حكم صلاةمن يصلون في آخرالمسجدويتركون الصفوف خلف الإمام

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ﷺ، وبعد:
فإن تسوية الصفوف وإتمامها من شعائر الصلاة العظيمة التي حثَّ عليها النبي ﷺ، وأمر بها المسلمين، لما فيها من تحقيق وحدة الجماعة، وإظهار النظام، وسدِّ الخلل بين المصلين.
والسؤال هو: ما حكم الذين يقفون في آخر المسجد ويصلون منفردين، مع ترك الصفوف المتقدمة خلف الإمام، رغم وجود أماكن خالية فيها؟ وهل تصح صلاتهم؟
أولًا: حكم تسوية الصفوف وإتمامها
ثبت عن النبي ﷺ أنه قال:سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ».
متفق عليه.
وقال رسول الله ﷺ:أَتِمُّوا الصَّفَّ الْأَوَّلَ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ الْآخِرِ" أبو داود والنسائي، بألفاظ متقاربة.
وهذه النصوص تدل على أهمية البدء بالصفوف الأولى، وإتمام كل صف قبل الانتقال إلى الصف الذي يليه، وألّا يتعمد المصلون ترك فراغات في الصفوف المتقدمة مع الوقوف في الصفوف المتأخرة.
فالمسلم ينبغي له أن يحرص على الوقوف في الصف الذي يليه، وأن يسدَّ الفرجة الموجودة بجواره، وألا يترك مكانًا خاليًا أمامه من غير عذر.
ثانيًا: هل تصح صلاة من يترك الصفوف المتقدمة ويصلي في آخر المسجد؟
هنا يجب التفريق بين حالتين:
الحالة الأولى: أن يصلي في آخر المسجد منفردًا، مع وجود أماكن خالية في الصفوف المتقدمة.
هذا الفعل مخالف للسنة وهدي النبي ﷺ في إتمام الصفوف، ولا ينبغي للمسلم تعمده دون عذر.
أما صحة الصلاة، ففيها تفصيل وخلاف بين الفقهاء إذا صلى الشخص منفردًا خلف الصف؛ فالمشهور عند الحنابلة عدم صحة صلاة المنفرد خلف الصف مع القدرة على الدخول فيه، بينما يرى جمهور من أهل العلم صحة الصلاة مع الكراهة.
الحالة الثانية: أن يقف عدد من المصلين في صف متأخر، ويتركون فراغات واسعة في الصفوف الأمامية.
إذا كانوا يصلون صفًّا مع بعضهم، فصلاتهم لا تبطل لمجرد ترك تلك الفراغات، عند جمهور الفقهاء، لكنهم يخالفون السنة في ترتيب الصفوف وإتمامها. أما إذا كان بعضهم منفردًا خلف الصف، فيُنظر في حكم انفراده على التفصيل السابق.
ثالثًا: ما الدليل على خطورة ترك الصفوف الأولى؟
ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال:
«لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ».
رواه مسلم.
والحديث يحث على أن يلي الإمام أهل العقل والفضل والعلم، وأن تنتظم الصفوف خلفه، بما يعين على صحة الاقتداء بالإمام وحسن إقامة الصلاة.
كما قال النبي ﷺ:
«خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا».
رواه مسلم.
وهذا يدل على فضل الصفوف الأولى، وأن المسلم ينبغي أن يبادر إليها، وألا يؤخر نفسه عنها من غير سبب.
رابعًا: ما الواجب على الإمام والمصلين؟
على الإمام أن يحث المصلين على تسوية الصفوف وإتمامها، وأن ينبههم إلى عدم ترك الفراغات.
على المصلين أن يبدؤوا بالصف الأول، ثم الذي يليه، وألا ينشئوا صفًّا جديدًا مع وجود أماكن خالية في الصفوف السابقة.
ينبغي نصح من يتعمد الوقوف منفردًا خلف الصف مع وجود مكان له فيه، بالحكمة والرفق، مع بيان الخلاف الفقهي في صحة صلاته.
لا يجوز الجزم ببطلان صلاة كل من يقف في آخر المسجد؛ لأن الحكم يتوقف على كيفية وقوفه، وهل هو منفرد خلف الصف أم يقف مع جماعة في صف متأخر.
الخلاصة
ترك الصفوف المتقدمة مع وجود أماكن خالية فيها مخالف للسنة، وينبغي للمسلمين اجتنابه. لكن لا يصح الحكم ببطلان الصلاة لمجرد الوقوف في آخر المسجد؛ وإنما يُفصَّل في ذلك بحسب هيئة الصفوف وحال المصلي.
والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
روى عن أنس رضي الله عنه أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :" رَاصُّوا صُفُوفَكُمْ ، وَقَارِبُوا بَيْنَهَا ، وَحَاذُوا بِالْأَعْنَاقِ"( أبو داود والنسائي )
قَوْله :"رَاصُّوا صُفُوفكُمْ" بِانْضِمَامِ
بَعْضكُمْ إِلَى بَعْض عَلَى السَّوَاء"وَقَارِبُوا بَيْنَهَا" أَيْ : اِجْعَلُوا
مَا بَيْن صَفَّيْنِ مِنْ الْفَصْل قَلِيلًا ، بِحَيْثُ يَقْرَب بَعْض الصُّفُوف إِلَى
بَعْض"
والأفضل للمسلمين عموماً ـ في الصلاة وغيرها
ـ أنهم إذا اجتمعوا أن يتقاربوا بأبدانهم ، حتى يكون ذلك سبباً لحصول الألفة والمحبة
بينهم وتقويتها
.
فعن أبي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيّ رضي الله عنه قَالَ : كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلُوا مَنْزِلًا تَفَرَّقُوا فِي الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :"إِنَّ تَفَرُّقَكُمْ فِي هَذِهِ الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ إِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنْ الشَّيْطَانِ) فَلَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْزِلًا إِلَّا انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ، حَتَّى يُقَالَ لَوْ بُسِطَ عَلَيْهِمْ ثَوْبٌ لَعَمَّهُمْ"(أبو داود).
فما يفعله هؤلاء من تركهم الصفوف الأولى
، وصلاتهم في آخر المسجد : مخالف للسنة ، وسبب من أسباب حصول النزاع والتفرق بين أهل
المسجد
.
تسوية الصفوف:
الرَّاجح وجوب تسوية الصُّفوف، فعن النُعمان
بن بشير رضي الله عنهما أن النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال:"لَتُسَوُّنَّ
بين صفوفكم، أو لَيُخالِفَنَّ الله بين وجوهكم" وفي بعض الروايات:"بين قُلوبكم"،
وقال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أيضاً:"سَوُّوا صُفوفَكم؛ فإنَّ تسوية الصُّفوف
من إقامة الصلاة" - وفي روايةٍ -:"مِن تَمام الصَّلاة"(البخارى ومسلم).
واعلم أن هذه التَّسوية تتحقَّق بِمُراعاة
الأمور التالية:
(1) المُحاذاة: بحيث لا يتقدَّم أحدٌ على أحد،
وهذه المُحاذاة تكون بالمَناكب (يعني بالأكتاف)، وكذلك تكون بالأَكْعُب، وأمَّا المحاذاة
بأطراف أصابع الأرجُل، فهو خطأ؛ لأنَّ أقدام الناس تختلف طولاً وقِصَرًا.
(2) التَّراص: بحيث لا يكون هناك فُرُجات وخَلَلٌ
بين الصُّفوف، فقد قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -:"أقيموا الصُّفوف، وحاذُوا
بين المناكب، وسدُّوا الخلل، وَلِينُوا بأيدي إخوانكم، ولا تذَروا فرُجاتٍ للشيطان،
ومَن وصَلَ صفًّا وصَلَه الله، ومن قطعَ صفًّا قطعه الله"(أبوداود والنسائى).
وعن أنسٍ رضي الله عنه أن رسول الله - صلَّى
الله عليه وسلَّم - قال: ((رُصُّوا صُفوفَكم، وقارِبوا بينها، وحَاذوا بالأعناق؛ فوالَّذي
نفسي بيده، إنِّي لأَرَى الشَّيطان يَدْخل من خلل الصَّف كأنَّها الحَذَف))[صححه الألباني
في "صحيح أبي داود" .]، والحَذَف": غنم سُودٌ صِغار، قال الخَطَّابي
رحمه الله: ((رُصُّوا صفوفكم)) معناها: (ضمُّوا بعضها إلى بعض).
وَصِفة الرَّص: ما ثبت في روايتَيْ حديث
أنسٍ والنُّعمان السابقتين، وفيهما: (وكان أحَدُنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمَه
بقدمه)[رواه البخارى]
.
(3) تقارب الصفوف: وقد تقدَّم في حديث أنسٍ
قولُه - صلَّى الله عليه وسلَّم :"رصُّوا صفوفكم، وقاربوا بينها"يعني اجعلوا صفوفكم
يقترب بعضها من بعض، بحيث تكون المسافة بين الصف والآخر بمقدار السجود قدر المستطاع.
(4) إتمام الصُّفوف: بحيث لا يبدأ أحد في صفٍّ
حتَّى يتِمَّ الذي قبله؛ فقد قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -:"أتِمُّوا
الصفَّ المقدَّم، ثم الذي يليه، فما كان مِن نقصٍ، فلْيَكن في الصفِّ المؤخَّر"(أبوداود).
وقد ورد الحثُّ على ذلك، فعن جابر بن سَمُرَة
رضي الله عنه أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال:"ألاَ تَصِفُّون كما تصِفُّ
الملائكة عند ربِّها عزَّ وجلَّ؟"، قلنا: وكيف تصِفُّ الملائكة عند ربِّها؟ قال:"يتمُّون الصُّفوف المقدَّمة، ويتَراصُّون في الصَّف"(مسلم ).
وأما صحة الصلاة فصلاتهم صحيحة ، لكنها
غيركاملة الأجرلحِرْمانهم من ثواب الصُّفوف المقدَّمة، ومنها: عدم وَصْلِهم للصُّفوف،
ومنها: بُعْدهم عن الإمام.
فالصلاة صحيحة ما داموا يصلون داخل المسجد
، ويقفون صفاً ، ولا يقف أحدهم منفرداً خلف الصفوف .لأنه لاصلاة لمنفرد خلف الصف