أسباب النصر على الأعداء .
الحمدُ للهِ الذي كتبَ العِزَّةَ للمؤمنين، وجعلَ النصرَ حليفَ المتقين، والصلاةُ والسلامُ على سيّد ولد عدنان محمدٍ بن عبد الله، القائدِ المُعلّم، الذي نصره الله يوم بدرٍ وهو قليل، وأيّده يوم الأحزابِ بكلماتٍ وبريحٍ وجنودٍ لم تَروها، وعلى آله وصحبه الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه فكانوا خيرَ جندٍ لدين الله.
أما بعد:
▪️ الدنيا دار ابتلاء وامتحان يتعرض فيه المؤمن لشتى أنواع التقلبات، من يسر وعسر، وسراء وضراء، كما أقسم الله تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 35].
وفي سياق هذا الابتلاء، يقع الصراع المحتوم مع الأعداء؛ وهنا تظهر سُنّة تداول الأيام، فما يصيب المؤمنين من نصب أو جراح، يصيب الأعداء مثله.
قال تعالى: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140].
اي ان يمسسكم قتل أو جراح فقد أصاب أعداءكم مثله ، وتلك الأيام نداولها بين الناس،فيوم لكم ويوم عليكم ويوم تنصرون يوم تهزمون"
تفسير ابن كثير (3/ 199 - 200)1).
إن هذه المعركة تحفها عداوة متأصلة قديمة من قِبل الكفار، هدفها الرئيسي هو إبعاد المؤمنين عن دينهم بشتى الطرق، قال سبحانه: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217].
وقال تعالى: {لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلاَ ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ} [التوبة: 10].
▪️ والنصر على الأعداء له أسباب كثيرة، والأمة الإسلامية اليوم أحوج ما تكون لفهم قوانين النصر وسنن الله في التمكين، فما النصر بالتمني ولا بالشعارات، ولكنه بطاعة ربّ الأرض والسماوات، وبأخذ الأسباب المادية والروحية معاً، كما قال تعالى:
﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللّٰهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ ـ سورة محمد (٧)
فهذا وعدٌ ربّانيّ لا يتخلّف، لكن له شروط، وله أبواب لا ينالها إلا الصادقون
ومن هذه الأسباب :
أولاً: الإيمان بالله، والعمل الصالح.
- قال تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ} [الروم: 47].شرطُ النصر هنا مقترن بصفة (المؤمنين)، لا بالأمنيات ولا الأعداد.
- وقال سبحانه :
{إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} [غافر: 51].
* والمؤمنون الموعودون بالنصر هم الموصوفون بقوله تعالى: {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الأنفال: 2 - 3].
- وقال تعالى: {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ} [النور: 55].
وقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللّٰهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ ـ الأنفال (٢٩)
والفرقانُ: نورٌ، وسدادُ رأي، وثباتُ قدم، وتوفيقٌ في ساحات الوغى.
* وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله ﷺ:« احفَظِ اللَّهَ يحفَظكَ ، احفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تجاهَكَ ، إذا سأَلتَ فاسألِ اللَّهَ ، وإذا استعَنتَ فاستَعِن باللَّهِ ، واعلَم أنَّ الأمَّةَ لو اجتَمعت علَى أن ينفَعوكَ بشَيءٍ لم يَنفعوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ لَكَ ، ولو اجتَمَعوا على أن يضرُّوكَ بشَيءٍ لم يَضرُّوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ عليكَ ، رُفِعَتِ الأقلامُ وجفَّتِ الصُّحفُ »
أخرجه الترمذي (2516) واللفظ له، وأحمد (2669)
* من حفظَ حدودَ الله حفظه الله في الحرب والسلم، في القلّة والكثرة.
ثانيًا: الإخلاص والصدق في نصر دين الله .
- قال تعالى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [الحج: 40 - 41].
وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7].
وقال تعالى :
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ البينة (٥)
ولا نصر مع رياء، ولا تمكين مع تفلت النية عن الله.
وقال ﷺ:
«إنما الأعمالُ بالنّيّات، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى»
متفق عليه (البخاري رقم ١، مسلم رقم ١٩٠٧).
* فجيشٌ خرج لله لا يُهزم، وإن قَلّ عددُه وضعفت عُدته.
ثالثًا: التوكل على الله، قال تعالى: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 160].
وقال تعالى: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «تَكَفَّلَ اللهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، لاَ يُخْرِجُهُ إِلاَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ، وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ، بِأَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ»
البخاري رقم (3123)، ومسلم رقم (1876)2).
رابعًا: الثبات عند لقاء العدو، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن أبي أوفى - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلاَلِ السُّيُوفِ»
البخاري رقم (2966)، ومسلم رقم (1742)3).
خامسًا: الشجاعة والإقدام عند لقاء العدو، واليقين أن الأجل لا يقدمه إقدام، ولا يؤخره إحجام، قال تعالى عن المنافقين: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} [آل عمران: 154].
قال الشاعر:
تأخرتُ أَسْتَبْقِي الحَياةَ فلم أَجدْ ... لِنَفسي حياةً مِثلَ أن أتقَدَّمَا
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أشجع الناس، وأقواهم قلبًا عند لقاء العدو، روى مسلم في صحيحه من حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: كُنَّا وَاللهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَاسُ نَتَّقِي بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِي بِهِ - يَعنِي النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -
رواه مسلم رقم (1776)4).
سادسًا: كثرة الذكر والدعاء، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45].
وقال تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ المَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9].
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو ربه ويستغيث به في معاركه، كما في معركة بدر وغيرها، وكان من دعائه: «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ»
صحيح البخاري رقم (2933)، وصحيح مسلم رقم (1)
742) واللفظ له5).
النصر يبدأ من الركوع قبل السيوف، ومن السجود قبل الحروب.
النصر يكون بالدعاء
* في بدر رفع النبي ﷺ يديه حتى سقط رداؤه وهو يقول:
«اللهمَّ نصرُكَ الذي وعدت»
وقال ﷺ:
«هلْ تُنْصَرونَ إلا بضعفائِكمْ ؟ بدعوتِهم وإخلاصِهم»أخرجه البخاري (2896)، والبغوي في ((شرح السنة)) (4061) واللفظ لهما، والمعافى بن عمران في ((الزهد)) (122) بنحوه. من حديث مصعب بن سعد
* الضعفاء في الأرض تستمع لهم السماء ، إذا دعوا بقلوب مخلصة صادقة .
سابعًا: لزوم طاعة الله تعالى ورسوله، والحذر من المعاصي والتنازع، قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46].
ثامنًا: تركُ المعاصي والذنوب.
من أهم وأقوى أسباب النصر هو ترك المعاصي والذنوب، والاجتهاد في طاعة الله سبحانه وتعالى؛ فالمعاصي خذلان يجر الهزيمة، والطاعة قوة وسند يستمطر النصر.
قال تعالى : {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}
(سورة الحج: 40-41)
إن الذنوب تضعف القلوب، وتوهن العزائم، وتحرم الأمة من مدد الله وعونه ، قال تعالى مبينًا سبب انهزام بعض المسلمين في إحدى الغزوات: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران: 155].
لذا، فإن تطهير الصفوف من الذنوب هو تجهيز للقوة الروحية التي لا تُقهر.
والمعصيةُ سلاحٌ بيد العدو، وضعفٌ في قلب الجند.
والله تعالى يقول :
﴿إِنَّ اللّٰهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ سورة الرعد الايةة(١١)
-وعن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم
" إن العبدَ ليُحرَمُ الرزقَ بالذنبِ يصيبُه"
صحيح : أخرجه أبو يعلى الموصلي في ((المعجم)) (282) بلفظه، وابن ماجه (4022)، وأحمد (22386) كلاهما بزيادة في لفظه.
* فإذا كان الرزق المادي يُحجَب بالذنب، فمن باب أولى أن النصر والتمكين يُحجبان بالمعاصي.
وإذا كان الرزق يُحجب بالذنب، فكيف بالحرب .
ثامنًا: لزوم طاعة الأمير، والحذر من الاختلاف عليه، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي» (البخاري برقم (7137)، ومسلم برقم (1835)7).
تاسعًا: الصبر والثبات على مشاق الجهاد .
- يُعد الصبر ركنًا أساسيًا في تحقيق النصر والتمكين، فهو الوقود الروحي الذي يمنع المقاتل من التراجع أو الوهن أمام شدة القتال وكثرة الأعداء. إن الجهاد مليء بالمشاق، والضيق، والألم، ولا يستطيع أن يثبت فيه إلا من تحلى بفضيلة الصبر والمصابرة على البلاء
قال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146].
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: «وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»
رواه أحمد رقم (2803)، وقال محققوه: حديث صحيح8).((5/ 19)
وقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللّٰهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ـ آل عمران (٢٠٠)
وفي موقعة بدر، يتجلى هذا المعنى بوضوح؛ حيث يُذكِّر الله المؤمنين بأن العبرة ليست بالكثرة، بل بالمعيّة الإلهية التي لا تُنال إلا بالصبر:
قال تعالى:
﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّٰهِ وَاللّٰهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ـ البقرة (٢٤٩)
فالمعيّة مع الصابرين لا تُقهر ، وهي وعدٌ إلهي لا يُخلف يُمنح لمن يثبت ويصابر.
عاشرًا: الإخلاص لله، فلا يكون المقاتل مجاهدًا في سبيل الله إلا بالإخلاص، قال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146].
روى البخاري في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلِ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلِ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ» (البخاري برقم (2810)، ومسلم برقم (1904)9).
الحادي عشر: الأخذ بأسباب القوة، والإعداد لذلك امتثالاً لقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60].
روى مسلم في صحيحه من حديث عقبة بن عامر - رضي الله عنه -: أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر يقول: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ، أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» أخرجه مسلم رقم (1917)10)وأبو داود (2514)، وابن ماجه (2813)، وأحمد (17432)،
وقوله تعالى:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ـ الأنفال (٦٠)
* القوّة تشمل السلاح والعلم والاقتصاد والإعلام والإتقان في فنون الحرب، وكلّ زمانٍ له رمْيُه.
الثاني عشر : الاتباع لا الابتداع .
- جيوشُ الصحابة انتصرت لأنها سارت خلف هدي النبي ﷺ لا خلف الأهواء.
قال تعالى:
﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ـ النور (٦٣)
وعن العرباض بن سارية
قال ﷺ:
«عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ المَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ، وإيَّاكم ومُحدَثاتِ الأُمورِ؛ فإنَّ كُلَّ بِدعةٍ ضَلالةٌ»
أخرجه مطولاً أبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجه (44)، وأحمد (17144) باختلاف يسير، وابن عبدالبر في ((جامع بيان العلم وفضله)) (2305) واللفظ له
* فالثبات على السنة جُنّةٌ في المعركة، ودرعٌ ضد الفتن.
الثالث عشر : وحدة الصف وجمع الكلمة
- الفرقةُ هزيمةٌ قبل دخول المعركة، والاتحادُ سلاحٌ أقوى من الحديد.
قال تعالى:
﴿وَأَطِيعُوا اللّٰهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ ـ الأنفال (٤٦)
والريح: القوة والهيبة، فإذا تنازع القوم ذهب سلطانهم.
الرابع عشر : وجود القيادة المؤمنة العادلة .
- القائدُ الصالحُ يجعلُ الجندَ على قلب رجلٍ واحد.
- قال تعالى عن طالوت:
﴿إِنَّ اللّٰهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ ـ البقرة (٢٤٧)
والقيادةُ علمٌ وبصيرةٌ وقوةٌ وتحملٌ للمسؤولية.
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال ﷺ:« الإمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِن ورَائِهِ ويُتَّقَى به، فإنْ أمَرَ بتَقْوَى اللَّهِ وعَدَلَ، فإنَّ له بذلكَ أجْرًا وإنْ قالَ بغَيْرِهِ فإنَّ عليه منه».
أخرجه البخاري (2957)، ومسلم (1835)
يعني أن الإمام (الحاكم) هو بمثابة درع واقٍ للمسلمين، يقاتل الأعداء من خلفه (بصفته قائداً للجيش)، ويحتمي به الناس، ويتقون به (يطلبون منه الوقاية والحماية)، فإن أمر بتقوى الله والعدل كان له الأجر، وإن أمر بغير ذلك كان عليه وزر ذلك الأمر،
والأمة بلا إمام كجسد بلا رأس
- وعن أبي موسى الأشعري قال ﷺ: «المؤمنُ للمؤمنِ كالبُنيان يشدُّ بعضُهُ بعضًا»
أخرجه البخاري (6026)، ومسلم (2585).
فلا نصر بلا صفٍّ متماسك، ولا قوة بلا أخوة.
الخامس عشر:
اليقين بوعد الله واستحضار الآخرة .
- من قاتَل للدنيا انهزم، ومن قاتَل للجنة لا يُهزم.
قال تعالى:
﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ ـ التوبة (٥٢)
نصرٌ أو شهادة.. وكلاهما فوزٌ عند المؤمن.
ولذلك في موقعه بدر قال النبي عليه الصلاه والسلام:« قُومُوا إلى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ، قالَ: يقولُ عُمَيْرُ بنُ الحُمَامِ الأنْصَارِيُّ: يا رَسولَ اللهِ، جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: بَخٍ بَخٍ، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: ما يَحْمِلُكَ علَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ؟ قالَ: لا وَاللَّهِ يا رَسولَ اللهِ، إلَّا رَجَاءَةَ أَنْ أَكُونَ مِن أَهْلِهَا، قالَ: فإنَّكَ مِن أَهْلِهَا، فأخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِن قَرَنِهِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ منهنَّ، ثُمَّ قالَ: لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حتَّى آكُلَ تَمَرَاتي هذِه إنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ، قالَ: فَرَمَى بما كانَ معهُ مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حتَّى قُتِلَ».أخرجه أحمد (12398)، وابن أبي عاصم في ((الجهاد)) (55) واللفظ لهما، وأبو داود (2618) مختصرا. من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
الخاتمة .
يا عباد الله، النصرُ سنّةٌ من سنن الله، وله أسبابٌ مادية وروحية، ومن أخذ بها نال العزّ في الدنيا والفلاح في الآخرة. وإن طريق النصر يبدأ من إصلاح النفس والقلوب، ثم جمع الكلمة وإعداد القوة، ثم الصدق مع الله في العمل والجهاد.
الدعاء
اللهم يا قوي يا عزيز، يا من بيدك مقاليد الأمور، نسألك أن تكتب العزة والنصر لدينك ولعبادك المؤمنين.
اللهم إنا نسألك إيماناً صادقاً، وقلوباً مخلصة، وتوكلاً عليك لا يخالطه رياء أو وهن.
اللهم هيئ لنا من أمرنا رشداً، واجمع كلمتنا على الحق، ووحد صفوفنا، وانزع من بيننا التنازع والفرقة.
اللهم ألهمنا الصبر والثبات عند لقاء الأعداء، وأمدنا بمدد من عندك، وانصرنا على من عادانا.
اللهم وفق قياداتنا
لما تحب وترضى، واجعلهم عوناً لدينك، وألزمنا طاعتهم في الحق.
اللهم إنا نبرأ إليك من حولنا وقوتنا، ونتوكل عليك.
يا هازم الأحزاب، ويا منزل الكتاب، ويا مجري السحاب، اهزم أعداءنا وانصرنا عليهم نصراً مؤزراً عاجلاً غير آجل.
اللهم طهر قلوبنا من الذنوب والمعاصي التي تحجب عنا نصرك، واجعلنا من الذين ينصرونك بالعمل الصالح، حتى تنصرنا.
يا رب نسألك النصر الذي فيه العزة لدينك والخير للمسلمين. .
وانصر الإسلام وأعزّ المسلمين، واهدِ شباب الأمة، وردّهم إلى دينك ردًا جميلاً، واجمع كلمتهم على الحق، وهيّئ لهم قيادةً راشدةً تحكم بكتابك وسنة نبيك ﷺ.
وصلى الله على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
#تفسير_آيات_النصر
#الأمة_الإسلامية
#محمد_أبوالنصر
محمد سعيد أبو النصر