عائشة إلى التأكيد على مبدأ العدل الإلهي، وأن كل شخص يُحاسب على فعله فقط، ولا يُؤخذ بجريرة غيره.

عقاب النائحة 

النائحة التي لا تتوب عن فعلتها قبل موتها تُعاقب في الآخرة بأن تُقام يوم القيامة، وعليها سربال من قطران ودرع من جرب، وهذا السربال والدرع هما بمثابة عقاب من جنس العمل، حيث تمثل النياحة تبرؤًا من الصبر ورضا بقضاء الله، فالقطران والجرب هما عقوبة تزيد  البلاء والمشقة، وفقًا للأحاديث النبوية 

  عَنْ أبي مالِكٍ الأشْعَريِّ  قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: النَّائِحَةُ إذَا لَمْ تتُبْ قَبْل مَوْتِهَا تُقَامُ يوْمَ الْقِيامةِ وعَلَيْها سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، ودِرْعٌ مِنْ جرَبٍ "(مسلم).

السربال هو الثوب، والقطران مادة معروفة (تشبه الزفت) لها رائحة كريهة جدًا  

الجرب هو مرض جلدي مؤلم، ودرع الجرب يعني أن جلدها بالكامل سيكون مصابًا بهذا المرض  

العقوبة من جنس العمل:

هذه العقوبة شديدة لأنها تناسب فعل النائحة التي لم تتوب، فالقطران يغطّي جسدها ويؤلمها، والجرب يجعلها تتألم جسديًا، وهذا يمثل جزاءً على ما غطّت به مصيبتها بالنياحة بدلًا من الصبر.

النياحة مخالفة للشريعة الإسلامية، وتشمل الصراخ المبالغ فيه، وشق الثياب، وحلق الشعر، وكلها تدل على عدم الرضا بقضاء الله وقدره، وعدم الصبر على المصيبة، وهي من أمور الجاهلية التي نهى عنها الإسلام  

وعنْ أسيدِ بنِ أبي أسيدٍ التَّابِعِيِّ، عَنِ امْرَأَةٍ مِنَ المُبايعات قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أخَذَ علَيْنَا رَسُولُ اللَّه ﷺ فِي المَعْرُوفِ الَّذِي أخذَ علَيْنَا أنْ لا نَعْصِيَهُ فِيهِ: "أَنْ لا نَخْمِشَ وَجْهًا، ولا نَدْعُوَ وَيْلًا، وَلا نَشُقَّ جَيْبًا، وأنْ لا نَنْثُر شَعْرًا"(أبو داوُدَ بإسْنادٍ حسنٍ).

 وعَنْ أَبي مُوسَى  : أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا مِنْ ميِّتٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ باكِيهمْ فَيَقُولُ: وَا جبلاهُ! وا سَيِّداهُ! أوَ نَحْو ذَلِك إلَّا وُكِّل بِهِ مَلَكَانِ يَلْهَزَانِهِ: أهَكَذَا كُنتَ؟(التِّرْمِذي)

وعَنْ أبي هُريْرةَ  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: اثْنتَانِ في النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، والنِّياحَة عَلى المَيِّتِ"(مسلم).

فهذه الأحاديث من بقية الأحاديث الدالة على تحريم النياحة على الميت، وشقّ الثياب، ولطم الخدود، وشقّ الجيوب.

فالمقصود من هذا أنَّ الواجب على أهل الميت الصبر والاحتساب وعدم الجزع؛ لأنَّ الله يقول: وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ"(الأنفال:46)، 

ويقول جل وعلا: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ  الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ "(البقرة:155-157)، 

ويقول ﷺ: ما من عبدٍ يُصاب بمصيبةٍ فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم اجُرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها؛ إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها، ويقول جل وعلا: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ "(الزمر:10).

فالواجب على أهل الميت وأقاربه أن يتَّقوا الله، وأن يحذروا الجزع، والنياحة، وشق الثياب، ولطم الخدود، ونتف الشعر، كل هذا منكر، و قوله ﷺ: ليس منا من ضرب الخدود، أو شق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية، وقوله ﷺ: أنا بريءٌ من الصالقة، والحالقة، والشاقة، فقد تبرأ منهم.

الصالقة: التي ترفع صوتها بالمصيبة، والحالقة: التي تحلق شعرها، والشاقة: تشق ثوبها.

ويقول ﷺ في حديث أبي مالك الأشعري: النائحة إذا لم تتب قبل موتها تُقام يوم القيامة وعليها سربالٌ من قطران، ودرع من جرب، وأصل الحديث: أربعٌ في أمتي من أمور الجاهلية، لا يتركونهنَّ: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة يعني: على الموتى، وقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها تُقام يوم القيامة وعليها سربالٌ من قطرانٍ، ودرعٌ من جربٍ، يكون هذا أشد في اشتعال النار والعذاب.

ويقول عليه الصلاة والسلام: «اثنتان في الناس هما كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت» فهذا من الكفر العملي، من الكفر الأصغر، فالطعن في أنساب الناس، والنياحة على الموتى، هذا من الكفر الأصغر، من المعاصي.

وأخذ النبي ﷺ على النساء في البيعة: ألا يَنُحْنَ.

وفي الحديث الآخر: أنَّ المرأة إذا قالت عند موت صاحبها: وا جبلاه! وا انقطاع ظهراه! وا ..! وا ..! يُكلَّف ملكان فينهزانه ويقولان: أنت كذلك؟ أنت كذلك؟ وهذا نوعٌ من التعزير.

فالواجب على كل حال عند المصائب: التأدب بآداب الله، والصبر والاحتساب، والحذر من الكلام السيئ، والفعل السيئ.

وهذا العذابُ يكونُ على النِّياحةِ والتَّعديدِ؛ لِما فيهما مِن إظهارِ الاعتراضِ على قدَرِ اللهِ، أمَّا بُكاءُ الحُزنِ والرَّحمةِ على الميِّتِ، فلا شَيءَ فيه؛ فقدْ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم:"هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللهُ فِي قُلوبِ عِبَادِه، وإنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِن عِبَادِه الرُّحَمَاءَ"(متَّفقٌ عليه).

وفي الحَديثِ: عَلامةٌ مِن عَلاماتِ نُبوَّتِه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم.

وفيه: التَّحذيرُ مِن الفَخرِ بالأَحسابِ، والطَّعنِ في الأَنسابِ.

وفيه: الدَّعوةُ إلى حِفظِ أَعراضِ النَّاسِ وعَدمِ الخَوضِ فيها.

وفيهِ: أنَّ قَدْرَ الإنسانِ تَكونُ بقَدْرِ شَخصِه وأَفعالِه، ولَيس بِما فَعَلَه آباؤُه.

وفيهِ: التَّحذيرُ مِن النِّياحةِ عَلى الأَمواتِ.

وفيه: أنَّ المَطرَ مِن عندِ اللهِ سُبحانه وَلا دَخْلَ للنُّجومِ فيه، فَلا تُطلَبُ السُّقيا إلَّا مِنَ الخالقِ القادرِ عَلى إنزالِ المَطرِ. 

google-playkhamsatmostaqltradent