لو لم تُذنِبوا لَذَهَبَ اللهُ بكُم
الحمد لله واسع المغفرة، عظيم الرحمة، يقبل
التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، نحمده سبحانه ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من
شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك
له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا
كثيرًا.
أما بعد، فيا عباد الله، إن الإنسان ضعيف بطبعه، قد يغلبه هواه، وتزل قدمه، ويقع في الخطأ، ولكن العبرة ليست بأن الإنسان لا يخطئ أبدًا، وإنما العبرة بأن يعرف طريق الرجوع إلى الله، فلا يصر على المعصية، ولا يقنط من رحمة ربه.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله
ﷺ قال فيما يرويه عن ربه عز وجل:
"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ"(مسلم).
تأملوا، رحمكم الله، هذا الحديث العظيم؛
إنه يفتح أمام العاصي باب الأمل، ويعلّم المؤمن أن رحمة الله أوسع من ذنوبه، وأن الاستغفار
عبادة عظيمة، وأن الرجوع إلى الله طريق النجاة.
ولكن انتبهوا، عباد الله: ليس معنى الحديث
أن الله يحب المعصية أو يأمر بها، وإنما معناه بيان فضل التوبة والاستغفار، وأن الله
يحب من عباده أن يرجعوا إليه إذا أخطؤوا.
قال الله تعالى::"قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ"(الزمر: 53).
يا من أثقلته الذنوب، لا تيأس! ويا من عصى
الله في السر والعلن، لا تجعل الشيطان يحول بينك وبين التوبة! ويا من أذنب ثم ندم،
اعلم أن باب الله مفتوح ما دمت صادقًا في الرجوع إليه.
إن الخطر الحقيقي ليس في وقوع الإنسان في
الذنب فحسب، بل في أن يستمر عليه، ويستصغره، ويتباهى به، ويأمن مكر الله، أو يظن أن
الله لن يغفر له.
قال سبحانه:"وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ"(الشورى: 25).
عباد الله:" ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم هذا من رحمته وجوده أنه جل وعلا قدر على عباده وجود الخطايا، ثم يتوب عليهم سبحانه إذا تابوا إليه.
فلا ينبغي للعبد أن يقنط معناه: لا تقنط ولا تيئس بل بادر بالتوبة كما قال تعالى: "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا "(الزمر:53). يعني: للتائبين، فهو قدر الذنوب وقدر المغفرة .
فلا ينبغي للعبد أن ييئس، بل ينبغي له البدار بالتوبة والاستغفار وحسن الظن بالله، ولو فعل ما فعل من الذنوب، لكن عليه أن يجتهد في المحافظة والحذر، والله يتوب على من تاب جل وعلا.
الحديث المذكور هو حديث صحيح رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم".
المعنى والدروس المستفادة:
سعة رحمة الله وعفوه: يوضح الحديث أن من أسماء الله الحسنى "الغفور" و"التواب" و"العفو"، ومن مقتضى هذه الأسماء أن تظهر آثارها في خلقه، فيغفر للمذنبين إذا استغفروا وتابوا.
طبيعة الإنسان: خلق الله الإنسان معرّضاً للخطأ والضعف، وليس ملكاً معصوماً، فإذا أذنب ثم ندم واستغفر، فإن الله يقبل توبته.
ليس ترخيصاً للمعاصي: لا يُفهم من الحديث التحريض على ارتكاب الذنوب أو التساهل فيها؛ فالله قد حَرّم المعاصي ونهى عنها، والحديث هو من "أحاديث الرجاء" التي تمنع المسلم من اليأس أو القنوط من رحمة الله إذا وقع في الذنب.
المطلوب من المسلم: إذا أوقعته نفسه في الذنب، فعليه ألا ييأس، بل يبادر فوراً بالتوبة الصادقة والاستغفار
لو لم تُذنِبوا لذهبَ اللهُ بكُمْ ولجاءَ بقومٍ يُذنبونَ ثمَّ يستغفرونَ فيغفرَ لهُم
اللهُ يُحِبُّ التَّائبينَ ويَدعو عِبادَه إلى التَّوبةِ ويُرَغِّبُهم فيها، فيَتوبُ على مَن تابَ ويَغفِرُ الذَّنْبَ، ويَصبِرُ على العُصاةِ حتَّى يَتوبوا بالنَّدمِ على الذُّنوبِ والمَعاصي، مع الرُّجوعِ إلى اللهِ وطَلَبِ العفوِ والمغفِرةِ منه سُبحانه، مع النِّيَّةِ الصَّادقةِ لعَدَمِ العودةِ إلى الذُّنوبِ والمَعاصي.
وفي هذا الحديثِ يَقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «والَّذي نَفْسِي بيَدِه» وهو قَسمٌ كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كَثيرًا ما يُقسِمُ به، فاللهُ عزَّ وجلَّ هو الَّذي يَملِكُ الأنفُسَ بالإحياءِ والإماتةِ، «لوْ لمْ تُذْنِبوا» أي: لوْلا وُقوعُكم في الذُّنوبِ، لَخِفْتُ عَليكُم ما هُو أكبَرُ مِن ذلكَ، أَلا وهُو العُجْبُ، ولَكُنتُم كالملائكةِ، وإذا وقَعَ ذلك لَأذْهَبَكم اللهُ وأفْناكم، «ولَجاءَ بقَوْمٍ يُذْنِبونَ»، وفي رِوايةٍ أُخرى لمسْلمٍ: «لَخَلَقَ اللهُ خَلقًا يُذْنِبونَ» أي: أتى اللهُ بخَلقٍ جَديدٍ غيْرِكم مِن جِنسِكم، أو مِن غَيرِكم يَقَعون في الذَّنْبِ؛ فيَستغْفِرونه ويَتوبون، فيَغفِرُ لهم ذُنوبَهم لِأجلِ تَوبتِهم تلك.
وحاصلُ هذا الحديثِ أنَّ اللهَ تَعالَى سَبَق في عِلمِه أنَّه يَخلُقُ مَن يَعصِيه، فيَتوبُ، فيَغفِرُ له؛ وذَلكَ لأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يُحِبُّ مِن عَبدِه مَقامَ العُبوديَّةِ الَّذي هُو مُنتَهى الذُّلِّ مَع مُنتَهى الحُبِّ، وَليسَ في الحَديثِ مُواساةٌ لِلمُنْهَمكينَ في الذُّنوبِ، وإنَّما فيه بَيانُ عَفوِ اللهِ تَعالَى وتَجاوزِه عنِ المُذنبينَ التَّائبينَ؛ ليَرغَبوا فِي التَّوبةِ إلى اللهِ فيَتُوبوا، وليُبَيِّنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ اللهَ سُبحانَه كَما يُجازي الُمحسنينَ بِإحسانِهم فإنَّه يَعفو ويَصفَحُ عنِ المُذنِبينَ.
عباد الله، كيف تكون التوبة الصادقة؟
أولًا: الإقلاع عن الذنب، فلا يجتمع صدق
التوبة مع الإصرار المتعمد على المعصية.
ثانيًا: الندم على ما مضى من التقصير، فالندم
دليل حياة القلب.
ثالثًا: العزم الصادق على عدم العودة إلى
الذنب.
رابعًا: رد الحقوق إلى أصحابها إذا تعلقت
المعصية بحقوق العباد، أو طلب المسامحة بالطريقة المناسبة.
وإذا ضعف الإنسان بعد توبة صادقة فعاد إلى
الذنب، فلا يجعل ذلك ذريعة لليأس، بل يجدد توبته ويجاهد نفسه؛ فالمؤمن يظل بين خوف
من ذنبه ورجاء في رحمة ربه.
أيها المسلمون، إن من أعظم ثمرات التوبة
أن يتواضع العبد، فلا يغتر بطاعته، ولا يحتقر عاصيًا، ولا يظن أنه أفضل عند الله لمجرد
أنه لم يقع فيما وقع فيه غيره؛ فالقلوب بين أصابع الرحمن، والله أعلم بمن اتقى.
فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، واستغفروا
ربكم من ذنوب السر والعلن، وردوا المظالم إلى أهلها، وأصلحوا ما بينكم وبين الله، وما
بينكم وبين الناس.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي
ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية: لا تيأس من رحمة الله
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم،
غافر الذنب وقابل التوب، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فيا عباد الله:
إن أبواب الخير كثيرة، ومن أعظمها أن يجعل
المسلم من كل ذنب وقع فيه سببًا للتوبة، ومن كل تقصير دافعًا إلى الإصلاح، ومن كل يوم
جديد بدايةً أقرب إلى الله.
لا تقل: كثرت ذنوبي، بل قل: عفو ربي أعظم.
ولا تقل: لن يغفر الله لي، بل أحسن الظن بربك، وارجع إليه بقلب صادق.
ولا تجعل رجاءك في المغفرة حجة للاستمرار
في المعصية، فإن المؤمن الصادق يجمع بين الرجاء والعمل، وبين محبة رحمة الله والخوف
من عقابه.
قال تعالى:"وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"(النور: 31).
فيا من يريد النجاة، أكثر من الاستغفار،
وحافظ على الصلاة، واترك رفقاء السوء، وابتعد عن مواطن الفتنة، وأكثر من الأعمال الصالحة؛
فإن الحسنات يذهبن السيئات، والتوبة الصادقة تغيّر حياة الإنسان من الغفلة إلى اليقظة،
ومن المعصية إلى الطاعة، ومن اليأس إلى الأمل.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا،
وثبّت أقدامنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم ارزقنا توبة نصوحًا، وقلبًا خاشعًا،
ولسانًا ذاكرًا، وعملًا صالحًا متقبلًا.
اللهم لا تجعل ذنوبنا سببًا في قنوطنا من
رحمتك، ولا تجعل سعة مغفرتك سببًا في جرأتنا على معصيتك.
اللهم أصلح أحوال المسلمين، وألّف بين قلوبهم،
واحفظ مصر وسائر بلاد المسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد،
وعلى آله وصحبه أجمعين.
وأقم الصلاة.
