recent
أخبار عاجلة

خطر النميمة في الإسلام وعقوبتها في القرآن والسنة

خطر النميمة في الإسلام وعقوبتها في القرآن والسنة





  النميمة آفة تهدم البيوت وتقطع الأرحام

تُعدُّ النميمة من أخطر آفات اللسان التي تُفسد العلاقات بين الناس، وتزرع العداوة والبغضاء بين الأهل والأصدقاء والجيران، وقد تكون سببًا في تفكك الأسر، وقطع الأرحام، وإشعال الخصومات التي لا تنتهي. فكم من صداقة انتهت بسبب كلمة نُقلت بسوء قصد، وكم من بيت تهدَّم بسبب حديث نُقل من شخص إلى آخر، وكم من قلوب امتلأت بالحقد بسبب نميمة أشعلت نار الفتنة بين الناس!

والإسلام دين الأخوة والمحبة والإصلاح، وقد حذَّر من كل قول أو فعل يؤدي إلى الإفساد بين الناس، وجعل حفظ اللسان من أعظم أبواب النجاة، ودعا المسلم إلى أن يكون سببًا في جمع القلوب لا تفريقها، وفي الإصلاح لا الإفساد.

أولًا: ما النميمة؟ وما الفرق بينها وبين الغيبة؟

النميمة هي نقل الكلام بين الناس بقصد الإفساد بينهم، أو بما يؤدي إلى إثارة العداوة والبغضاء، كأن ينقل شخص إلى صديقه كلامًا قاله عنه آخر، أو يخبر الزوجة بما يثير الشك بينها وبين زوجها، أو ينقل بين الأقارب كلمات تؤدي إلى القطيعة والخصام.

أما الغيبة فهي أن تذكر أخاك بما يكره في غيبته، ولو كان ما تقوله فيه صحيحًا.

وقد يجمع الإنسان بين الغيبة والنميمة إذا ذكر شخصًا بما يكره ثم نقل كلامه إلى غيره بقصد الإفساد.

وليست كل عملية نقل للكلام محرَّمة؛ فقد يُنقل الكلام للتحذير من ضرر حقيقي، أو لطلب المساعدة، أو لرفع الظلم، أو للإصلاح بين المتخاصمين. وإنما المذموم هو نقل الكلام على وجه محرم، وخاصة إذا كان المقصود منه الإفساد أو ترتب عليه ظلم وضرر بلا مسوغ شرعي.

ثانيًا: تحذير القرآن الكريم من النميمة

حذَّر الله تعالى من صاحب النميمة في قوله سبحانه:

قال الله تعالى:"وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ ۝ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ 

القلم:10−11القلم: 10-11.

وقد ذمَّ الله تعالى في هذه الآيات من يكثر من نقل الكلام بين الناس، لما في ذلك من فساد الأخلاق وإشعال العداوة وإفساد العلاقات.

كما أمر الله تعالى عباده بالتثبت من الأخبار، وعدم الانسياق وراء كل ما يُنقل إليهم، فقال سبحانه:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ الحجرات:6الحجرات: 6.

وهذه الآية أصل عظيم في وجوب التثبت من الأخبار، وعدم بناء المواقف والأحكام على كلام منقول دون معرفة حقيقته. فكثير من المشكلات تبدأ بخبر غير صحيح، أو بكلمة أُخرجت من سياقها، ثم تتسع دائرة الخلاف بسبب التسرع في التصديق والتصرف.

أسباب النميمة

 الظّلم، والجهل   قال عزّ وجلّ عن الإنسان الّذي لم ينتفع بالوحي:{إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جًهُولاً}،

 فساد القلب   وفساد القلب فساد للبدن، كما في الحديث: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد، وإذا فسدت فسد الجسد، إلا وهي القلب» ولما فسد القلب فسد القول، وفسد التعامل وفسدت حياة هذا الإنسان وفسد المجتمع كله.

 فساد اللسان لأن اللسان هو الذي ينقل النميمة، ولو أن هذا اللسان سليم لسلم الناس من سوئه وشره، وقد بين- عليه الصلاة والسلام- أن المسلم الحقيقي من سلم المسلمون من لسانه ويده،

عدم مراقبة الله  فلما نسي العبد ربه ولم يراقبه نسيه الله وأنساه نفسه

يقول تعالى ( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة الحشر, الآية 19].

حب النمام الإضرار بالغير: من باب التشفي والانتقام

ثالثًا: النميمة من أسباب العذاب

جاء التحذير النبوي من النميمة واضحًا وصريحًا، فعن حذيفة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:

«لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ» رواه مسلم.

وهذا وعيد شديد يدل على عظم جريمة النميمة وخطورتها. وقد بيَّن العلماء أن هذا الوعيد لا يعني بالضرورة خلود المسلم الذي ارتكب النميمة في النار، ولكنه يدل على أن النميمة من كبائر الذنوب التي يستحق صاحبها العقوبة، وهو تحت مشيئة الله تعالى إن مات من غير توبة.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ مرَّ بقبرين، فقال:

«إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، بَلَى، إِنَّهُ كَبِيرٌ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ...» متفق عليه، واللفظ للبخاري بمعناه.

وهذا الحديث يوضح خطورة النميمة، وأن ما يستهين به بعض الناس من نقل الكلام قد يكون سببًا في العذاب.

فليس كل ما يقال في المجالس حديثًا عابرًا، وليست كل كلمة تُنقل أمرًا هينًا؛ فقد تكون الكلمة سببًا في ظلم إنسان، أو قطع رحم، أو إشعال فتنة، أو ضياع حقوق.

رابعًا: لماذا تُعدُّ النميمة من أخطر آفات اللسان؟

للنميمة أضرار كثيرة، منها:

1. تفكيك الأسر: فقد ينقل شخص إلى الزوجة كلامًا عن زوجها، أو إلى الزوج كلامًا عن زوجته، فيزرع الشك بينهما، ويحوّل الحياة الزوجية إلى صراع مستمر.

2. قطع الأرحام: قد ينقل النمام بين الإخوة كلامًا يثير الغضب، فتتحول خلافات بسيطة إلى خصومات طويلة، وربما تستمر القطيعة سنوات.

3. إشعال الفتن في المجتمع: النميمة لا تقتصر على الأفراد، بل قد تمتد إلى أماكن العمل والمؤسسات والمجتمعات، فتؤدي إلى انتشار الشحناء وانعدام الثقة.

4. إفساد القلوب: تجعل النميمة الإنسان ينظر إلى الآخرين بعين الشك، ويُسيء الظن بهم، ويبحث عن الأخطاء بدلًا من التماس الأعذار.

5. ضياع الحقوق: قد يؤدي نقل الكلام الكاذب أو المحرَّف إلى اتهام الأبرياء، أو تشويه السمعة، أو وقوع الظلم.

6. ذهاب الأجر: فاللسان الذي يُشغل صاحبه بالإفساد بدلًا من الذكر والكلام الطيب قد يوقعه في ذنوب عظيمة، ويجعله يتحمل تبعات ما تسبب فيه من أضرار.

خامسًا: كيف يتعامل المسلم مع النمام؟

لا ينبغي للمسلم أن يكون مستمعًا سلبيًا لكل ما يُنقل إليه، بل عليه أن يتعامل مع النميمة بحكمة، ومن ذلك:

  • ألا يصدق كل ما يسمعه دون تثبت.

  • ألا ينقل الكلام إلى الآخرين إذا كان في نقله إفساد أو ظلم.

  • أن ينصح من ينقل الكلام، ويذكِّره بالله تعالى وبخطورة ما يفعل.

  • أن يحسن الظن بإخوانه ما لم يظهر ما يوجب خلاف ذلك.

  • أن يسعى إلى الإصلاح بين المتخاصمين، بدلًا من زيادة الخلاف.

  • ألا يسمح للنمام بأن يحوّله إلى أداة لنشر الفتنة.

  • أن يحفظ أسرار المجالس، وألا يفشي ما يترتب على إفشائه ضرر أو خيانة للأمانة.

ومن الحكمة أن يقول لمن ينقل إليه كلامًا مسيئًا: لا أريد أن أسمع ما يفسد علاقتي بأخي، وإن كان هناك خلاف حقيقي فلنعالجه بالعدل والمصارحة والإصلاح.

سادسًا: كيف نعالج داء النميمة؟

علاج النميمة يبدأ من إصلاح القلب ومراقبة اللسان، ومن أهم وسائل العلاج:

1. استحضار مراقبة الله: فالمسلم يعلم أن الله يسمع كلامه ويعلم نيته، وأن كل كلمة يقولها مسؤول عنها.

قال الله تعالى:

﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ق:18ق: 18.

2. تذكر عاقبة الكلمة: على المسلم أن يسأل نفسه قبل نقل الكلام: هل سيترتب عليه إصلاح أم إفساد؟ هل سأرضى أن ينقل أحد عني مثل هذا الكلام؟

3. إشغال اللسان بالخير: كذكر الله، وقراءة القرآن، والكلام الطيب، والنصيحة الصادقة.

4. الابتعاد عن مجالس النميمة: فإذا تحول المجلس إلى غيبة أو نقل للكلام، فليغيّر المسلم موضوع الحديث، أو ينصح الحاضرين، أو ينصرف إذا لم يستطع منع المنكر.

5. التوبة ورد المظالم: من وقع في النميمة فعليه أن يتوب إلى الله، ويندم على ما فعل، ويعزم على عدم العودة، ويسعى إلى إصلاح ما أفسده بقدر استطاعته، مع مراعاة ألا يؤدي اعتذاره أو إخباره بالتفاصيل إلى فتنة أكبر.

6. تعويد النفس على الستر والإصلاح: فالمؤمن الصادق لا يبحث عن عيوب الناس ليكشفها، وإنما يسعى إلى الستر والنصح والإصلاح بالطرق المشروعة.

 علاج النميمة 

استشعار خطورة الذنب تذكر أن الغيبة والنميمة تؤديان إلى سخط الله وضياع الحسنات.

الاشتغال بذكر الله  املأ وقتك بالاستغفار والتسبيح؛ لأن اللسان الرطب بذكر الله ينسى ذكر الناس.

التدرب على الصمت : قلل الكلام واقتصر على ما ينفع فقط

 الانشغال بعيوب النفس :راقب أخطاءك واصلحها بدلاً من مراقبة عيوب الآخرين.

الصحبة الصالحة  اختر أصدقاء يذكرونك بالله ويعينونك على الخير ويبعدونك عن مجالس اللغو.

الدعاء والإلحاح  سل الله دائماً بصدق أن يطهر قلبك ويحفظ لسانك، مثل تكرار: «اللهم طهر لساني من الغيبة والنميمة».

  من مواقف السّلف  

 قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله لمن نمّ له شيئا: إن شئت نظرنا في أمرك, فإن كذبت فأنت من أهل هذه الآية:{إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ}، وإن صدقت فمن أهل هذه الآية:{مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ}، وإن شئت عفونا عنك. فقال: العفو يا أمير المؤمنين، لا أعود إليه أبدا.

 وعاتب سليمان بن عبد الملك من نَمَّ عليه بحضرة الزّهري، فأنكر الرّجل، فقال له: من أخبرني صادق. فقال الزّهري: النمّام لا يكون صادقا. فقال سليمان: صدقت, اذهب أيّها الرّجل بسلام.

- وقال الحسن رحمه الله:" من نَمَّ لك نَمَّ عليك ".

سابعًا: فضل الإصلاح بين الناس ومقاومة النميمة

في مقابل النميمة التي تهدم العلاقات، حثَّ الإسلام على الإصلاح بين الناس، وجعله من أعمال البر العظيمة.

قال الله تعالى:لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ"(النساء/114). 

وقال سبحانه:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ الحجرات:10الحجرات: 10.

فالواجب على المسلم أن يكون مفتاحًا للخير، مغلاقًا للشر، وأن يحفظ لسانه عن كل ما يفرق بين القلوب. وإذا سمع خلافًا بين شخصين، فليكن عونًا على الإصلاح، لا وسيلة لنقل الاتهامات وتضخيم الأخطاء.

النّميمة تحرُم العبد من دخول الجنّة 

فقد أخرج الشّيخان عن حذيفة رضي الله عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (( لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ نَمَّامٌ ))، وفي رواية: ( قَتَّاتٌ ).

وقال عطاء بن السائب: ذكرت للشّعبي قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: (( لا يدخل الجنّة سافك دم، ولا مشاء بنميمة، ولا تاجر يربي ) فقلت: يا أبا عمرو، قرن النمّام بالقاتل وآكل الرّبا ؟ فقال:" وهل تُسْفَك الدّماء، وتُنتَهب الأموال، وتُهيَّج الأمور العظام، إلاّ من أجل النميمة ؟!"

 النّميمة من أسباب عذاب القبر 

روى الشيخان عن ابن عبّاس رضي الله عنه قال: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ، فقال( إِنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ )) ثمّ قال: ( بَلَى، كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَكَانَ الْآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ...)) الحديث.

 النّميمة من صفات شرار الخلق 

فقد روى الإمام أحمد عن عبدِ الرّحمن بنِ غَنْمٍ رضي الله عنه أنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:(( خِيَارُ عِبَادِ اللهِ: الَّذِينَ إِذَا رُءُوا ذُكِرَ اللهُ، وَشِرَارُ عِبَادِ اللهِ: الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، الْبَاغُونَ الْبُرَآءَ الْعَنَتَ )

وقال أكثم بن صيفي لبنيه: " إيّاكم والنّميمة، فإنّها نار محرقة، وإنّ النمام ليعمل في ساعة مالا يعمل السّاحر في شهر ".

   

خاتمة: احفظ لسانك قبل أن تندم

إن النميمة ليست مجرد حديث عابر، بل قد تكون سببًا في هدم بيت، وقطع رحم، وإفساد صداقة، وإشعال عداوة بين أناس لم يكن بينهم خلاف.

فطوبى لمن حفظ لسانه، وصان أسرار الناس، وأصلح بين المتخاصمين، ولم يجعل كلام الآخرين وسيلة للإفساد بينهم.

وليتذكر كل مسلم أن الكلمة أمانة، وأن نقل الكلام مسؤولية، وأن المؤمن لا يرضى أن يكون سببًا في حزن إنسان أو ظلم بريء أو قطيعة رحم.

فلنجعل ألسنتنا عامرة بالذكر، وقلوبنا عامرة بالرحمة، ومجالسنا عامرة بالنصيحة والإصلاح؛ فإن صلاح اللسان من أسباب صلاح الإنسان، ومن حفظ لسانه سلم من كثير من الشرور.

 

 

 

google-playkhamsatmostaqltradent