recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة خليك مؤدب ومحترم الشيخ عبدالناصربليح

خليك مؤدب ومحترم  

 

الأَدَبُ مَعَ اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَهُوَ رَأْسُ الأَدَبِ وَأَقْدَسُهُ 

 الأَدَبُ مَعَ كِتَابِه بِحِفْظِ حُرْمَتِهِ وَحُسْنِ التِّلَاوَةِ 

 الأَدَبُ مَعَ رَسُولِ اللهِ

 الْأَدَبُ مَعَ النَّاسِ كُلٌّ حَسبَ مَقَامِهِ

 الأدب مع الأبوين والأخوة والأقارب 

الأدب مع كبار السن 

الْحَمْدُ لِلَّهِ  وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ  وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَفْضَلُ مَنْ تَأَدَّبَ وَأَدَّبَ وَصَنَعَ بِحُسنِ الأخلاقِ العُظَمَاءَ اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْوَفَاءِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ اللِّقَاءِ

أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ الْأَدَبِ وَالْمُرُوءَةِ وَالْأَخْلَاقِ وَالْفَضَائِلِ مَنْ أَحَبَّهُ اللَّهُ شَرَّفَهُ بِهِ دِيناً وَهَذَّبَهُ بِهِ سُلُوكاً وَالْأَدَبُ هُوَ رُوحُ الدِّينِ وَثَمَرَةُ العِبَادَةِ وَهُوَ الاسْتِعْمَالُ الصَّائِبُ لِكُلِّ قَوْلٍ وَفِعْلٍ يُؤَدِّي إِلَى مَحَامِدِ الأَخْلَاقِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: "اُطْلُبِ الأَدَبَ فَإِنَّهُ زِيَادَةٌ فِي العَقْلِ وَدَلِيلٌ عَلَى المُرُوءَةِ وَصَاحِبٌ فِي الغُرْبَةِ وَمُؤْنِسٌ فِي الوَحْشَةِ"

وَلَقَدْ بُعِثَ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم  لِيُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلَاقِ وَجَعَلَ الإِسْلَامُ :"إنَّما بعثتُ لأتمِّمَ مَكارِمَ الأخلاقِ"(أحمد والحاكم والبيهقي).

الأَدَبَ شَامِلًا لِكُلِّ جَوَانِبِ الحَيَاةِ

أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ: إِنَّ لِلْأَدَبِ فِي دِينِنَا مَرَاتِبَ وَمَنَازِلَ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَتَعَهَّدَهَا فِي حَيَاتِهِ وَأَعْظَمُ هَذِهِ المَرَاتِبِ

الأَدَبُ مَعَ اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَهُوَ رَأْسُ الأَدَبِ وَأَقْدَسُهُ:"

 وَيَكُونُ بِتَعْظِيمِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَالرِّضَا بِقَضَائِهِ وَالحَيَاءِ مِنْهُ سُبْحَانَهُ فِي الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ قَالَ تَعَالَى مُعَاتِباً مَنْ قَصَّرَ فِي هَذَا الأَدَبِ ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً"(نوح: 13) .

وَمِنْ أَعْظَمِ صُوَرِ الأَدَبِ مَعَ اللهِ أَنْ لَا يُشْكَى اللهُ إِلَى خَلْقِهِ بَلْ يُفْزَعُ إِلَيْهِ فِي المُلِمَّاتِ كَمَا قَالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ:"إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ" (يوسف: 86).

والأدب مع الله يقتضي من العبد الحياء منه، والاعتراف بربوبيته ونعمه. ومن أعظم صور قلة الأدب مع الله أن يُبارز العبد ربّه بالمعاصي والمجاهرة بها، لأن في ذلك نوعًا من الاستخفاف بنظر الله وعقابه، والاستهانة بنعمه التي يستعين بها العبد على معصيته.وقد ورد في الأثرعن بلال بن سعد رضي الله عنه: "لا تنظر إلى صِغَر الخطيئة، ولكن انظر إلى مَن عَصَيت". فالمعصية مهما بدت صغيرة في عين العبد، فإن عظمة مَن عُصِيَ (وهو الله الجبار القدير) تجعل الذنب عظيمًا.

والأدب مع كتبه ورسله التوراة والأنجيل والقرأن 

قال تعالي:" آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ"(البقرة/285).

وَالأَدَبُ مَعَ كِتَابِه بِحِفْظِ حُرْمَتِهِ وَحُسْنِ التِّلَاوَةِ وَالِاسْتِمَاعِ وَالْإِنْصَاتِ لَهُ وَبِتَدَبُّرِ آيَاتِهِ وَالعَمَلِ بِمُحْكَمِهِ قَالَ تَعَالَى:"وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ "(الأعراف: 204).

وَالأَدَبُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلي الله عليه وسلم

يَكُونُ بِتَعْظِيمِ سُنَّتِهِ وَتَوْقِيرِ شَخْصِهِ الكَرِيمِ وَعَدَمِ الإِسَاءَةِ إلَيهِ لَقَدْ أَدَّبَ اللهُ الصَّحَابَةَ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ" (الحجرات: 2) 

وَقَالَ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم مُبَيِّناً وُجُوبَ مَحَبَّتِهِ الَّتِي هِيَ أَصْلُ الأَدَبِ مَعَهُ: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ"(متفق عليه).

 الْأَدَبُ مَعَ النَّاسِ كُلٌّ حَسبَ مَقَامِهِ

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: الْأَدَبُ مَعَ النَّاسِ كُلٌّ حَسبَ مَقَامِهِ يَكُونُ:

بطَلَاقَةِ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْكَلَامِ قَالَ تَعَالَى:"وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا"(البقرة:83). 

وَقَالَ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم: "لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئاً وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ"(مسلم).

وَيَكُونُ بكَفِّ الْأَذَى وَحِفْظُ اللِّسَانِ قَالَ تَعَالَى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ"(الحجرات:11).

 وَسُئِلَ الرَّسُولُ صلي الله عليه وسلم :" أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ"(متفق عليه).

وَيَكُونُ بِإِفْشَاءِ السَّلَامِ وَرَدِّ التَّحِيَّةِ قَالَ تَعَالَى:"وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا"(النساء:86).

وَقَالَ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم:"أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ"(مسلم).

وَيَكُونُ بِالتَّوَاضُعِ وَلِينِ الْجَانِبِ وَعَدَمِ التَّكَبُّرِ عَلَى النَّاسِ أَوْ احْتِقَارِهِمْ قَالَ تَعَالَى:"وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً"(لقمان:18).

وَقَالَ النَّبِيُّ صلي  الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ"(مسلم).

وَيَكُونُ بِاحْتِرَامِ الْكَبِيرِ وَأَهْلِ الْفَضْلِ وَرَحْمَةِ الصَّغِيرِ

قَالَ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبِيرِنَا"(الترمذي وغيره).

وَيَكُونُ بِاحْتِرَامِ العُلَمَاءِ وَالمُدَرِّسِينَ وَتَوْقِيرِهِمْ وَعَدَمِ الإِسَاءةِ لَهُم وَالِاسْتِمَاعِ إِلَيْهِمْ وَحِفْظِ غَيْبَتِهِمْ قَالَ تَعَالَى:"يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ"(المجادلة: 11) قَالَ الإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللهُ: "تَعَلَّمِ الأَدَبَ قَبْلَ أَنْ تَعَلَّمَ العِلْمَ" وَكَانَ يَقُولُ: "كَانَتْ أُمِّي تُعَمِّمُنِي وَتَقُولُ لِي: اذْهَبْ إِلَى رَبِيعَةَ فَتَعَلَّمْ مِنْ أَدَبِهِ قَبْلَ عِلْمِهِ"

وَيَكُونُ بِالْعَفْوِ وَقَبُولِ الْأَعْذَارِ وَالتَّجَاوُزُ عَنْ زَلَّاتِ النَّاسِ وَمُقَابَلَةُ الْإِسَاءَةِ بِالْإِحْسَانِ قَالَ تَعَالَى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ"(الأعراف:199). 

وَقَالَ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم: "وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْداً بِعَفْوٍ إِلَّا عِزّاً"(مسلم).

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ لِهَذَا الأَدَبِ ثِمَاراً عِظَاماً وَفَوَائِدَ جَسِيمَةً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَالتَّأَدُّبُ بِأَدَبِ الإِسْلَامِ هُوَ طَرِيقٌ لِنَيْلِ مَحَبَّةِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَهُوَ أَثْقَلُ شَيْءٍ فِي مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ لِقَوْلِهِ صلي الله عليه وسلم: "مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ"(الترمذي).

وَقَالَ صلي الله عليه وسلم: "إن المؤمنَ لَيُدْرِكُ بحُسْنِ خُلُقِه درجةَ الصائمِالقائمِ"(أبو داود).

كَمَا أَنَّ الأَدَبَ يَحْفَظُ المُجْتَمَعَ مِنَ التَّفَكُّكِ وَيَنْشُرُ المَحَبَّةَ وَالسَّلَامَ بَيْنَ النَّاسِ

فَالْأَدَبُ حِصْنٌ حَصِينٌ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنَ الوقُوعِ فِي الغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَفُحْشِ القَوْلِ الَّذِي يُكِبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ

إِنَّ الأَدَبَ لَيْسَ نَافِلَةً بَلْ هُوَ أَسَاسُ قَبُولِ الأَعْمَالِ قَال بَعْضُ السَّلَفِ: "نَحْنُ إِلَى قَلِيلٍ مِنَ الأَدَبِ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَى كَثِيرٍ مِنَ العِلْمِ"

وَقَالَ آخَرُ: "العِلْمُ مَوْقُوفٌ عَلَى العَمَلِ وَالعَمَلُ مَوْقُوفٌ عَلَى الإِخْلَاصِ وَالإِخْلَاصُ يُورِثُ الفَهْمَ عَنِ اللهِ وَمَنْ جَعَلَ الأَدَبَ غِذَاءَهُ نَالَ المَقَامَ المَحْمُودَ"

الأدب مع  الأبوين؛

إن من أحق الناس بالاحترام والتوقير الأبوين؛ قال تعالى:"وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا"(الإسراء: ٢٣)، 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، مَنْ أحقُّ الناس بِحُسن صَحَابَتِي؟ قال: «أمك» قال: ثم مَنْ؟ قال: «أمك»، قال: ثم مَنْ؟ قال: «أمك»، قال: ثم مَنْ؟ قال: «أبوك». متفق عليه. وفي رواية: يا رسول الله، مَنْ أحقُّ بحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ قال:"أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أباك، ثم أدْنَاك أدْنَاك"(متفق عليه).

 ولقد كان أبو هريرة رضي الله عنه مثالاً رائعاً فى الأدب مع أمه؛ فإذا أراد أن يخرج من بيته وقف على باب أُمِّه فقال: السلام عليك يا أُمَّاه ورحمة الله وبركاته. فتقول: وعليك السلام يا بُنَيَّ ورحمة الله وبركاته. فيقول: رحمك الله كما ربيتني صغيرًا. فتقول: رحمك الله كما بررتني كبيرًا. وإذا أراد أن يدخل صنع مثله.

فَمَا أَحْوَجَ مُجْتَمَعَاتِنَا اليَوْمَ إِلَى التَّأَدُّبِ فِي الحِوَارِ وَالأَدَبِ فِي بُيُوتِنَا وَمَعَ جِيرَانِنَا وَفِي مَدَارِسِنَا

اللَّهُمَّ اهْدِنَا لِأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ وَالآَدَابِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ

فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ

أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ والصلاة والسلام علي رسول الله أَمَّا بَعْدُ: 

الأدب مع  كبار السن؛

عن ابن عمر رضى الله عنهما أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "أَرانِي في المَنامِ أتَسَوَّكُ بسِواكٍ، فَجَذَبَنِي رَجُلانِ، أحَدُهُما أكْبَرُ مِنَ الآخَرِ، فَناوَلْتُ السِّواكَ الأصْغَرَ منهما، فقِيلَ لِي: كَبِّرْ، فَدَفَعْتُهُ إلى الأكْبَرِ"(مسلم).

يبدأ الصغير بالسلام على الكبير؛ فعن عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ علَى الكَبِيرِ، والمارُّ علَى القاعِدِ، والقَلِيلُ علَى الكَثِيرِ"(البخاري).

تقديم كبار السن في الصلاة؛ أن يلي الإمام مباشرةً كبار القوم وذوو المكانة والمنزلة العلمية؛ فعن أبي مسعود رضي الله عنه قال:"كان رسولُ اللهِ صلي الله عليه وسلم  يمسح مَنا كِبَنا في الصلاةِ ويقولُ: استووا ولا تختلفوا فتختلفَ قلوبُكم، ليلني منكم أولو الأحلامِ والنهى، ثم الذين يلونَهم ثم الذين يلونَهم. قال أبو مسعودٍ: فأنتم اليوم أشدَّ اختلافاً"( مسلم). 

شدة العناية بكبار السن والشفقة لمرضهم وضعفهم؛ فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنهاقالت: «ما رأيتُ أحدًا أَشْبَهَ سَمْتًا ودَلًّا وهَدْيًا برسولِ اللهِ في قيامِها وقعودِها من فاطمةَ بنتِ رسولِ اللهِ صلي الله عليه وسلم قالت وكانت إذا دَخَلَتْ على النبيِّ صلي الله عليه وسلم قام إليها فقَبَّلَها وأَجْلَسَها في مَجْلِسِهِ وكان النبيُّ صلي الله عليه وسلم إذا دخل عليها قامت من مَجْلِسِها فقَبَّلَتْهُ وأَجْلَسَتْهُ في مَجْلِسِها فلما مَرِضَ النبيُّ صلي الله عليه وسلمدَخَلَتْ فاطمةُ فأَكَبَّتْ عليه فقَبَّلَتْه ثم رَفَعَتْ رأسَها فبَكَتْ ثم أَكَبَّتْ عليه ثم رَفَعَتْ رأسَها فضَحِكَتْ فقلتُ إن كنتُ لَأَظُنَّ أنَّ هذه من أَعْقَلِ نسائِنا فإذا هي من النساءِ فلما تُوُفِّيَ النبيُّ صلي الله عليه وسلم قلتُ لها أرأيتِ حين أَكْبَبْتِ على النبيِّ صلي الله عليه وسلم فرَفَعْتِ رأسَكِ فبَكَيْتِ ثم أَكْبَبْتِ عليه فرَفَعَتِ رأسَكِ فضَحِكْتِ ما حَمَلَكِ على ذلك قالت إنِّي إذًا لَبَذِرَةٌ أخبرني أنه مَيِّتٌ من وجعِه هذا فبَكَيْتُ ثم أخبرني أني أَسْرَعُ أهلِه لُحُوقًا به فذاك حينَ ضَحِكْتُ"(الترمذي).

  رعاية وصيانة كبار السن حتى لو كانوا غير المُسلمين؛ لقد ظهر ذلك واضحاً في موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما رأى يهوديّاً كبيراً في السنّ يسأل الناس، فسأله: لم تسأل؟ فأجابه: بسبب الجزية، والحاجة، وكبر السن، فأخذه وأعطاه شيئاً من بيته، وصرف له من بيت مال المُسلمين، وقال: "والله ما أنصفناه إذا أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم" وفي قول اخر :" أكلتم شبيبته ولم ترحموا شيبته"  فوضع عنه وعن أمثاله الجزية.

فاتقوا الله عباد الله: وتوبوا إليه واستغفروه.

اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


google-playkhamsatmostaqltradent