recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة الأمن الفكري نعمةٌ وضرورةٌ لاستقرار الإنسان والمجتمع والوطن.

 الأمن الفكري نعمةٌ وضرورةٌ لاستقرار الإنسان والمجتمع والوطن.


                                       


 الإسلام يحمي العقل من الغلو والانحراف والخرافة وسوء الفهم.

 التثبت من الأخبار ومواجهة الشائعات وعدم الانسياق وراء ما يثير الفتن.

   بناء الوعي وحماية العقول.

الخطبة الأولي

الحمد لله رب العالمين، نحمده سبحانه على نعمه التي لا تُحصى، ونشكره على نعمة الأمن والإيمان والعقل والاطمئنان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد، عباد الله:

فإن من أعظم نعم الله تعالى على الإنسان أن يعيش آمنًا مطمئنًا، يأمن على دينه ونفسه وعقله وأهله وماله ووطنه، ولذلك امتن الله تعالى على عباده بنعمة الأمن فقال سبحانه:

﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ   الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾  قريش: 3-4 .

والأمن ليس أمن الأبدان وحدها، وإنما من أعظم صوره أمن العقول والأفكار؛ لأن الإنسان إذا اضطرب فكره، واختلط عليه الحق بالباطل، وأصبح يتلقى كل ما يسمع دون وعي أو تثبت، كان ذلك خطرًا عليه وعلى أسرته ومجتمعه ووطنه.

أيها المسلمون،

 إن الأمن الفكري يعني أن يكون الإنسان ثابتًا على الحق، واعيًا بدينه، فاهمًا لمقاصده، قادرًا على التمييز بين الحق والباطل، وبين العلم والجهل، وبين النصيحة والإشاعة، وبين الاختلاف المشروع والفتنة، وأن يكون عقله محصنًا من الغلو والتطرف ومن الأفكار المنحرفة التي تهدم ولا تبني.

ولقد جاء الإسلام بعناية عظيمة بالعقل، فدعا إلى التفكير والتدبر والنظر، وحذَّر من اتباع الظن والهوى بغير علم، قال الله تعالى:

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36].

فتأملوا قول ربنا: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾؛ أي لا تتبع شيئًا لا علم لك به، ولا تتكلم بما لا تعلم، ولا تنقل خبرًا قبل أن تتأكد منه.

وفي زمن أصبحت فيه المعلومة تصل إلى الإنسان في ثوانٍ، وأصبح الخبر الكاذب قادرًا على الانتشار في لحظات، تزداد مسئوليتنا في التثبت والتحقق.

وقد وضع القرآن لنا قاعدة عظيمة في التعامل مع الأخبار فقال سبحانه:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]

فكم من بيت اضطرب بسبب خبر كاذب! وكم من علاقة فسدت بسبب كلمة لم يتثبت صاحبها منها! وكم من فتنة اشتعلت بسبب رسالة أُعيد نشرها دون تفكير!

ولهذا قال نبينا صلى الله عليه وسلم:

«كفى بالمرء كذبًا أن يُحدِّث بكل ما سمع»، رواه مسلم في مقدمة صحيحه.

ليس كل ما تسمعه تقوله، وليس كل ما يصلك تنشره، وليس كل من تكلم في الدين يكون عالمًا، وليس كل من ظهر على شاشة أو كتب منشورًا يكون صاحب علم أو حجة.

عباد الله، ومن أخطر ما يهدد الأمن الفكري الغلو والتطرف؛ فدين الله تعالى دين وسطية واعتدال، قال سبحانه:

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143].

والنبي صلى الله عليه وسلم حذر من الغلو فقال:

«هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ»، قالها ثلاثًا، رواه مسلم

والتنطع هو مجاوزة الحد والتشدد فيما لم يأذن الله تعالى به، ولذلك كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه يحب اليسر والرفق، ويكره التشدد والتنفير.

فالإسلام لا يبني إنسانًا يكره الناس، ولا إنسانًا يستحل الدماء والأعراض والأموال، ولا إنسانًا يرى نفسه مالكًا للحقيقة فيكفر هذا ويضلل ذاك بغير علم، وإنما يبني إنسانًا يعرف ربه، ويحفظ لسانه، ويحترم الإنسان، ويعمر الأرض، ويصلح ولا يفسد.

عباد الله، إن العقل أمانة، فلا تسلِّم عقلك لكل من يتكلم، ولا تجعل هاتفك ومواقع التواصل مصدر علمك الوحيد، ولا تسمح لأحد أن يزرع في قلبك الكراهية تجاه مجتمعك أو وطنك أو أهلك أو إخوانك.

تعلم دينك من العلماء الموثوقين، واسأل أهل العلم فيما أشكل عليك، قال الله تعالى:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].

 واعلموا أن حماية العقول تبدأ من البيت؛ فالأب والأم ليسا مسئولين فقط عن طعام أبنائهما وملابسهم، وإنما هما مسئولان كذلك عن أفكارهم وقيمهم وأخلاقهم.

راقبوا ما يدخل إلى عقول أبنائكم كما تراقبون ما يدخل إلى أجسادهم، افتحوا معهم باب الحوار، اسمعوا أسئلتهم، لا تسخروا من أفكارهم حين يسألون، ولا تتركوهم فريسة لمن يستغل جهلهم أو حيرتهم.

والمدرس مسئول، والعالم مسئول، والخطيب مسئول، والإعلامي مسئول، وكل صاحب كلمة مسئول؛ لأن الكلمة قد تبني إنسانًا، وقد تهدم إنسانًا، وقد تجمع قلوبًا، وقد تشعل فتنة.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»، متفق عليه.

فيا عباد الله، إن الأمن الفكري ليس قضية تخص العلماء وحدهم، وإنما مسئولية الجميع؛ مسئولية الأب في بيته، والمعلم في مدرسته، والعالم في محرابه، والشاب في هاتفه، وكل إنسان في كلمته وتصرفه.

وإذا صلح الفكر صلح السلوك، وإذا استقامت العقول استقامت الأفعال، وإذا انتشر الوعي قلَّت الشائعات، وانحسر التعصب، وتراجعت الفتن، وعاش الناس في أمن وطمأنينة.

نسأل الله تعالى أن يحفظ عقولنا من الضلال، وقلوبنا من الفتن، وأن يحفظ ديننا ووطننا وأهلنا، وأن يديم علينا نعمة الأمن والأمان والاستقرار.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله، إن المحافظة على الأمن الفكري لا تعني أن نغلق عقولنا، وإنما تعني أن نفتحها للعلم، ونغلقها أمام التضليل، وأن نتعلم كيف نفكر قبل أن نحكم، وكيف نتحقق قبل أن ننشر، وكيف نختلف دون أن نتخاصم أو نتباغض.

ومن أعظم ما يحفظ المجتمع أن نبتعد عن السخرية والتخوين وإثارة الأحقاد، وأن نعلم أن الاختلاف في بعض المسائل لا يعني العداوة، وأن النصيحة ليست فضيحة، وأن الكلمة الطيبة قد تطفئ نارًا قبل أن تشتعل. 

قال الله تعالى:

﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: 53].

فكم من فتنة بدأت بكلمة! وكم من خصومة بدأت بمنشور! وكم من إنسان ندم لأنه نقل شيئًا لم يتثبت منه!

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»، متفق عليه.

فاجعلوا كلماتكم جسورًا للمحبة، لا معاول للهدم، واجعلوا هواتفكم وسيلة للعلم والخير، لا وسيلة لنشر الشائعات والفتن.

واعلموا أن استقرار الوطن مسئولية أخلاقية ودينية، وأن من شكر الله على نعمة الأمن أن نحافظ عليها، وأن نكون عوامل بناء لا هدم، وإصلاح لا إفساد، ووعي لا فوضى

قال تعالى:

﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: 77].

اللهم احفظ مصر وأهلها، وأدم عليها نعمة الأمن والأمان والاستقرار، واحفظ بلاد المسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

اللهم احفظ أبناءنا وشبابنا، ونوّر عقولهم، واهدِ قلوبهم، واحفظهم من الغلو والتطرف والانحراف، وارزقهم العلم النافع والفهم الصحيح.

اللهم اجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، ووفقنا لما تحب وترضى.

وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين 

google-playkhamsatmostaqltradent