البيئةُ نعمةٌ ربانيةٌ ومسؤوليةٌ إنسانيةٌ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين أما بعد فياعباد الله
:"یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ قُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِیكُمۡ نَارا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ عَلَیۡهَا مَلَـٰۤىِٕكَةٌ غِلَاظ شِدَاد لَّا یَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَاۤ أَمَرَهُمۡ وَیَفۡعَلُونَ مَا یُؤۡمَرُونَ"(التحريم /٦).
عباد الله :" حديثنا إليكم اليوم عن البيئة وتأثيرها علي الإنسان والحيوان فالبيئةُ نعمةٌ ربانيةٌ ومسؤوليةٌ إنسانيةٌ
والحديث عن البيئةِ لا يقتصرِ على ما نراه حولنا من مظاهرٍ طبيعية وفقط عن الطريق عن المكان عن الماء عن الهواء عن التلوث السمعي أوالبصري فحسب ..
بل تلعب البيئة بكل مكوناتها الطبيعية والاجتماعية دوراً أساسياً ومباشراً في تشكيل سلوك الإنسان وتوجيه أفعاله وردود أفعاله وكذلك علي الحيوان..
البيئة الأولى للإنسان
عباد الله:" لم يزل الإنسان ذلكم الكائن الضعيف يتأثر بعدد من العوامل المحيطة به، وتتشابك عدد من الظواهر والظروف في تكوين شخصيته وتشكيل مزاجه وهُويته، بل وحتى ربما دينه الذي يدين الله به كما دلت على ذلك نصوص السنة النبوية المطهرة؛
وكما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كلُّ مولودٍ يولَدُ على الفطرةِ، فأبواه يُهوِّدانِه أو يُنصِّرانِه أو يُمجِّسانِه"( الطبراني، والبيهقي).
ونلاحظ من الحديث الشريف أنه لم يقل يسلمانه لأن الإسلام هو دين الفطرة الذي يولد عليه كل إنسان، ويأتي دور أسرته لتعزيز الفطرة أو إكسابه من المعتقدات ما اختلف فيه عن الحق.وكما يقول القائل:"من شب على شيء شاب عليه".
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"(متفق عليه).
ويقول صلي الله عليه وسلم :"رحم الله والدا أعان ولده على بره"(ابن حبان).
من رزق بوالد صالح وأم صالحة فليحمد الله
عباد الله:" إذا كُنتَ قد رُزقتَ بوالدٍ صالحٍ يتقى الله تعالى فيك ويبتعدُ عن أكل الحرام ليُربيك تربيةً إسلامية سليمةً لأنهُ يعلمُ ان الله تعالى قال "وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا "فهذه نعمةٌ ربانيةٌ من الله عليك لاشك فى ذلك ..
ان كان والدك يبتعدُ عن المال الحرامِ سواءً كان المالُ الحرامُ مالاً عاماً او مالاً خاصاً فهو يبتعدُ عنهُ ولا يقتربُ منهُ لأنهُ يعلمُ ان رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم قال فى التحذير عن المال الحرام ":"من إستعملناهُ فى شيئٍ فكتمنا مخيطاً فهو غالٌ "اى خائنٌ
كُلُ من خانَ الناس فى شيئٍ يأتى بهِ فوقَ رقبتهِ وإن لم تُصدقوا هذا فاسمعوا قولَ الله تعالى" وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ"
دون النظر إلى مصدره أمن الحلالِ هو أم الحرام ؟ !! فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ مَا أَخَذَ
مِنْهُ، أَمِنَ الْحَلَالِ أَمْ مِنْ الْحَرَامِ" (البخاري).
فالمُهمُ فى العمل لا فى القول ومن هُنا
قيل ::"حالُ الإنسانِ ابلغُ من قولهِ " ومن ثم لا بد للأنسان أن يكون قدوةً
لغيره فى عملهِ وأقوالهِ وأن يُطبِقَ الكلام على فعلهِ وقولهِ
وحتى لا يندرج تحت قول القا ئل
يا أَيُّها الرَجُلُ المُعَلِّمُ غَيرَهُ
هَلا لِنَفسِكَ كانَ ذا التَعليمُ
أخا الإسلام :" فإذا كُنتَ قد رُزقتَ بوالدٍ يُحذرُك من
حُرمةِ المال الحرامِ ومن خطورة الأقتراب منهُ فهذه نعمةٌ من الله عليك ،فأنت نشأت
في بيئة صالحة
وإذا كُنتَ قد رُزقتَ بوالدٍ علمك أن المال
وسيلة وليس غاية وقال لك يابُنىَ إن كثيراً
من الناسِ نُقطةُ ضعفهِم فى "المال "وأخذَ يضربُ لك الأمثلةَ على ذلك ،،
وعلمك أن هناك من الناس من يقفُ أمام المال فيسيلُ
لَهُ لُعابُهُ وينسى معهُ قيمتهُ وأخلاقهُ للأسف الشديد فهذا من فضل الله عليك أن
نشأت في بيئة صالحة
عملاً بقوله تعالي:" "وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا"(النساء/9).
️وقد سألَ الناسُ عُمرَ بنَ عبدالعزيز وهو على فراش الموت : ماذا تركتَ لأبنائِكَ يا عُمرُ ؟قال: تركت لهم تقوى الله، فإن كانوا صالحين فاللهُ تعالى يتولى الصالحين ، وإن كانوا غير ذلك فلو تركتُ لهُم مالَ قارون ما أغنى عنهُم شيئاً ،،
أخا الإسلام :"إذا كُنتَ قد رُزقتَ بوالدٍ يعلمُك القيمَ والمبادئ واحترام الناس والخوفَ من
الله فهذا من فضل الله تعالى عليك وهذه نعمةٌ ربانيةٌ لا شك فى ذلك
وهكذا فى الأُم وماادراك ما الأُم
الأمُ مدرسةٌ إذا أعددتَها
أعددتَ شعبًا ً طيبَ الأعراقِ
ولذلك قيل إذا أردت أن تهدم حضارةَ أُمةٍ فهناك خطواتٌ ثلاث هي:
هدمُ الأسرة هدم التعليم.اسقاط القدوات والمرجعيات.
فإذا اختفت "اﻷم الواعية ️واختفى المُعلم المخلص ️وسقطت القدوة والمرجعية"
عندها تسقطُ الأمةُ بسقوطِ فكرهِا والأُسرةُ التى تتكونُ من الوالدِ والوالدة هى البيئةُ الداخلية فإذا كان اللهُ قد اصلحَ لك هذه البيئةَ فهذه نعمةٌ من الله فهى بيئةُ الأُسرة التى تؤثرُ فى الإنسانِ وتُشكلُهُ وتُشكلُ طبعهُ وخُلُقهُ وانتمائهُ
إذاً فإن الأسرة هي البيئة الطبيعيةُ الأولى
التي تتعهدُ الطفلَ بالرعايةِ والتنشئةِ الاجتماعيةِ
مُنذ الصغر، نظرًا لِما لها من أهمية في غرس القيم والأخلاق
ومن ثم على الأسرة أن تُبرزَ قيمةَ الفضائلِ الأخلاقيةَ والدينيةَ والإجتماعيةَ ليصلُحَ هذا المُجتمع ،وهكذا الوالد لابُد ان يكونَ قدوةً صالحةً لأولادهِ
عباد الله:" قالوا بأن الوالد هو محطُ انظار الأولاد لأنهُ هو أصلٌ من اصول البيئةِ الداخلية فوجبَ عليه ان يكونَ قدوةً لابنائهِ فهُناك رجلٌ بألفٍ وهُناك الفٌ بِخُفٍ ..
وإن عملَ رجُلٍ فى ألف رجُلٍ أقوى تأثيرًا من قولِ الفِ رجُلٍ فى رجُل " كما لو قُلتُ مثلاً " إنَ اسداً يقودُ ألف نعامةٍ يغلبُ جيشاً فيه الفُ اسدٍ تقودوهُم نعامةٌ "
فالمُهمُ فى العمل لا فى القول ومن هُنا قيل :" حالُ الإنسانِ ابلغُ من قولهِ " ومن ثم لا بد للأنسان أن يكون قدوةً لغيره فى عملهِ وأقوالهِ وأن يُطبِقَ الكلام على فعلهِ وقولهِ
ومن هُنا تعالوا بنا لننتقلَ سوياً من البيئةِ الداخليةِ إلى البيئةِ الخارجية التى تتمثلُ فى المدرسة والمسجدِ والمجتمعِ الخارجى فكُلُ هؤلاءِ يُساهمونَ بدورٍ بارزٍ
فتشكل المدرسة والمسجد الركيزتين الأساسيتين
في البيئة التربوية والاجتماعية التي تصنع شخصية الإنسان، وتوجه سلوكه وفكره منذ الصغر. والعلاقة بينهما تكاملية لتبادل الأدوار في بناء الفرد الصالح.
واستقامة الإنسان أو انحرافه يرتبطان بقوة
بمدى التنسيق والانسجام بين ما يتعلمه في المدرسة وما يتلقاه في المسجد والمنزل.
وهُنا يأتى دورُ المسؤليةِ الإنسانية التى جاءت فى العنوان :
"البيئةُ نعمةٌ ربانيةٌ ومسؤوليةٌ إنسانيةٌ"
عباد الله أقول ماتسمعون واستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية
الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام علي
أشرف المرسلين وبعد
فياعباد الله لازلنا نواصل الحديث حول البيئة
وتأثيرها علي الإنسان والحيوان
فالبيئة قد تؤثرُ فى طباعِ الإنسان قد تؤثرُ فى طباعِ الحيوان
فتأثير البيئة على الحيوان الطباع والطبائع:
تظهر هذه الحقيقة جلية في الحديث النبوي الشريف الذي يربط بين مهنة الإنسان وحيواناته
وبيئته، حيث قال ﷺ: "الفخر والخيلاء في أهل الإبل، والسكينة
والوقار في أهل الغنم"(البخاري ومسلم).
ولكن البيئة لاتؤثر علي الحيوانات المفترسة مثل الذئب فالذئب لا يمكن تدجينه بالكامل
مثل الكلاب، ومهما رُبّي في صغره بين البشر، تظل غريزته البرية والحيوانية هي
الحاكمة لتصرفاته عندما يكبر.
وكما قيل :"الطبع يغلب التطبع: الصفات المتجذرة في الشخص"سواء كانت خيرًا أو شرًا" لا تتغير بسهولة مهما تغيرت الظروف المحيطة به.
البيئة يمكنها أن تُغيّر "عادات"
الحيوان المفترس وتجعله معتادًا على البشر، لكنها عاجزة عن إلغاء شفيرته الجينية وغرائزه
البقائية التي تشكلت عبر ملايين السنين.
ولذلك يُحكى ان إمرأةً كانت تملكُ شاةً وكانت تعيشُ منها عيشةً
كريمة تشربُ من لبنها وتلبس صوفها فخافت على شاتها من
الذئاب فقالت سوف أتي بجروٍ صغيرٍ من أبناء الذئاب حديث
الولادة لم يرى أفعال الذئاب وأربيه مع شاتى حتى إذا ما كبُرَ
يدفعُ امثالهُ من الذئابِ عنى وعن شاتى ،، وبالفعل اتت بجروٍ
صغيرٍ من ابناء الذئاب وربتهُ معَ شاتهِا وكان يشربُ من لبنِ
شاتها ،، ولما كبُر واستفحل هجم على الشاةِ واكلها فبكت المرأةُ
على شاتها وانشدت قائلة
رُبيتَ بدارِنا ونشأتَ فينا
️ وانت لشاتِنا إبنٌ ربيبُ
️اكلتَ شويهتي وفجعتَ قلبى
فمَن أنباكَ أنَّ أباكَ ذيبُ
فسمعت من يُناديها ويقول
️إذا كانَ الطِّباعُ طباعَ سوءٍ
️فلا أدبٌ يُفيدُ ولا
أديبُ
ويروى ايضاً ان غُلاماً صنعَ معروفاً فى غيرى اهلهِ صنعهُ مع ثُعبان ،، وجدَ الغُلامُ الثُعبانَ يرتعدُ من شدةِ البرد ،، فاخذتهُ الرأفةُ بهِ واخذهُ معهُ إلى البيتِ وادفئهُ ، فلما احسّ الثُعبانُ بالدفئِ ارادَ ان يلدغَ الغُلام فجاءَ والدُ الغُلام وقتل الثُعبانَ ونصحَ ولدهُ نصيحةً وفى هذا تروىَ هذه الحكمة
لقد مرِضَ الثُعبانُ يوماً من الشتا
فجاءَ غُلامٌ واستعدَ لنقلهِ
وجاءَ بهِ يسعىَ إلى الدارِ طائشاً
وادفئهُ فانظُر لقلةِ عقلهِ
فلما
احسَ الوحشُ بالنارِ والدفا
وساحت سمومُ الموتِ فى الجسمِ كُلهِ
ففتحَ عيناهُ وحركَ رأسهُ
على الولدِ المسكينِ يبغى لقتلهِ
فجاءَ ابوهُ عاجلاً قطَ رأسهُ
وداسَ عليه غاضباً بنعالهِ
وقال بُنىَ إحذر لئيماً لقيتهُ
ولا تصنع المعروفَ فى غيرِ ألهِ
نعم إخوة الإيمان والإسلام "إن البيئةَ لها تأثير عجيب فى طباعِ الإنسان
والحيوان معاً